فنمختارات

“خريف التفّاح”: شجرة الغُواية تُسَاقِط دهشةً وتيهًا

 

لا ينبش “خريف التفاح” في تفاصيل الحياة الواقعية، لا يتجول في شوارع المدن الحديثة ومشكلات الإنسان المعاصر. يأخذنا الفيلم برفق ليعيدنا إلى الحياة من جديد أو يُعيد الحياة إلينا. حياة لم تلوثها الحداثة بعد. قلب الطبيعة هو روح الفيلم،  معنى فلسفي كبير تجسده دراميًّا أسرة صغيرة، شخوصها الرئيسة: الجد، الأب، والحفيد.

في مشاركته الأخيرة بمهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورته الثانية والأربعين يقدم لنا المخرج المغربي محمد مفتكر ثالث أفلامه الروائية “خريف التفاح” لتكتمل ثلاثية أفلامه الطويلة بعد فيلميه: “البراق” و”جوق العميين”.

أسرة بسيطة تعيش في قرية مغربية نائية بالقرب من الجبل. لا نعرف زمن الفيلم بالتحديد ولا نهتم بمعرفته كلما مرّ الوقت، لأن الحكاية تجرد الزمن وتدور في الأزقة المغربية لتتماس مع الإنسان والطبيعة في أي مكان آخر، وتشبه تساؤلاتنا وحيرتنا وتحوي من الغموض ما لا يختلف عن غموض الحياة التي نعيشها، وتضمر في طياتها علاقة مضطربة بين الأب والابن.

اضطراب يثير التعجب لغموضه، ويلقي بظلاله على رمزية دينية تتجلى في شجرة التفاح، وقدرة الأب على مسامحة ابنه الذي جاء بفعل الخطيئة، ورغبة الابن الصغير في فهم الأمور من حوله والحصول على إجابات تطفئ نيران الحيرة بداخله. ولأن تلك العلاقات حميمية ومعقدة في آن، كان لا بد من تفكيك هذه العلاقة الثلاثية بين الجد والأب والحفيد، في ظلال شجرة التفاح المحرمة، ومراقبة الرمزية التي تتجسد في شخصياتهم.

أفيش فيلم خريف التفاح

كشجرة آدم؟!

​في ساحة البيت الخارجية تقف شجرة تفاح، لا تمنح الجالسين ظلاً، شجرة تراقب وتنذر بالخطيئة، كشجرة آدم التي قادته إلى زوال النعيم والتجرد من ثياب الجنة.

في البيت حياة رتيبة وفاترة بين الحفيد الصغير، وبين الجدة والجد والأب، لكنهم يتوحدون في لحظات مرض الجد الهرم الذي لا يقوى على الكلام أو الحركة، يذهب الحفيد مع الجد والجدة إلى شيخ عارف بالله، يمنحهم بركة الشفاء بالذكر والصلوات، عودة إلى الفطرة وعلاقة الدين بالجسد، بالمرض، الدعاء للجد يشفيه من علته، لكنه هرم، كهل، جثة هامدة، يأكل الزمن جسده ويطوي صفحات الماضي وأمجاده.

صورة الجد معلقة على جدران البيت وثيابه العسكرية مُخزَّنة في دولابه، معتقة برائحة القوة والعنفوان، ثمة زمن حاضر وزمن بعيد يستتر في صور الماضي تلك ويسرد لنا في صمت ماضي الجد، نتخيله في أيام الزهو والصبا، ونتذكر أن العمر يشيخ وأن الأيام تمضي بشراسة.

نتوقع موت الجد لكنه يحيا حتى النهاية، فالجد حارس هذا البيت ببركته، فكرة لا تنتهي حتى لو شاخت، الجد يقوّم ابنه عندما يصفع حفيده الصغير، الجد مهما كان صامتًا هو اليد التي تقوّم وتبطش وتحافظ على هالتها المقدسة.

لا يجد الجد راحته إلا في القعود تحت شجرة تفاح يتساقط عليه ولا يلتقطه، يتمدد تحت الشمس الصافية والحفيد من بعيد يراقبه، كأن الجد حارس شجرة الغواية التي زرعها يومًا بيده، والجد هو الجسد المقدس الذي يراقبنا في وهن وصمت، هو الماضي الذي نحمله على أعتاقنا ولا ننساه، تمامًا كما نرى الجد في أكثر من مشهد محمولاً على كتف ابنه كأنه مصيره المحتوم الذي لا فرار منه.

