خليفة "بادر جينسبورج"

قاضية مُنتظَرة قد تغير وجه أمريكا!

قبل إجراء الانتخابات الأمريكية بـ6 أسابيع فقط، رحلت الليبرالية البارزة “روث بادر جينسبورج”  قاضية المحكمة العليا عن عمر ناهز 87 عامًا تاركة النزاع على من يخلفها بين الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” –الذي يريد تعيين البديل “المريح” قبل الانتخابات الرئاسية المقبلة-  ومنافسه المرشح “جو بايدن” الذي يؤكد على ضرورة تأجيل اختيار بديل “جينسبورج” إلى ما بعد الانتخابات نظرًا إلى ما يمثله هذا المنصب من دور في “الميزان الأيديولوجي” للمحكمة المكونة من 9 أعضاء، ما بين مؤيدين لقضايا الحزب الجمهوري، وآخرين يؤيدون قضايا الحزب الديمقراطي.

روث بادر جينسبورج

توجد قواعد في الواجهة. يُعيَّن قاضي المحكمة الأمريكية العليا بترشيح من الرئيس الأمريكي، ومن بعد ذلك يقر مجلس الشيوخ هذا التعيين. يقول الدكتور أيمن سمير، الخبير في العلاقات الدولية، إن الرئيس الأمريكي ترامب يرى أن اختيار البديل الآن فرصة مناسبة جدًّا لترشيح شخص يتوافق مع السياسات الجمهورية، وفي الوقت ذاته يضمن الأغلبية في مجلس الشيوخ الذي يسيطر عليه الجمهوريون، مقابل سيطرة الديمقراطيين على مجلس النواب.

ترامب وتجربة أوباما

في عام 2016 توفيت إحدى قاضيات المحكمة الدستورية العليا، وحاول الرئيس الأمريكي السابق “باراك أوباما” تنفيذ السيناريو الحالي الذي يسعى له ترامب. ورغم أن ترامب في ذلك الوقت لم يكن يضمن تمرير مرشحه في مجلس الشيوخ، فإن الحال انتهت بترك المنصب شاغرًا حتى تولى ترامب الحكم، وعيَّن قاضيًا معروفًا بأن ميوله تتسق مع الميول الجمهورية.

 “سمير” يوضح أن “ميول المُرشح كمعيار للاختيار لا تكون سياسية، ولكن الميول تتعلق بسياسات اجتماعية داخلية في الولايات المتحدة، بمعنى أن القاضي لا يمكن أن يكون له اتجاه سياسي مُعلن، ولكن يكون اختياره على أساس مواقفه من قضايا معينة، بحيث إذا كانت تلك المواقف –من زواج المثليين أو الهجرة غير الشرعية مثلاً- تتفق مع الحزب الجمهوري، تكون –في هذه الحالة- ميوله جمهورية، والعكس.

يتابع: “القاضية الراحلة كانت قاضية ديمقراطية بامتياز، ومعروفة بدفاعها عن حقوق المرأة والسود والملونين، ويعتبرها الديمقراطيون قاضيتهم، وبالتالي يطرحون شعار أن الرئيس الجديد هو الذي يجب أن يتولى تعيين القاضي الجديد -أو القاضية- قياسًا على حالة أوباما، إلا أن الجمهوريين يصرون على أن الرئيس لا يزال يمارس صلاحياته، ويستطيع أن يرشح الآن ويعود الأمر إلى مجلس الشيوخ”، لافتًا إلى أنه “من المؤكد أن الرئيس ترامب سيرشِّح شخصًا تتسق مواقفه مع مواقف الحزب الجمهوري”.  

الدكتور أيمن سمير

وأكد سمير أن الأمر متعلق بـ”التوازن المجتمعي” أكثر من التوازن السياسي، لأن “هناك صفات أساسية لا بد أن تتوافر في القاضي، وهي مراعاة الدستور الأمريكي وتنفيذه، ورفض أي قرار ضد روح ونصوص القانون، وأن يعبر عن كل التيارات في الولايات المتحدة بنحو أو بآخر، رجالاً ونساءً، وألا تكون لديه أفكار تدعو لهدم المجتمع”.

مكاسب وخسائر تعيين البديل

الخبير في العلاقات الدولية يعتقد أن “ترامب لديه حزمة تشريعية في الفترة المقبلة، فضلاً عن الإقبال على التجديد النصفي في الثالث من نوفمبر المقبل بمجلسي الشيوخ والنواب، ووجود أغلبية في المحكمة الدستورية العليا مؤيدة لقضية ما تسمح له بطرح تشريعات وقوانين، تمررها على نحو كبير في الكونجرس الأمريكي، لأن هناك ما يسمى بـالرقابة السابقة على القوانين قبل الكونجرس، للتأكد من أن القانون يتوافق مع الدستور، وتتولى هذا الدور المحكمة الدستورية، ومن ثم يكون تمريره للتصويت عليه. وهنا يتحول الأمر إلى الزاوية السياسية”.  

وفقًا لـ”سمير”، سيكون الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رابحًا “عندما يمتلك أغلبية مؤيدة لقضاياه، وقضية الجدار الفاصل مع المكسيك كمثال. فإن ذهب أحدهم إلى المحكمة الدستورية العليا وأخذ حكمًا ضد ترامب، ستعمد المحكمة إلى إبطال هذا القرار أو تطبيقه بحسب قُرب القاضي أو عدمه من ترامب. إذًا فالكفة سوف تميل باتجاه ترامب في القضايا الاجتماعية حال تعيين قاضٍ يميل إلى الجمهوريين”.

ترامب وبايدن
أدوار المحكمة العليا

هي أعلى محكمة في الولايات المتحدة، وهي صاحبة الكلمة الأخيرة في القضايا المثيرة للجدل، والنزاعات بين الولايات والحكومة الفيدرالية، والاستئناف النهائي لوقف تنفيذ أحكام الإعدام. وبحسب ما ذكرته هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي”، وسعت المحكمة، في السنوات الأخيرة، نطاق زواج المثليين ليشمل جميع الولايات الخمسين، وسمحت بفرض حظر سفر على الرئيس ترامب، وأخّرت خطة أمريكية لخفض انبعاثات الكربون في أثناء تقديم الطعون.

كما أن المحكمة العليا تتعامل مع قضايا مثل حقوق الإنجاب، وهي أحد الأسباب الرئيسة التي تجعل بعض المحافظين المعارضين للإجهاض يريدون اختيار قاضية “جمهورية”.

المحكمة العليا الأمريكية
التكوين.. والميزان الأيديولوجي

الدكتور عاطف عبد الجواد، المحاضر الدولي بجامعة “جورج واشنطن”، يقول إن المحكمة العليا تتألف من تسعة قضاة، وبوفاة “جينسبورج” يهيمن القضاة المحافظون على المحكمة بنسبة 5: 3، ويسعى الرئيس ترامب ومن معه من الجمهوريين في مجلس الشيوخ لترشيح بديل يكون من المحافظين.

وإذا نجح الرئيس ترمب وأنصاره في هذا –والكلام لعبد الجواد- خلال الفترة الزمنية القصيرة المقبلة، سوف تتسع الهوة بين القضاة المحافظين والليبراليين في المحكمة لتصبح بواقع 6: 3، وهذه الأغلبية سوف تؤثر في أحكام المحكمة العليا التي تفسر الدستور، وتفصل في الخلافات بين الجهازين التنفيذي والتشريعي، وكذلك في القضايا الأخرى التي تحال إليها من المحاكم المحلية في الولايات أو من محاكم الاستئناف الفيدرالية.

ورغم أن رئيس المحكمة العليا القاضي “جون روبرتس” صوَّت مرات عدة في صف الليبراليين في الأشهر الأخيرة، وأعطاهم صوتًا خامسًا، فإن تصويته الآن مع الليبراليين لن يفيدهم كثيرًا.  

الدكتور عاطف عبد الجواد
"إيمي باريت" في الواجهة

“عبد الجواد” المتخصص في العلوم السياسية، يرجح أن القاضية المُحتملة لخلافة “جينسبورج” ستكون “إيمي باريت” قاضية الاستئناف والأستاذة في جامعة “نوتردام”، وهي كاثوليكية وتعارض الإجهاض، مشيرًا إلى أن تعيينها سوف يرضي القاعدة الدينية للرئيس ترامب.

الرجل يفسر هذه النقطة أكثر: “نظرًا إلى أن ترامب عين قاضيين محافظين من قبل، فإنه يضمن بهذا التعيين الجديد أن تبقى المحكمة العليا محافظة أيديولوجيا لفترة طويلة من الزمن، لأن قضاة المحكمة العليا يبقون في مراكزهم مدى الحياة”، مشددًا على أن التركيبة الأيديولوجية الجديدة تهدد قرار المحكمة العليا بشأن مصير برنامج أوباما للرعاية الصحية، الذي يسعى ترامب لتفكيكه منذ جاء إلى البيت الأبيض، رغم أنه لم يطرح حتى الآن بديلاً عنه”.

إيمي باريت
هل بالإمكان عرقلة ترامب؟

عن محاولات وحلول لمنع الرئيس الأمريكي من تعيين قاضٍ جديد، يعتقد “عبد الجواد” أن أفضل ما لدى الديمقراطيين من سلاح هو أن ينشق أربعة جمهوريين عن زملائهم في مجلس الشيوخ، وبذلك لا تتوافر لترامب الأغلبية اللازمة للتصديق على البديل.

أما الخيار الآخر فمفاده أن يتمكن الديمقراطيون من تأجيل وإبطاء المناقشات، بحيث يحل موعد الانتخابات في الثالث من نوفمبر برئيس جديد هو الديمقراطي “جو بايدن”، ما يزيد من الضغوط على الجمهوريين للانتظار إلى 20 من يناير 2021، وهو موعد تنصيب الرئيس الجديد. ومن المُحتمل أن تسفر انتخابات نوفمبر عن حصول الديمقراطيين على أغلبية المقاعد في مجلس الشيوخ، وإذا تحقق هذا فسيرفض مجلس الشيوخ الجديد التصديق على مرشح الجمهوريين.

وختم “عبد الجواد” مستدركًا: “كل هذا يندرج تحت باب الاحتمالات، لهذا يمكن أن نعوّل على وجود محكمة عليا محافظة أيديولوجيًّا، سواء أفاز ترامب بفترة رئاسية ثانية أم لم يفز، وبالتالي فإن الولايات المتحدة سوف تتحول، ابتداء من يناير المقبل، إلى مجتمع محافظ سياسيًّا ودينيًّا، وقد تبقى كذلك لفترة طويلة من الزمن”.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

محمد الليثي

صحفي وباحث في الشؤون الإسرائيلية

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram