خفّة “الدحيح” وثقل “البحيري”

محمد السيد الطناوي

كاتب مصري

mohamed.altanaw1@gmail.com

كان فيلم “الكيف” المنّبه الأول لوعي جيلنا، كيف يُتاح للخفة أن تكون وازنة بقدر ما هي ساخرة ومستهزئة؟ وكيف يصبح الثقل عاجزًا بقدر ما هو جاد وحازم؟.

آثر الكاتب والسيناريست “محمود أبو زيد” بطله “مزجانجي” بالفاعلية، وخصّه بطاقة من المرح والسخرية اللاذعة، وأفرغ على لسانه كامل الحمولة الفكرية بالعمل السينمائي، بينما ألزم الأخ “صلاح” بنزوع أخلاقي هشّ ثقيل الدم إلى جانب قلة الحيلة. وفي مقابلة قررها الكاتب بين الأخين، تهافت -على امتداد الفيلم- نزوع “صلاح” المتكلف أمام منطق “مزجانجي” المحكم والمرح.

التشابه البالغ بين ما مثّله البطلان ومقدِّمَا محتوى مثل “إسلام البحيري” و”أحمد الغندور” يُغري بعقد مقارنة قد لا تكون في إحكام سيناريو “أبو زيد” لكنها ذات دلالة.

منذ سنوات تربو على الخمس، و”إسلام” يتنقل بين الفضائيات، بدعوى مكافحة التراث، وكما يشي التعبير فالبحيري يتعامل مع التراث الديني كوباء أو جريمة تلزم مكافحتها، معتمدًا أسلوبًا شعبويًّا ربما يتماشى مع السائد في إعلام اليوم، لكنه في النهاية لا ينجح إلا في تأكيد حضور ما يسعى “إسلام” لتغييبه.

ثقل “البحيري” يتخطى موضوعه إلى ادّعاء فاعلية وقيمة لمحتواه وأسلوبه ليست لهما، فما يطرحه “إسلام” من أفكار يستدعي بالتبعية ردودًا، لينزلق الأمر إلى دائرة مفرغة ندور في فلكها منذ أمد بعيد.

ما يقوم به “البحيري” لا يتعدى تحريض أطروحات الخصوم والمحافظة على حضورهم حتى في أوقات التراجع، وهو بصفة عامة استغراق في التراث ينفي الدعوة لتجاوزه.

ينتحل “إسلام” دور المثقف الرسولي، محاولًا الإيهام بأهمية ما يقدمه كممثلٍ للحقيقة ونصيرٍ للعقل وداعيةٍ للتنوير، وهي مهمة لا تتناسب مع هزاله المعرفي، فضلًا عن أن الواقع أسقط هذا الدور، فلم تعد مجتمعاتنا تطلب توجيهًا فكريًّا أو أيديولوجيًّا بقدر ما تهتم بالمعلومة، وهو ما تجاهله البعض، مثل “البحيري”، متشدقًا برسالة بار سوقها، ولم يعد يُلتفت لأصحابها اللهم إلا في حالات محدودة، عند التراشق مع الخصم الفكري، وهو في حالة “البحيري” التيار السلفي أو حتى الإسلامي بصفة عامة، ليبرر الطرفان لبعضهما بقية من حضور، فبينما ينفي الخصمان أحدهما الآخر ظاهريًّا، ينفخ كل منهما باطنيًّا في روح غريمه ليستبقيه على قيد الحضور.

ومتجاوزًا هذه العتبة “التراث”، صاغ “الدحيح” -وغيره ممن يلتزمون بذات الإطار- محتواه دون أن يدعي امتلاكًا للحقيقة، أو يفرض أيديولوجيا بعينها أو يتكلف مهمة أو رسالة يبشر بها، فقط ساق المعلومة، النظرية، الحكاية، وغلفها بغلاف جذاب مرح لمجتمعات لم تعد تقنع بغير نمط محدد من المعرفة يقوم على المعلومة لا الرأي، نمط يقدمه “الدحيح” في قالب تمثيلي ساخر تزنه الموهبة والإعداد المتقن.

ينتمي “الدحيح” إلى “فاعلين اجتماعيين” آلت إليهم تلبية احتياجات الناس في المعرفة وتغذية ميولهم واهتماماتهم لا السيطرة على عقولهم وتوجيهها إلى معتقدات أو أفكار بعينها، وعلى عكس المثقف الرسولي أو من يتكلف اليوم دوره يتمتع هؤلاء بفاعلية وبقدرة كبيرة على الانتشار والتأثير.

وتتبدّى خفة “الدحيح” في سخريته من كل شيء، خفة يحرضها موقف ألمح له “الغندور” في أحد فيديوهاته، تلخّصه عبارة بليغة سجلها “كونديرا” على لسان بطل روايته “حفلة التفاهة”: “أدركنا منذ زمن طويل أنه لم يعد بالإمكان قلب هذا العالم، ولا تغييره إلى الأفضل، ولا إيقاف جريانه البائس إلى الأمام. ليس ثمة سوى مقاومة وحيدة ممكنة؛ ألا نأخذه على محمل الجد”، ليصقل “اليوتيوبر” الشهير تلك الخفة بأداء تمثيلي مميز وإعداد للحلقات لا تنقصه الاحترافية.

في حين يلوح ثقل “البحيري” في افتعاله دورًا معرفيًّا وترويجه لوهم أنه العالم بالحقيقة الداعية لها، بينما تتوارى وراء الهشاشة المعرفية والحقيقة المزعومة مصلحة طبقة معينة ترغب في الحفاظ على نمط حياة مغاير، رافضة حصار أو إملاءات مرجعية الخصوم (الإسلاميين).

خفة “الدحيح” فاعلة في تجاوزها الآخر، متواضعة في التزامها بالمعلومة وعزوفها عن الرأي، وازنة بالموهبة والإعداد الجيد، وإشباعها حاجة الكثيرين المعرفية. بينما ثقل “البحيري” عاجز في نفيه للآخر، متعالٍ في تسلط معرفي يرى كل الحقيقة بطرحه، هشٌّ في دعواه القيمة وادعائه التنوير.

بالأمس نبّهنا الكاتب والسيناريست الألمعي “أبو زيد” إلى كون مجتمعاتنا تفتقر لرؤية مزجانجي المرحة المتواضعة، وإلى قدرته على قراءة الواقع والتعاطي معه، ناصحًا -عبر نهاية ميلودرامية صورها نجاح شريط مزجانجي الغنائي وجنون أخيه- بأن التمسك بنموذج “صلاح” في تشنجه وتشبثه بمعتقدات وأفكار بالغة الهشاشة تتجاهل منطق العالم؛ مصيره الحياة خارج العقل، فهل كانت نبوءة؟!.

وتأكيدًا على معنى “أبو زيد”، نحن في حاجة اليوم إلى خفّة “الدحيح” الوازنة لا ثقل “البحيري” المتكلف، لمرح الأول ومرونته لا لتجهم الثاني وتزمته، في حاجة للمعلومة لا للرأي، للنظرية العلمية لا للأيديولوجيا، في حاجة لتجاوز الماضي لا استدعائه وإعادة إنتاجه، لكن للأسف اعتدنا بمجتمعاتنا ألا تجري الأمور وفق احتياجتنا أو حتى بحسب منطق الأشياء ليتوقف “الغندور” عن إنتاج محتواه بعد اعتذار المنصة الراعية، بينما يستمر “البحيري” في تقديم برنامجه! لهذا لا حيلة إلا المشاركة في هاشتاج #شكرا_الدحيح.

 

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search