الأجد والأب والحفيد في مشهد واحد بالفيلم

تيه الأب

كلما حل الأب على الشاشة يثير بداخلنا شعورًا بعدم الراحة، غاضب غالب الوقت، ناقم على حياته، ولا يطيق رؤية ابنه الصغير الذي نعرف أنه يشك في نسبه إليه، وفي لحظة شديدة القسوة يقرر أن يغادر البيت بعد موت أمه تاركًا وراءه أباه القعيد وابنه الصغير، بل إنه يلقن ابنه دروسًا فاترة ويأمر الصغير ألا يترك المدرسة ولا البيت.

تكشف رحلة الغضب والتيه التي يغرق فيها الأب الكثير من هموم الإنسان في علاقته بالحياة، وعلاقته بجذوره، شك وحنق دائمان يسيّران الطريقة التي يعيش بها، هذا الأب لم يقضم التفاحة من شجرة أبيه لكنه متورط في آثار قضمها، ومتورط في ابنه الذي لا يعتبره من نسله لأن الشكوك تجاه حبيبته تنخر في عظامه، لذلك قرر التمرد، المغادرة والترحال، غير عابئ بالبيت والعائلة والشجرة التي تذكره بالخطيئة التي جاء منها نسله، تمامًا كنسل بني آدم. لكنه، ورغم كل شيء، يعود من جديد إلى جذوره وبيته محمولاً بالذنب لأن التيه والترحال وإن كانا مصير الإنسان، فإنه المصير الأكثر وحشة وإيلامًا.

المخرج المغربي محمد مفتكر


دهشة الابن

يصور الفيلم لقطاته ومشاهده بعيون الابن الصغير سليمان، عيناه هما عين الكاميرا، وهذا الاختيار الفني يعود للمخرج محمد مفتكر الذي يقدم لنا الفيلم بعيني الطفل الصغير، لنراقب مثله ونُدهَش لدهشته، ونأخذ موقفًا محايدًا من الشخصيات، ومن الحياة أيضًا.

في المدرسة يطلَب من الأطفال أن يرسموا تفاحة، نفذ التلاميذ مطلب المدرس، إلا الابن “سليمان” الذي رسم شجرة تفاح، تلك التي تستقر في ساحة بيته، اختار أن يرسم ما يعرفه جيدًا، وعلى مدار الفيلم يراقب التفاح ويقضمه، بعكس أبيه الذي يرفض التفاح ويحطم أطباق الطعام التي تحوي التفاح.

الابن مشغول بالمراقبة، وبالبحث عن الأسئلة التي تؤرقه: ما قصة أمه؟ لماذا يعامله أبوه بهذا الجفاء؟ وهل هو ابن أبيه حقًا أم لا؟ وفي الجزء الأخير من الفيلم تظهر الجارة الشابة بعد موت الجدة لتجسد بثيابها الحمراء دلالة واضحة للغواية، تقطف تفاحة من الشجرة وتقضمها بدلال وميوعة، لا تعبأ بالخطيئة، بالإرث المحرم في بيت هذه الأسرة، نعرف أن الجارة هي الأم، وأنها مصدر العناية والحب المتبقي لهذا الطفل الذي تخلى عنه أهله بالقسوة مرة وبالموت مرة أخرى.

في الفيلم الروسي “الخدم” وردت جملة على لسان أحد أبطاله وهو يذّكر الرهبان الشباب أننا “نحتاج إلى الصمت لنستمع إلى أرواحنا” وهذا الوصف تحديدًا يعيدني من جديد إلى فيلم “خريف التفاح”، فالصمت يطغى على الكلام والجمل الحوارية، الصمت يغلف الطبيعة ويعيدنا إلى أسئلة الحياة من جديد.

يحتل الصمت دورًا رئيسًا في مراقبة الحياة بعيني الطفل، وفي تجسيد صمت الطبيعة التي أعتبرها ردًّا مثاليًّا على أسئلة الحياة اللانهائية، كما أن الصمت كان عنصرًا متجانسًا مع صورة الفيلم التي تلتقط التفاصيل في مراقبة وحذر لتنقل لنا حالة عميقةمن: الارتباك، التوتر، ومعايشة اللحظات العادية في أيام الشخصيات.

في أحد تصريحاته عن السينما يقول المخرج محمد مفتكر إن “الفيلم ينطلق دائمًا من فكرة أو صورة”، والصورة هي الأثر الباقي بعد نهاية الفيلم، بساطة الحياة وصعوبة الأسئلة والحيرة. وهو ما يتجلى في “خريف التفاح” لأن الفكرة طاغية على أحداث الفيلم، والصورة من عيني الطفل تحكي لنا الكثير عن حكاية هذه الأسرة البسيطة.

سينما الذاكرة .. والآن

الكاتب والناقد السينمائي رامي عبد الرازق، مدير برنامج مسابقة “آفاق السينما العربية” بمهرجان القاهرة السينمائي يربط بين “خريف التفاح” وثيمة “الذاكرة والآن”. يقول: “يتجسد الأمر في عدة عناصر أهمها موتيفة شجرة التفاح، وارتباط ثمرة التفاح بمصير الإنسان وخروجه من الجنة، وكل ما تحمله من دلالات دينية. يرِد في الفيلم ذكرُ أن في كل بيت من بيوت تلك القرية المغربية النائية شجرة تفاح، وهي إشارة واضحة إلى أن فاكهة التفاح بكل تماثلاتها الحاضرة في التاريخ والراهن الإنساني. إلى جانب الرمزية التي تتجسد في العلاقة بين الجد والأب والابن، وتجريد الزمن الذي تدور فيه أحداث الفيلم، كل هذه العناصر الجلية وسمات الفيلم الشاعرية التي تجعله مفتوحًا للتأويلات ساعدت في اختيار (خريف التفاح) ضمن مسابقة آفاق السينما العربية”.

يوضح أكثر:  “تشكلت مسابقة آفاق السينما العربية هذا العام تحت ثيمة محددة أطلقت عليها اسم  (الذاكرة والآن)، جاء الأمر بعد مشاهدة العديد من الأفلام المشاركة في المسابقة، شعرتُ بتكرار وجود هذه الثيمة في عدد من الأفلام المشاركة بالمسابقة، والمقصود بها تجلي تأثير الذاكرة والماضي على اللحظة الراهنة لمستقبل الشخصيات في الأفلام، سواء أكانت الذاكرة متجسدة في ذكريات حاضرة أم متمثلة في أجيال أخرى يعكس وجودها وجود الماضي -كشخصية الجد ووجود شجرة التفاح- وهو أمر جلي وحاضر بقوة في فيلم “خريف التفاح” المعروض ضمن أفلام مسابقة آفاق السينما العربية”.

تشارك  في المسابقة 6 أفلام عربية من ضمنهما فيلمان يمثلان المغرب. ويشترك الأفلام في ثيمة “الذاكرة والآن”  كما وضح “عبد الرازق” إلى جانب حرصه على اختيار أفلام لتسليط الضوء على التجارب  السينمائية العربية الجديدة والتي تحمل أنفاس مختلفة عن السائد في السينما العربية، مثل الفيلم  المغربي “ميلوديا المورفين 2020″ و”خريف التفاح” الذي يحمل طابعًا شاعريًّا.

عبد الرازق يكشف أن الخط الدرامي لـ”خريف التفاح” مماثل للخط الذي ينتمي إليه الفيلم  السعودي “حد الطار” الذي يقدم المجتمع السعودي من الداخل، وهو تجربة جديدة تطأ ساحة المنافسة السينمائية الدولية، إلى جانب فيلم “على السلم” وهو تجربة ذاتية تأخذ نصيبًا من تجلي الذاكرة الشخصية في سرد الفيلم. وهناك أيضا فيلم “نحن من هناك” الذي يغوص في ماضي الشخصيات وذكرياتها ، وكذلك فيلم “تحت السماوات والأرض” الذي يناقش فكرة ذاكرة وماضي المدينة التي تلقي بأحمالها على بطل الفيلم.

آية طنطاوي

صحفية مصرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى