زواياقصص مصورة

خفة يد على القماش.. قصة مشغل خياطة من أيام الخواجات

إبرة وخيط وقماش، قص وتفصيل وخياطة. قد يبدو الأمر بسيطًا حين نصفه بالكلمات. لكنه في الواقع ليس كذلك. إنه عالم مليء بـ”التفاصيل” والأسرار؛ الخياطة والتفصيل سر.

تغذي عادة الانتظار -أو بالأحرى الاضطرار للانتظار- التدقيق في التفاصيل التي تغرق المكان، مشغل الترزي. هذا ما حدث معي حين ذهبت للخياط لرتق قطعة ثياب، وأثناء الانتظار حتى تفرغ الطاولة أمامه ويحين الدور على قطعة ثيابي لتنزل تحت إبرة ماكينته؛ لفتت انتباهي صور في كل شيء تقريبًا بالمكان، وصور أخرى سبق والتقطت، معلقة على الحائط، سألت الخياط عنها فقال إنها لوالده، حامد، الراحل قبل سنوات قليلة.

ملابس

خياطة

ورث الابن، رضا، الصنعة عن والده، وقد امتهنها منذ كان في العاشرة من عمره. يقول: “الخياطة صنعة حلوة. أسرارها كتير، وبتكشف لي كل فئات المجتمع”. الجميع يتعامل مع الخياط على قدم المساواة. الجميع تحتاج ملابسهم للرتق والتظبيط.

الخياطة

ترزي

ولد حامد، والد خياطنا، في عام 1945. وحين كان في التاسعة من عمره بدأ تعلم الخياطة من أحد خواجات منطقة الحسينية بالمنصورة، الدقهلية: “اتعلمها بدراعه. تعب وشقى”، لسبب ما يعتب رضا على كورسات الخياطة الحديثة، وقنوات التعليم على يوتيوب!

افتتح حامد مشغله مبكرًا. اشتغل معه ابنه رضا، ولا يزال الأخير يعمل في نفس المشغل، أحد أقدم محال التفصيل والخياطة في مدينة المنصورة.

أزياء

خياطة

استطرد رضا في حكاية والده بِكَار الخياطة: “في البداية عمل مساعدًا لخواجة، ترزي في الحسينية، يجيبله سوستة، يعمل عراوي، أو يقضي مشاوير بيت الخواجة نفسه”.

علّم حامد نفسه بنفسه؛ حين كان الخواجة يذهب للبيت في وقت الغداء، كان حامد يحضر قماشًا ويفعل ما سبق أن رأى الخواجة يفعله، يقص ويفصّل ويخيط: “واحدة واحدة بقى الخواجة بيعتمد عليه في الشغل كله”.

خياطة

ترزي

وحين أصبح حامد معلمًا في الكار، صاحب مشغل خاص، كان زبائنه كبارات البلد حينها: علي باشا القريعي وسامي الطنباري وجبر الجندي، “بشاوات كلهم كانوا بيلبسوا من عند والدي”، يقول رضا.

أزياء

ظل حامد يعمل بيده فترة طويلة، حتى توسع بضم محلين إلى جوار مشغله، وشقة تعلوه، وصار لديه مشغل كبير، ضم في بعض مراحله 41 صنايعيًا، كان من بينهم أشقاؤه. كل واحد فيهم لديه الآن مشغله الخاص، ومعظمهم تخصص في تفصيل البدل الرجالية.

تفصيل

لكن، وكمسارات الحياة كلها ما بين صعود وهبوط، واجه الترزية منافسة شرسة من مصانع الملابس، التي سيطرت على السوق تدريجيًا، وتراجع الشغل عند محال الخياطة، حتى اقتصر شغل بعضها على التقييف.

أزياء

مؤخرًا، يلحظ رضا عودة الزخم نسبيًا لسوق التفصيل والترزية. يعزي الأمر إلى صور الأزياء التي تملأ الإنترنت، ورغبة الفتيات في تفصيل مثلها، مع بعض التعديلات أو الإضافات وبأقمشة محددة: “ده نشط شغلنا، وأسعاره مش بطالة”.


اقرأ أيضًا:

بيت السحيمي.. عمارة معتّقة

مقهى أندريا.. إطلالة خواجاتية على العقل

أميرة السواح

مصورة مصرية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى