سياسةمختارات

خسائر لا تحصى.. ولاية ترامب: الجمهوريون في أزمة مستقبل

 

أدت السنوات الأربع، التي حكم خلالها الرئيس الأمريكي الجمهوري دونالد ترمب الولايات المتحدة الأمريكية، إلى تغيرات كبيرة داخل أروقة الحزب الجمهوري، كان أبرزها الانقسامات الكبرى التي شهدها الحزب، والتغيرات الجذرية في شكل الحزب وبنيته الداخلية.

خسائر الحزب من سياسة ترامب لم تقف عند انشقاقات أو خلافات بين عدد من قادته المؤثرين، حيث امتدت لتقويض سلطات الجمهوريين في معارضة بايدن داخل الكونجرس ومجلس الشيوخ، ونفور قطاعات مؤثرة داخل المجتمع الأمريكي، أبرزها طلاب الجامعات، من الانضمام للحزب، بعد أن كانوا يعدون الشريحة الأكثر عددا داخل الحزب.

وهنا نحاول التعرف على أبرز خسائر الحزب الجمهوري من سياسات ممثلها الجمهوري في البيت الأبيض خلال السنوات الأربع، وآثار هذه الخسائر على استراتيجية الحزب الجمهوري خلال الفترة المُقبلة مع بداية حُكم جو بايدن، ممثل الحزب الديمقراطي.

انشقاقات واسعة داخل الحزب الجمهوري

يمر الحزب الجمهوري في المرحلة الحالية بواحدة من أصعب الفترات في تاريخه، بعدما أدت سياسات ترامب خلال سنوات ولايته اليتيمة إلى حدوث انشقاقات واسعة داخل بنية الحزب وبين قادته.

فعلي مستوى خريجي الجامعات الأمريكية، فقد شكلوا 41 في المائة من الناخبين الديمقراطيين مقارنة بـ30 في المائة من الناخبين الجمهوريين خلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة.

الإشكال الأكبر، الذي يواجه الحزب الجمهوري، يتمثل في إرث ترامب على مستوى أفكاره وأطروحاته تجاه الكثير من القضايا، إذ يحاول عدد من القادة الحاليين للحزب فك الارتباط بين الأخير وترامب في السنوات اللاحقة.

والانعكاس الأهم لإرث ترامب الشعبوي ظهر في بنية وشكل الحزب الجمهوري، بعدما ارتفعت نسبة أعضاء الحزب من الريفيين في سكان الولايات والطبقة العاملة الداعمة لأفكار ترامب حول الكونفدرالية والعنصرية والعنف، مقابل نفور قطاعات أخرى من الحزب كطلاب الجامعات، على سبيل المثال.

وتحمس الأعضاء الجدد داخل الحزب الجمهوري لصالح ترامب أكثر من انتمائهم للحزب في حد ذاته، مما جعلهم يواجهون القادة الجمهوريين ممن لا يتفقون مع سياسات ترامب، ويرون أن الأخير يحاول طمس هوية الحزب ببث أفكار عدائية.

“هذا ليس حزبهم الجمهوري بعد الآن. هذا هو حزب دونالد ترامب الجمهوري”.. توماس فريدمان، الكاتب الصحفي الأمريكي، متحدثاُ في مقالة بصحيفة النيويورك تايمز الأمريكية، حول التباينات داخل الحزب.

يوضح “توماس” أن أمنيته هي انفصال هذا الحزب الجمهوري بالتمييز بين أعضائه الجمهوريين والجمهوريين من أعضاء ترامب.

حاكم ولاية أوهايو السابق والمرشح الجمهوري للرئاسة لعام 2016 جون كاسيش، هو أحد كبار قادة الحزب الجمهوري ممن يخالف تصورات ترامب، يرى أن سنوات حكم ترامب أسهمت في تصدير صورة عن الحزب  كمناهض للديمقراطية،ومروج للأفكار العدائية.

وبحسب استطلاع نشرته صحيفة النيويورك تايمز الأميركية، فقد اختار نحو 58% من الجمهوريين والمستقلين ذوي الميول الجمهورية تأييد ترامب عن الحزب الجمهوري.

تقويض سلطات الجمهوريين في معارضة بايدن

أحد مظاهر الخسارة التي لحقت بالحزب الجمهوري من سياسات ترامب تمثلت في فقد عدد كبير من نواب حزبه في مجلسي الكونجرس والشيوخ بعضا من سلطاتهم من خلال تقليص معارضتهم المستقبلية لسياسة بايدن، خصوصا بعد واقعة اقتحام أنصار ترامب للكونجرس.

وظهرت مؤشرات هذا التحول، في تضاؤل أعداد النواب الجمهوريين المستعدين للدفاع علانية عن ترامب في جلسة المصادقة على فوز بايدن بالكونجرس، كما أعلنوا في وقت سابق، وتبدلت مواقفهم من تأييد الأخير لمهاجمته، ودعم مقترح عزله من منصبه.

السيناتور الجمهورية كيلي لوفلر كانت واحدة من بين 11 نائبا جمهوريا، ممن اضطرهم اقتحام الكونجرس للتراجع عن رفض المصادقة على بايدن في الكونجرس، قائلة: “عندما أتيت إلى واشنطن في الصباح كنت أنوي الاعتراض على المصادقة، لكن بعد ما جرى ضميري لن يسمح لي بالاعتراض».

وتمتد انعكاسات هذا التقويض للتأثير على فرص فوز الجمهوريين الذين سيترشحون للمناصب داخل الأجهزة الحكومية بعد انتهاء حقبة ترامب، والتي ظهرت مؤشراتها في خسارة الحزب الجمهوري للأغلبية في مجلسي النواب والكونجرس، والتي كانت تحت قبضته مع ولاية ترامب.

هل تتغير استراتيجيات الحزب الجمهوري بعد ترامب؟

سيتطلب من الحزب الجمهوري اتباع استراتيجيات جديدة خلال الفترة المُقبلة، في ظل التباينات بين القاعدة التقليدية لمؤيديه، والخروج بخطاب جديد بعيدا عن خطاب العداء المنصب تجاه الأقليات التي ترتفع أعدادها، وأصبحت كتلة تصويت قوية.

وبحسب تحليل صحفي نشره موقع محطة سي إن إن الأمريكية، فقد قاد ترامب الحزب الجمهوري نحو خسائر تاريخية لم تحدث منذ 90 عاما.

من جانبه، قال ستيفين كليمنز، رئيس دورية ذي أتلانتك الأمريكية، في تصريحات خاصة لـ”ذات مصر” أن  الحزب الجمهوري عليه اتباع استراتيجية الحسم المرحلة المُقبلة نحو كافة القضايا الجدلية الخلافية التي أثارها ترامب، وارتبطت بالحزب، كونه ممثلاً له في البيت الأبيض، مؤكدا أن هذا الأمر قد يظهر في مدى درجة اتفاقه وتأييده مع قرارات بايدن المستقبلية.

لكنه يستدرك قائلا: “هذه الاستراتيجية قد تدخل الحزب في نفق من الخلافات الكبيرة داخل أروقته، خصوصا بعد التغير اللافت في تركيبة المؤيدين للحزب، وهو الأمر الذي ينبغي أن يحسمه الحزب الجمهوري”.

وقد تمتد هذه التغييرات في سياسة الحزب الجمهوري لفصل دونالد ترامب عن أعضاء الحزب، بحسب أعضاء حاليين من الحزب الجمهوري، ممن أكدوا أن قضايا كسيادة القانون، الديمقراطية، التداول السلمي والمنظم للسلطة، هي التي ينبغي أن يواجهها الحزب بحسم تجاه ترامب شخصياً وأنصاره ممن يحاولون التعدي وهدم هذه القيم تحت مزاعم أفكار الحزب.

نيكي هايلي.. الجمهورية التي قد تعيد ترميم صورة الحزب

البحث عن وجوه جديدة تخالف تصوراتُها سياسات ترامب داخل الحزب الجمهوري لتمثيله في الانتخابات الرئاسية المُقبلة، وترميم صورة الحزب في الداخل والخارج، هو أحد أبرز محاور استراتيجية الحزب الجمهوري الجديدة في المرحلة المُقبلة.

يتصدر هذه الوجوه نيكي هايلي، الحاكمة السابق لولاية ساوث كارولينا والسفيرة السابقة لأمريكا في الأمم المتحدة، حيث تعزز خلفيتها كابنة لمهاجرين من الهند، وأخت أحد المحاربين القدامى، صورة الحزب الجمهوري كداعم للأقليات والمهاجرين، خلافا للصورة الرائجة عن الحزب في ولاية ترامب.

ويعوّل عدد من قادة الحزب على “هايلي” بوصفها الشخص الأكثر ملاءمة للعب هذا الدور في إصلاح صورة الحزب، في ضوء تمتعها بعدد من المميزات، أبرزها قدرتها على طرح تصورات مغايرة لما عرضه ترامب.

 

 

أكرم الصباغ

صحفي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى