وجهات نظر

“خدعة ميونخ”.. والاتفاق النووي الإيراني

سارة شريف

عندما قرر أدولف هتلر احتلال بولندا وتصفيتها في أول سنوات حكمه، لم يقم بذلك دفعة واحدة، بل اختار “اللعبة الدبلوماسية” ووقع معها اتفاق عدم اعتداء إلى ما بعد اتفاق ميونخ، وبعد ذلك غيّر موقفه، وبدأ يوجه إنذارات ومطالب للبولنديين، ولم يلتزم باتفاقه معهم، وظهر أن هناك خدعة في الأفق اسمها “اتفاق ميونخ”.

في 1939 لم توقع بريطانيا وفرنسا على ذات الاتفاق الذي عرضه عليهما هتلر.. تعلما الدرس من خدعة ميونخ، وما حدث للبولنديين، وبدلاً من توقيع الاتفاق أعلنتا الحرب عليه.

ثمة شيء مشابه بين ما فعله النازيون وما يفعله الإيرانيون اليوم، هؤلاء يتحدثون عن العودة للاتفاق النووي، ويضعون الولايات المتحدة وأوروبا أمام إنذار: قوموا بإلغاء العقوبات علينا وبعد ذلك “قد” نوافق، وكلمة “قد” هنا تجعل الصورة تشبه ما فعله النازيون.

  أصوات أمريكية كثيرة تنادي بأنه يجب العودة أولاً إلى الاتفاق النووي السابق، ثم إلغاء العقوبات والبدء بمفاوضات فورية لتعديل الاتفاق، الحديث هنا يدور عن إدراج الصواريخ الباليستية ضمن بنود الاتفاق، لأنه إذا ألغت واشنطن العقوبات أولاً، فستفقد كارت عقوبات النفط للضغط على إيران، فيجب استغلال هذا الكارت لمنع توريد الصواريخ الإيرانية إلى أذرعها في المنطقة، “حزب الله” في لبنان، والحشد الشعبي في العراق، وسوريا، والحوثي في اليمن.

قبل أسبوعين أُطلق صاروخ باليستي إيراني على منشأة نفط تابعة لشركة أرامكو في جدة في السعودية، وهذه ليست أول مرة.

من غير المؤكد أن إيران ستجري مفاوضات جديدة على الاتفاق، قال ذات يوم وزير الخارجية الإيراني: “لن نجري أبدا مفاوضات جديدة على الاتفاق”.. من ناحية أخرى، فإن الاتفاق الذي ربما لم يعد يناسب الوقت الحالي بمتغيراته، لا أحد يعرف كيف سيتم حل هذه المعضلة.

“بايدن” يتحرك من حقيقة أنه يجب العودة إلى الاتفاق النووي، يجب بأي شكل العودة له، في نظره الاتفاقات هي الطريقة الوحيدة التي من شأنها أن تمنع إيران من الوصول للقنبلة النووية، والحقيقة أن الأمر لا يتعلق فقط بإيران.

الإدارة الأمريكية ترى أنه حال ظلت إيران خارج المظلة الدولية فيما يتعلق بنشاطها النووي، فهذا من شأنه أن يجبر دولا أخرى في المنطقة على تطوير نشاطها النووي، وآخر ما تريده واشنطن أن ترى سباق تسلح نووي في الشرق الأوسط.

مفاوضات على صفيح ساخن

الإيرانيون يخسرون في الحروب ويكسبون في المفاوضات، هذه الرؤية السائدة عنهم منذ سنوات، وهو ما يضعه “بايدن” في اعتباره، وبالأحرى يضعه محور الدول السنية، فهل ستنتهي المفاوضات لصالح إيران؟، ويصبح الاتفاق النووي مجرد ورقة تمنعهم من تنمية قدراتهم لفترة مؤقتة مثل اتفاق 2015، أم سيتم حسم الأمر بشكل نهائي؟، لا أحد يعرف حتى الآن.

رغبة الإدارة الأمريكية في إتمام الاتفاق، ووضعه على قائمة أولوياتها تشكل خطرا حول مدى تمسكها بمبادئ معينة داخل الاتفاق، فهل تقدم إدارة بايدن تنازلات لإيران لإتمام فقط الاتفاق بذريعة أن اتفاقا غير جيد أفضل من عدم وجود اتفاق؟، لا أحد يعرف حتى الآن.

كما أن تصريحات بايدن بشأن إدراج مشروع الصواريخ الباليستية ضمن الاتفاق النووي تفسرها إيران كضعف، حيث يرى الإيرانيون أن جو بايدن، بعكس ترامب، يتخوف من مواجهة عسكرية معهم، لذا من المتوقع أن يتحدّونه ويضعونه قيد الاختبار في التوقيت الملائم بالنسبة إليهم.. هم يرون أن مشروع الصواريخ الباليستة آتى ثماره، وبشكل ما استطاعوا فرض موازين قوى جديدة في المنطقة من صواريخ باليستية وميليشيات.

الإيرانيون يستعدون لدخول المفاوضات بمظهر الأقوياء كما يبدو، فبدؤوا وضع شروط مسبقة على الإدارة الجديدة حتى قبل دخول بايدن إلى البيت الأبيض، كما طالب الرئيس الإيراني بأن تعوض الإدارة الجديدة إيران عن الأضرار التي تسببت بها إدارة ترامب.. هذه جرأة، من الصعب التكهن أن هؤلاء سيخضعون في المفاوضات.

الانتخابات: خياران كلاهما صعب

عامل الوقت أيضاً يلعب لعبته، من غير المؤكد أن يتم التوصل لاتفاق مع طهران قبل الانتخابات الإيرانية المقررة في يونيو المقبل، في واشنطن هناك من يراهن على فوز التيار المعتدل في إيران الذي يمثله الرئيس حسن روحاني ووزير الخارجية محمد جواد ظريف، على أصوات التيار المتطرف الآخر.

التيار المتطرف يرفض العودة للمفاوضات بحجة أنه لا يمكن الاعتماد على الولايات المتحدة، وأنه يجب حل الأزمة الاقتصادية لإيران من خلال الاستمرار في “اقتصاد المقاومة” الذي تبناه المرشد الأعلى، بينما يرى التيار المعتدل في إيران أنه من الممكن العودة للتفاوض مع وقف العقوبات.

حتى لو فاز التيار المعتدل في الانتخابات، هذا لن يجعل إيران دولة طيبة وهادئة، في كل الأحوال هي لن تتخلى عن مشروعها النووي، وبصورة أدق لن تتخلى عن فكرة تصدير الثورة، هذه أيديولوجيتها، الحديث هنا يدور عن اختيار بين مفاوضات صعبة أم مفاوضات صعبة جداً.

من المشكوك فيه أن يُقدم “روحاني” على بدء المفاوضات قبل الانتخابات، بهذه الطريقة هو سيمنح الجناح المتطرف ذريعة للهجوم عليه، وربما يحققون انتصاراً بسبب عرضه كرئيس ضعيف خضع لواشنطن.. ويزيد هذا من تطرف الجناح المتطرف أصلاً.. بشكل عام لا أحد يعرف شيئا عن الملف الأكثر أهمية للإدارة الأمريكية الجديدة.

سارة شريف

كاتبة مصرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى