ثقافة وفن

“خلي بالك من زيزي”.. دراما منزوعة الافتعال

طفلة مشاغبة في هيئة امرأة شابة، تستهتر بكافة قواعد الذوق واللياقة، وتندفع دون تفكير في كلام أو تصرفات يثيران غضب من حولها.. تتملكها مشاعر التوتر والغضب، فتقود كل تحركاتها حتى يصل بها الحال إلى ضرب زوجها على مرأى ومسمع من الجميع.. هذه هي الانطباعات الأولى التي كونها المشاهدون عن الشخصية الرئيسية في الحلقة الافتتاحية من مسلسل “خلي بالك من زيزي”.

فقد كانت بداية تعارف الجمهور على البطلة “زيزي” (أمينة خليل) مُربكة، لتتأرجح علاقته بها بين محاولات تبرير سلوكياتها بسبب تأثير عمليات التلقيح الصناعي، وبين الاعتراض على أفعالها مهما كان السبب.

وتنسحب حالة الحيرة تلك على تصنيف المسلسل نفسه لكونه يمزج بين مشاهد درامية مؤثرة وأخرى تمتاز بخفة الظل وروح الدعابة.

أمينة-خليل-بطلة-مسلسل-خلي-بالك-من-زيزي
أمينة-خليل-بطلة-مسلسل-خلي-بالك-من-زيزي

لكن مع توالي الحلقات تزول الطبقات الخارجية التي تخفي طبيعية المسلسل واحدة تلو الأخرى، وينكشف الوجه الآخر من العملة ليضعنا أمام موضوع اجتماعي بالغ الأهمية يناقش ضرورة إدراك الاختلافات بين البشر وكيفية التعامل معها بشكل صحيح منذ الصغر.. وبذلك اكتسب المسلسل مكانة مميزة في موسم رمضاني يعاني ندرة الأعمال الجيدة.

رائج في هذا الزمان

قبل عرض المسلسل بعدة أيام، تحدث المخرج كريم الشناوي عن إشكالية التصنيف ورغبته في التنقل بين المساحات التراجيدية والكوميدية بحرية دون التزام بنوع محدد.

وقال في تصريحات صحفية: “حاولنا المزج بين الدراما الاجتماعية والكوميديا الخفيفة بطريقة متناغمة وغير مباشرة، ولكنني لا أفضل وضعه ضمن قالب واحد أو إطلاق صفة معينة عليه”.

يتماشى هذا الاختيار مع توجه أصبح منتشرًا في صناعة المسلسلات العالمية يُهجِّن النوعين معًا.. يسمى هذا النوع بـ”دراميدي -Dramedy”، ويُقصد به العمل الفني الذي يخلط بين العناصر الجادة والفكاهية، ويسعى إلى خلق توازن بينهما، حيث يقع في مساحة رمادية تشبه الحياة نفسها؛ ففي خضم المأساة نجد ما يواسينا ويضحكنا.

ظهر هذا النوع في سبعينيات القرن الماضي، عندما حاول عدد من صناع الدراما التليفزيونية الأمريكية إزالة الحواجز الفاصلة بين النوعين في مسلسلات مثل M*A*S*H الذي تناول حكايات طاقم مستشفى يتغلب على أهوال الحرب الكورية بطرق مضحكة، وFrank’s Place الذي تطرق إلى موضوعات مثل التمييز العنصري والفوارق الطبقية بأسلوب طريف وذكي.

هذا المزج عاد بقوة مع بداية الألفية الجديدة، وزادت شعبيته خلال السنوات الأخيرة مع صعود منصات المشاهدة وخدمات البث حسب الطلب، ليتناول موضوعات ذات جوانب اجتماعية ونفسية عميقة بسلاسة وجاذبية مثل After Life وFleabag.

نجح “خلي بالك من زيزي” في السير على حبل “المزج” الرفيع معتمدًا على أهم سمة من سمات الدراميدي، وهي الاهتمام بالشخصيات. فعادة ما تحمل أبعادًا نفسية وعاطفية مركبة، وتمر بتجارب إنسانية تحاكي الواقع بصدق.. ومن ثم يتماهى معها المشاهد ويرتبط بأحداثها التي ترسم ابتسامة على وجهه أحيانًا، وتؤلمه في أحيان أخرى.

تعتبر “زيزي” شخصية نموذجية في هذا الإطار، فقد تعرضت لإيذاء نفسي كبير في مرحلة الطفولة تنعكس آثاره على كل تعاملاتها الحياتية.. وخلال رحلة طلاقها تضطر لمواجهة مشكلتها الحقيقية وإيجاد حلول لها، فتجتمع المواقف الدرامية المؤثرة مثل مشهد المواجهة بينها وبين زوجها، مع مشاهد أخرى خفيفة كالتي تتمرن فيها على التمثيل أو الفنون القتالية.

توريط المشاهد

الملصقات الدعائية أحد المداخل التي تساعد المتلقي على فك شفرة العمل الفني وتكوين تصور عام عنه.. لذا قرر صناع “خلي بالك من زيزي” استخدامها للتعبير عن حالة التواصل بين الماضي والحاضر وبين الكبار والصغار التي ترتكز عليها المعالجة.. حيث تمزج وجوه الممثلين بين ملامح الشباب والشيخوخة، لتشير إلى فكرة الترابط بين قصص الشخصيات ومصائرها، كأن التاريخ يعيد نفسه، لكن مع احتمالية تغييره إلى الأفضل.

يتجنب السيناريو الخيارات السهلة التي تعتمد على “فلاش باك” أو حوارات مباشرة تحكي ماضي الشخصيات في الحلقات الأولية.. وبدلًا من ذلك، يلجأ إلى فكرة التوازي بين ما مرت به بعض الشخصيات وما تتعرض له غيرها، سواء بشكل تكاملي أو تناقضي.

فنتعرف على الألم النفسي التي تحمله “زيزي” بداخلها، نتيجة جهل أهلها بالطرق المناسبة للتعامل معها، من خلال الطفلة “تيتو” التي تواجه مشاكل دراسية واجتماعية بسبب معاناتها من فرط الحركة وتشتت الانتباه تماما مثل “زيزي” في طفولتها.

ونرى أزمة زوجها “هشام”، هادئ الطباع الذي لم يتحرر من قبضة شقيقه الكبير بالرغم من مركزه الجامعي، تتقاطع مع الطالب “سراج”، الذي يسعى إلى الاستقلالية وخوض تجارب مختلفة في الحياة منذ الصغر.

هذه التيمة متكررة مع غالبية شخصيات المسلسل بصورة تثري كل شخصية وتضيف إليها أبعادًا جديدة تتكشف مع مرور الوقت.. مما يحافظ على إيقاع الأحداث في حلقات المنتصف، التي عادة ما تكون أضعف من بدايات ونهايات المسلسلات الرمضانية.

ومع ذلك، فإن حالة الاحتفاء المسيطرة على متابعي “خلي بالك من زيزي” تتركز بشكل أساسي على الأفكار التي يقدمها.. فالسيناريو يتناول موضوعات حيوية تتناسب مع التيارات المجتمعية الجديدة التي تحتفي بالتعدد وتنادي بالبوح والاعتراف، وتهدف إلى زيادة التوعية بالاضطرابات النفسية والسلوكية.

ولكنه لا يتوقف عند ذلك فقط، وإنما يفتح نقاشًا حول الأساليب العلاجية المختلفة وماهية الطب النفسي، ويعلن انحيازه بشكل كامل نحو “التفكير” ضد التسليم وضد السائد.. إذ يطرح تساؤلات عدة ويورط المشاهد في البحث عن إجابات واتخاذ مواقف تجاه ما يعرض على الشاشة.

نحن أمام معالجة لا تنزلق وراء الوعظ والإرشاد، بل تنتصر إلى تأمل الأحداث والحوارات، والتوقف عند التفاصيل الصغيرة قبل إصدار الأحكام.

تصويب الدفة

من الصعب أن تنجح المسلسلات التي تتلون أحداثها بالتراجيديا والكوميديا دون الاعتماد على ممثلين جيدين، لأن المشاهد ببساطة سينفر من العمل إذا لمس أي أداء مفتعل.

ربما هذا أحد أسباب توقف البعض عن متابعة حلقات “خلي بالك من زيزي”، ثم العودة بعد فترة إلى المشاهدة مع تزايد نسبة استحسان المسلسل على مواقع التواصل الاجتماعي.

ففي البداية، بالغت أمينة خليل في تجسيد مشاهد الانفعال الزائد التي تعانيها “زيزي” وبدت غير مُلمة بطبيعة الشخصية، لكنها تغلبت على هذه الأزمة في المشاهد الجادة التي تتطلب ضبطا للانفعالات الداخلية والاعتماد على تعبيرات الوجه ولغة الجسد في وصف المشاعر والأفكار.

لقطة من مسلسل خلي بالك من زيزي
مشهد من مسلسل خلي بالك من زيزي

أما مشاهدها الأفضل فهي التي تجمعها بعلي قاسم، الذي يجسد دور زوجها “هشام”.. يفهم قاسم طبيعة الشخصية التي يلعبها جيدًا ويدرك مدى اختلافها عن الصورة النمطية للرجل الشرقي، سواء في فكرة التعرض للاعتداء، أو الرفض للأفعال الهمجية التي يشجعه عليها شقيقه ومحاميه، فهو يعبر بحساسية شديدة عن دواخل الشخصية ويركز في إظهار أوجاعها دون مغالاة.

يتجلى ذلك في مشهدي الباب، الذي يوظفه المخرج كدلالة شكلية تعبر عن الحاجز القائم بين الشخصيتين.. ثم مشهدي المواجهة والطلاق المتميزين على مستوى الكتابة والتنفيذ.

على عكس السائد هذا الموسم، عنصر التمثيل في “خلي بالك من زيزي” يعد من عناصر القوة في المسلسل إلى جانب الديكورات الملائمة للفكرة وحداثتها، والموسيقى التصويرية المتماشية مع النوع.

هذه العناصر أدت إلى التغاضي عن تخصيص مساحات لخطوط درامية وشخصيات غير مؤثرة في مسار الأحداث مثل عائلة والد “تيتو” أو أزمة أرض المنصورة، على حساب أخرى أكثر أهمية مثل شخصية “مراد”، التي يجسدها محمد ممدوح، فقد بقيت معالمها غير واضحة وأزمتها مبهمة حتى الحلقة الـ13.

هذه التحفظات وغيرها على “خلى بالك من زيزي”، لا تنفي كونه مسلسلا ممتعا يتناسب مع روح هذا العصر ويفهم مزاجه الفني.. حيث يثبت مع كل حلقة جديدة أننا أمام شخصيات مرسومة بعناية دون تجميل أو تزييف، تتلامس معنا بشكل أو آخر فيزداد تعلقنا بها وتوحدنا معها.

اقرأ أيضًا:

تامر محسن و”لعبة نيوتن”.. حفر عميق في “العادية”

مسلسل “بين السما والأرض”.. عالقون في ماضٍ لا يرحل

أمل مجدي

صحفية مصرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى