خليفة على خط التماس

كيف يستغل "أردوغان" كرة القدم؟

في واحدة من أشهر المقولات في عالم كرة القدم، يقول أريجو ساكي المدرب التاريخي لميلان: “الكرة هي أهم الأشياء غير الهامة في حياتنا”. وكما هو واضح لك فإن هذه العبارة وما يماثلها يُستدعى دائمًا في سياق معين، إما لنبذ التعصب بين الجماهير، أو تخفيف الضغوطات على اللاعبين. لكن على الجانب الآخر، يحاول آخرون تحويل ذلك الشيء غير المهم إلى أداة فعالة للقيام بدور أكبر.  

والحديث هنا عن تقاطع كرة القدم مع السياسة، ذلك التقاطع الغامض الذي يفترض المشجعون وجوده دائمًا دون محاولة تتبع خيوطه. أحيانًا لأنهم يريدون التحجج به لخسارة فريقهم، وأحيانًا أخرى لأن تتبعه أصعب مما نظن. لكن التاريخ قد تكفل بإثبات أحداثًا كهذه في القرن الماضي، من المحتمل أن أحدها قد مر على مسامعك، لكن أحداثًا أخرى تجري الآن، على الغhلب لم تسمع عنها شيئًا.

عصر الجنرالات

في إسبانيا، قاد الجنرال “فرانكو” انقلابًا عسكريًّا في عام 1936، انتهى بعد 3 أعوام بانتصاره وتنصيبه حاكمًا للبلاد، ليدخل بعدها عالم كرة القدم بدافع الهوس بالسيطرة، إلى جانب تلميع صورته. قرر “فرانكو” الرهان في البداية على نادي القوات الجوية الإسبانية، وساهم في تصعيده من الدرجة الثانية إلى الأولى، وإجبار أفضل اللاعبين في إسبانيا على الانضمام إليه بحجة التجنيد.

تحوّل اسم ذلك النادي لاحقًا إلى أتلتيكو مدريد، وكذلك تحول اهتمام الجنرال إلى نادٍ آخر وهو ريال مدريد، لكن رئيس النادي رفاييل سانشيز جيرا كان أحد معارضي “فرانكو”، فقاوم في البداية حتى تخلص الجنرال منه وعين أحد أتباعه، ليصبح ريال مدريد أحد دعائم النظام الحاكم، ونال العديد من المساعدات.

كان أكثر المساعدات إثارةً للجدل هو فوز ريال مدريد على برشلونة بنتيجة 11-1، في إياب نصف نهائي كأس الجنرال (كأس الملك حاليًّا) 1943. كانت مباراة الذهاب قد انتهت بفوز برشلونة 3-0 على ملعب الكامب نو، وبالتالي فإن نتيجة الإياب كانت محل تشكيك دائم. ومع تضارب الروايات، أوضحت الرواية الأشهر أن أحد رجالات “فرانكو” قد هدد لاعبي الفريق الكتالوني، لتخرج النتيجة بهذا الشكل.

ومن إسبانيا إلى ألمانيا، حيث الرجل الأكثر جنونًا في تلك الحقبة أدولف هتلر. مثلت أولمبياد برلين 1936 أبرز ظهور لـ”هتلر” في عالم الرياضة، حين حاول استغلال الحدث للترويج لأفكاره وتطلعاته السياسية وتثبيت تفوق العرق الآري. قيل في ذلك الوقت إنه كان مشجعًا لنادي “شالكه”، لكن النادي نفسه أنكر ذلك في عام 2014، لمحاولة نفي أي علاقة بين توهج “شالكه” في تلك الحقبة، ومساندة “الفوهرر” المزعومة.

ومن هتلر إلى شريكه الرئيس في الحرب العالمية الثانية “موسوليني” حاكم إيطاليا، والذي اقتحم كرة القدم بنحو أكثر فداحة، عندما نظمت إيطاليا كأس العالم 1934، إذ تدخل “موسوليني” في تقسيم الفرق واختيار الحكام، بل وهدد مدرب منتخب بلاده بالانتقام في حالة الفشل، حتى فاز الطليان باللقب. وفي 1938، وصل الطليان لنهائي كأس العالم مرة أخرى، لتظهر الرواية الشهيرة بتلقي اللاعبين رسالة تهديد من الحاكم الفاشي، مفادها “النصر أو الموت”، لتكتمل القصة بتساهل منتخب المجر وتصريح حارس مرماه “أنتال سزابو”، الذي قال:

“قد أكون سمحت بدخول 4 أهداف في شباكي، لكنني على الأقل أنقذت حياة 11 شخصًا”.

الجنرال فرانكو

مناورات القرن الجديد

ما بين القرن الماضي والحالي، لا توجد اختلافات كثيرة، فالهدف من تقاطع الكرة والسياسة ما زال ثابتًا، ويمكن العمل عليه من خلال تنظيم بطولة أو شراء نادٍ أو اقتحام سوق الشركات الراعية وتصدر قمصان بعض الأندية العالمية، لكن يظل الفارق بين عصر الجنرالات قديمًا وحديثًا، هو الاهتمام الحالي بالتفاصيل، ليتحقق الهدف بأكثر الطرائق ذكاءً.

في واحدة من تلك الأمثلة القريبة، كان مونديال روسيا 2018، حين قال الرئيس فلاديمير بوتين صراحة أن البطولة ستكون فرصة جيدة ليتعرف العالم على روسيا، وردد جملة: ستجدونها ليست سيئة، ليست سيئة على الإطلاق“. وفي اليوم الافتتاحي لكأس العالم، أعلنت الحكومة الروسية عن رفع ضريبة القيمة المضافة إلى 20%، والموافقة على مشروع لرفع سن التقاعد حتى 63 سنة للنساء، و65 سنة للرجال.

حاول المعارضون تنظيم وقفات احتجاجية، لكن لم يسمح لهم ذلك في المدن المستضيفة للمباريات، ومع تحقيق المنتخب الروسي مفاجأة بإقصاء إسبانيا في دور الستة عشر، وفر ذلك للحكومة غطاءً مثاليًّا لتمرير قراراتها، فقد طغت الوقفات الاحتفالية على نظيرتها الاحتجاجية، ومُرِّرَ القرار بنجاح، على الأقل في البداية.

يعتبر ما فعله “بوتين” نموذجًا متكررًا، شبيهًا بسابقيه، لكن إن كنت تبحث عن نموذج أكثر إبداعًا أو بالأحرى يحتوى على حبكة جديدة، فإننا نرشح لك الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

اللاعب رجب طيب أردوغان

اللاعب أردوغان

على الغالب، أنت اعتدت قراءة اسم “أردوغان” في مقالات القسم السياسي لدينا، وفي قضايا بعيدة كل البعد عن كرة القدم. وإن أردت الاستفاضة في المعلومات والبحث في سيرته الذاتية، فإنك ستقفز من مولده في حي “قاسم باشا” بمدينة إسطنبول في 26 فبراير/ شباط 1954، إلى تاريخه مع العمل السياسي حتى وصل إلى رأس الدولة، لكن ما لا تعلمه أن الرئيس التركي يملك تاريخًا كلاعب كرة قدم، كان على أعتاب الانضمام إلى أكبر أندية تركيا.

ولد “رجب طيب أردوغان لأسرة فقيرة، واضطره ذلك إلى قضاء ساعات ما بعد المدرسة في بيع عصير الليمون وكعك السمسم لتغطية نفقاته. وفقًا لما رواه كانت كرة القدم شغفه الأول، ورغم معارضة والده لممارسته اللعبة، كان “أردوغان” يقضى جل وقت فراغه في ركل الكرة، ثم يخبئ حذاءه في قبو الفحم، حتى لا يراه والده عند عودته.

في أثناء فترة التعليم الثانوي، انضم “أردوغان” إلى نادي “كاميالتيسبور”، ثم انتقل في عام 1974 إلى أحد الأندية التابعة لهيئة النقل التركية iett“، بترشيح من كابتن الفريق، الذي كان أحد جيرانه في حي “قاسم باشا”. وفي عام 1977، كان “أردوغان” على أعتاب الانضمام لنادي “فنربخشة” لولا رحيل مدرب الفريق، الصربي “توميسلاف كالوبيروفيتش”.

كان “أردوغان” حريصًا على إطلاع الأتراك على علاقته بكرة القدم في أثناء تقديمه لنفسه في الحياة السياسية. وكانت التفصيلة الخاصة بالانتقال لنادي “فنربخشة” جزءًا من مقابلته مع صحيفة “Milliyet” في عام 1994، عند انتخابه عمدة لمدينة أسطنبول، وقد كررها في عديد من المقابلات فيما بعد.

وبينما بدأت تظن أننا أمام رجل فشل في احتراف كرة القدم فأصبح رئيسًا لبلاده، فإن بعض الصحفيين يشككون في ذلك التاريخ كله. ووصف الصحفي مصطفى هوش محاولة التأكد من مشوار “أردوغان” في كرة القدم كمحاولة البحث عن دليل لإثبات حدث من 100 عام. وزاد الصحفي “سونر يالشن” الشك عندما جزم بتزوير قصة “فنربخشة” بكاملها، وأضاف أن “أردوغان” عمل مساعدًا للموظف المسؤول عن المعدات في أول عامين بنادي “كاميالتيسبور”، ولم يشارك كلاعب إلا بضغط من جيرانه على المدرب.

اهتمام زائد

سواء أصدقت روايات “أردوغان” أم روايات المعارضين، فعلى الغالب سوف يتفق الاثنان على شغف الرجل بكرة القدم، والذي جعلها جزءًا هامًّا من خطط حزب العدالة والتنمية التابع له. في عام 2017، شكر يلدريم ديميورين رئيس الاتحاد التركي لكرة القدم “أردوغان” شخصيًّا، ونسب له الفضل في تطور كرة القدم في البلاد، لكن عن أي تطور يتحدث؟

في العقد الماضي، شهد الدوري التركي Super Lig قفزة هائلة على مستوى العوائد، جعلته في المركز السابع أوروبيًّا. ويعود الفضل في ذلك، بعد توجيهات الرئيس التركي، إلى عقود البث التلفزيوني والإعلانات الضخمة. فقد أزاحت الأندية أسماء اللاعبين المكتوبة في ظهر القميص من فوق الرقم إلى تحته، ليتم وضع الإعلان في المنطقة الأكثر رؤية من القميص. كما زادت الإعلانات في أثناء نقل المباريات، حتى ولو على حساب تقليص الصورة.

من عام 2007 إلى 2015، كانت تركيا الأكثر إنشاءً للملاعب الجديدة في أوروبا: 18 ملعبًا جديدًا، كأنها هدايا من الرئيس إلى المدن المختلفة، مقابل التأييد السياسي. بجانب ذلك، حرص “أردوغان” على حضور بعض المباريات داخل غرفة خلع الملابس لتحية اللاعبين، وكذلك الظهور في افتتاح بعض الملاعب، كما فعل في افتتاح ملعب “طرابزون سبور” في ديسمبر/ كانون الأول 2016، إذ عنونت صحيفة “fotoMac” في اليوم التالي: “أول هدف في الملعب الجديد بواسطة أردوغان”.

وكما رأى “أردوغان” في كرة القدم وسيلة لتلميعه، رأى معارضوه أنها ستمنحهم فرصة، ولو ضئيلة، ليعبروا عن موقفهم تجاهه. في افتتاح ملعب “جلطة سراي” في يناير/ كانون الثاني 2011، تعرّض الرئيس التركي لصافرات استهجان من الجماهير. وبعيدًا عن ملاعب كرة القدم، ظهر اولتراس الثلاثي فنربخشة وجلطة سراي وبشكتاش مجتمعين في حدث نادر، وفقًا لتقريرThese Football Times، في احتجاجات عام 2013 المناهضة لسياسات رئيس الوزراء “أردوغان” وحزبه، والتي سميت بـ احتجاجات “غيزي” نسبة إلى “منتزه غيزي” بإسطنبول.

بالطبع أنت تعلم مصير هذه الاحتجاجات سلفًا، لكننا نسينا إخبارك أن الحاضرين لافتتاح ملعب “جلطة سراي” تعرّضوا لاختناق مروري شديد في أثناء المغادرة، قيل إنه بسبب غلق أحد الطرق عمدًا، عقابًا لهم على سلوكهم. ليحضر “أردوغان” افتتاح ملعب بشكتاش في إبريل/ نيسان 2016 من دون جمهور، تجنبًا لتكرار الموقف.

أردوغان يحتفل مع "باشاك شهير" التركي في غرفة الملابس

نادي أردوغان

في أثناء هذا الشد والجذب، كان هوس الرئيس التركي وحزبه يتزايد حتى وصل الأمر إلى دعم نادٍ بعينه، وهو نادي “باشاك شهير” الذي أُطلِق عليه نادي “أردوغان”. ذلك ليس لقبًا حقيقيًا بالطبع، لكنه تسمية أطلقها الجمهور بسبب كواليس وصول “باشاك شهير” إلى القمة بالتتويج بلقب الدوري 2019/20. فالقمة بتركيا مقتصرة على ثلاثي مدينة إسطنبول “بشكتاش”، “جلطة سراي”، “فنربخشة” الذين فازوا بكل ألقاب الدوري منذ عام 1984، باستثناء عام 2010، الذي فاز به “بورصا سبور”.

يضع نادي “باشاك شهير” صورة للرئيس التركي في الردهة المؤدية لملعب التدريب، كما يترأس النادي حاليًّا غوكسل جوموسداغ، وهو عضو سابق بحزب العدالة والتنمية، وتجمعه صلة نسب بالرئيس “أردوغان”. ثم تأتي ألوان قميص الفريق لتؤكد الشكوك، إذ يلعب “باشاك شهير” باللونين البرتقالي والأزرق، وهي نفس ألوان عَلم حزب العدالة والتنمية، رغم تصريح المدير التنفيذي للنادي بأنها محض مصادفة.

أضف إلى ذلك وجود علاقات وثيقة بين الرعاة الرئيسين والحكومة: شركة “Medipol”، وهي شبكة من العيادات الصحية والمستشفيات، أسسها فخر الدين قوجة، الطبيب المعالج لعائلة “أردوغان” ووزير الصحة الحالي. في حين أن مطار إسطنبول الجديد، على الطريق السريع من الاستاد، كان مشروعًا رائدًا في خطة البناء والتنمية للرئيس التركي.

في عام 2014، شارك “أردوغان” بنفسه في مباراة استعراضية لافتتاح استاد الفريق الجديد، أحرز خلالها هاتريك على طريقة مرجان أحمد مرجان، ليُرفع بعدها القميص رقم 12، حتى لا يرتديه أحد بعد الرئيس. 

كل هذه التفاصيل وأكثر، جعلت الكاتب المتخصص بكرة القدم “James Montague” يسمي ما يحدث حول “باشاك شهير” بشبكة المحسوبية، المصممة للترويج لنخبة دينية ثرية جديدة تمثل قيم حزب “العدالة والتنمية” الذي يتزعمه “أردوغان” وتعارض الوضع الراهن العلماني التقليدي في تركيا. وليس من قبيل المصادفة أن منطقة باشاك شهير داعمة لحزب العدالة والتنمية، وأن بعض الأوساط تعرف النادي باسم “Erdogan FC”.

بعد كل هذا الدعم والمساعدات، ماذا تتوقع من فريق “باشاك شهير” في الموسم الجديد 2020/21؟ بعد مرور 12 جولة، حصد الفريق 15 نقطة، في المركز الثالث عشر، في ما يبدو أنه موسم مغاير لسابقه، وهو ما يؤكد أن كرة القدم تترك دائمًا الباب مفتوحًا لمقاومة كل هذه التدخلات السياسية. في المقابل لن يمنع ذلك الحكام والدول من الاستمرار في محاولاتهم، لكن بالتأكيد سيظل نموذج اللاعب الذي فشل فصار رئيسًا يختلف عن الآخرين.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

محمد بدوي

صحافي مصري

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram