زوايامختارات

خطوة “موسمية” إلى الوراء.. تركيا تُعيد حساباتها مع اليونان

 

يبدو أن تركيا قررت إعادة حساباتها مع اليونان، بعد أشهر من الصدام المحتدم بينهما على خلفية أزمة شرق المتوسط، التي تلعب فيها أنقرة دور البطولة، فقد أعلنت وزارة الخارجية التركية في 2 ديسمبر/ كانون الأول أن أنقرة تؤيد حوارًا غير مشروط مع أثينا بشأن القضايا الخلافية بين البلدين.

وقال المتحدث باسم الوزارة، حامي أقصوي، إن تركيا تتبنى هذا الموقف منذ البداية، في إشارة منه إلى الخلاف الذي نشب بين البلدين على خلفية تنقيب أنقرة عن الغاز الطبيعي في منطقة شرق المتوسط وتحديدًا قرب السواحل اليونانية والقبرصية، وأنه –وفق أقصوي-  اتفقت أنقرة وأثينا في السابق على استئناف المباحثات بينهما، إلا أن أثينا تراجعت لاحقًا.

هذه الدعوة من الجانب التركي جاءت عقب يومين من قرار بسحب سفينة المسح الزلزالي “عروج ريس” والتي تعتبر أبرز سفن التنقيب التركية في البحر المتوسط، وهي سبب رئيس في اشتعال الأزمة بين أنقرة وأوروبا، فقد عادت السفينة إلى مينائها في أنطاليا، حسب ما أعلنت وزارة الطاقة التركية في بيان صحفي في 30 ديسمبر/ كانون الأول.

ومن خلال رصد بسيط لملامح السياسة التركية خلال الفترة الأخيرة، يتضح وجود تراجع ملحوظ في نبرة التصعيد التي اعتادت تركيا التشدق بها منذ بدء الأزمة، وسيطرت لهجة الحوار والتراخي على الخطاب التركي في محاولة لعكس دفة الهجوم عليها من أوروبا، وهو ما لوحظ من خلال دعوة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في 21 نوفمبر/ تشرين الثاني، الاتحاد الأوروبي للحوار.

أردوغان

وحذر أردوغان في دعوته للاتحاد الأوروبي من التحوّل إلى أداة لمعاداة بلاده، في ظل ارتفاع منسوب التوتر بشأن حقوق التنقيب على موارد الطاقة في شرق المتوسط، وقال الرئيس التركي في خطاب مسجل لمؤتمر حزبه الحاكم: “نتوقع من الاتحاد الأوروبي الإيفاء بوعوده وعدم التمييز ضدنا أو على الأقل عدم التحول إلى أداة للعداوات المفتوحة التي تستهدف بلدنا، لا نرى أنفسنا في أي مكان آخر غير أوروبا، نتطلع إلى بناء مستقبل مشترك معها”.

ولكن هذه اللهجة الجديدة لا تأتي من فراغ، فمن الواضح أن أنقرة تحاول أن تهادن من أجل تفادي عقوبات قد تكون واقعًا ملموسًا خلال أيام قليلة مقبلة، وذلك حال اتخاذ الاتحاد الاوروبي قرارًا بتوقيعها خلال قمته المنتظرة في يومي 10 و11 ديسمبر/ كانون الأول الحالي، إذ يشهد الاتحاد ضغطًا متواصلاً من فرنسا، العضو في الاتحاد، لتوقيع العقوبات، وذلك على خلفية الصدام بينها وبين تركيا بسبب أزمة الرسوم المسيئة ومن قبلها أزمة شرق المتوسط.

وفي الواقع، ليس قرار العقوبات ببعيد، ففي 6 نوفمبر/ تشرين الثاني الحالي، اتخذ الاتحاد الأوروبي بالفعل قرارًا بتمديد عقوباته على تركيا بسبب أنشطتها غير القانونية في البحر المتوسط، وتتمثل العقوبات في حظر السفر إلى الاتحاد الأوروبي وتجميد أصول الأشخاص وتجميد أصول الكيانات، إلى جانب حظر توفير الأموال للمدرجين على لائحة العقوبات.

ومن الواضح أن اللين الذي تبديه تركيا في خطابها الأخير ليس نتاج التهديدات بتوقيع العقوبات فقط، ولكنه نابع من التراجع الذي تشهده أنقرة مؤخرًا على كل المستويات، وخصوصًا الاقتصاد، وتهاوي الليرة مقابل الدولار، وذلك في خضم انخراط أنقرة في عدة معارك، ليس فقط في ما يخص الصراع في شرق المتوسط، ولكن على أصعدة أخرى مثل دعم حكومة الوفاق في ليبيا وكذلك دورها سوريا وإقليم كاراباخ.

خريطة لتركيا واليونان

هدنة موسمية

سياسة تركيا الحالية المُغايرة لسياساتها خلال الفترة الأخيرة تندرج تحت ما وصفه أستاذ العلاقات الدولية، أيمن سمير لـ”ذات مصر” بأنه “هدنة موسمية”، فهو يرى أن تركيا كلما شعرت بأن العقوبات صارت وشيكة أو أن لدى الاتحاد الأوروبي موقفًا حاسمًا ضدها بات يلوح في الأفق، سارعت بسحب سفنها من مناطق المسح في شرق المتوسط وتبني لغة الحوار في حديثها، وبمجرد أن ينتهي خطر اجتماع الاتحاد الأوروبي، تعود إلى سابق عهدها ومحاولاتها التوسع على حساب جيرانها.

ولفت “سمير” إلى أن الاجتماع المقرر للتكتل الأوروبي الشهر الجاري، قد سبقه اجتماع للبرلمان الأوروبي في 27 نوفمبر/ تشرين الثاني والذي شهد موافقة بالغالبية على قرار غير ملزم، بناءً على طلب قبرصي بفرض حزمة من العقوبات الصارمة على قطاعات تركية بعينها مثل القطاع المصرفي والسياحة والتصنيع المشترك مع أوروبا، وهذه الحزمة إذا ما أُقرت ستؤثر بنحو بالغ في الاقتصاد التركي المتداعي.

الدكتور أيمن سمير

وتزامنت هذه الخطوات مع تحذير الرئيس التنفيذي السابق لصندوق النقد الدولي، ديزموند لاكمان، مطلع أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، قال فيه إن البنوك والشركات التركية ستواجه مشكلات في سداد نحو 300 مليار دولار من الديون بسبب ضعف الاقتصاد والعملة في البلاد، وهو ما سيجعلها في مصاف الدول الأولى التي تعجز عن سداد ديونها إذا ساءت أوضاع السيولة العالمية، واعتبر “سمير” أن هذه الضغوط تسهم بقدر كبير في تخفيف حدة اللهجة التركية.

وتوقع أستاذ العلاقات الدولية أن ينتج عن الاجتماع الأوروبي المرتقب رسالة قوية لتركيا، خصوصًا في ظل تحول الموقف الألماني من رافض لتأييد العقوبات على تركيا، بانضمام برلين إلى مصاف الدول المنتقدة للممارسات التركية -قبرص واليونان وفرنسا- على خلفية الاحتكاك بين سفينة ألمانية وأخرى تركية في البحر المتوسط الشهر الماضي، إذ تعتبر ألمانيا الكتلة التصويتية الأكبر في البرلمان الأوروبي، الذي سبق أن وافق على قرار غير ملزم بفرض العقوبات على تركيا.

 

هاجر حسني

صحفية مصرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى