سياسة

خيارات “آبي أحمد” بعد الانتخابات الإثيوبية..مساران لا ثالث لهما

في الوقت الذي تجري فيه عمليات فرز الأصوات في الانتخابات الإثيوبية التشريعية والمحلية، كتب رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد على تويتر يشيد بالعملية الانتخابية الجارية وتحدث عن يوم “تاريخي” في إثيوبيا. في الوقت ذاته، لم تُجر هذه الانتخابات في خمس دوائر كبرى في البلاد لأسباب أمنية غالبا مما يشكك كثيرا في مصداقية نتائج تلك الانتخابات الجارية، فيما تقبع زعامات المعارضة التي يمكن أن تشكل فارقا في المشهد الانتخابي الإثيوبي داخل السجون أو اختارت الانسحاب. فما هي خيارات آبي أحمد عقب الانتخابات في ظل المشهد الحالي؟

قبل بضع سنوات قصيرة، اقتحمت شخصية آبي أحمد غير المعروفة المشهد السياسي الإثيوبي في ذروة فصل مضطرب آخر من تاريخ البلاد. وسرعان ما حظي رئيس الوزراء الجديد بإعجاب وطني واهتمام دولي. حيث مثل نوعا من التجديد في المشهد السياسي الإثيوبي، إذ تحدث وتصرف بشكل مختلف.

أبي أحمد رئيس الوزراء الإثيوبي
أبي أحمد رئيس الوزراء الإثيوبي

كما استطاع آبي أحمد أن يحقق الاستقرار في أمّة كانت على حافة الهاوية. وأصبحت قضايا الوحدة والوئام والحب والتسامح هي السمة المميزة لسرديته السياسية. ساعد هذا رئيس الوزراء، البالغ من العمر 44 عاما، على حشد الدعم له من أنحاء البلاد بشكل غير مسبوق في المشهد السياسي الإثيوبي. كما برزت مكانته الدولية بعد أن قام بإصلاح العلاقات مع إريتريا وهو ما نال عليه جائزة نوبل للسلام.

ومنذ ذلك الحين، تغيرت الكثير من الأمور. حيث وقعت حوادث عنف طائفي بعضها أشبه بالتطهير العرقي. والعديد من الاغتيالات السياسية البارزة التي صدمت الشعب الإثيوبي مرارا وتكرارا. وصارت حالات النزوح الداخلي شائعة.

والأسوأ من ذلك ، أدت الانتخابات الإقليمية المتنازع عليها في إقليم تيغراي إلى الحرب الحالية بين الجيش الإثيوبي وجبهة تحرير شعب تيغراي، التي أعادت تسمية نفسها الآن باسم “قوة الدفاع عن تيغراي”. وشوّه الصراع الأخير في تيغراي كثيرا من سمعة رئيس الوزراء على الصعيديِّن المحلي والدولي.

في ظل هذا المشهد المتوتر، أجرت إثيوبيا انتخابات عامة في 21 يونيو الجاري، في أحد أكثر الأوقات خطورة في تاريخ الشعب الإثيوبي. فهل ستحدث هذه الانتخابات أي تغيير ما ذي مغزى؟

نفس المشكلات، ونفس الحلول الخاطئة

جوهر التحدي الذي يواجهه آبي أحمد ليس من صنع يديِّه. إذ أن مسألة التنوع العرقي، ومسألة حيازة حصة عادلة من السلطة والموارد قديمة قدم إثيوبيا العصور الوسطى.

وقد أدى هذا التحدي إلى سلسلة من الحلول الخاطئة على مدى عقود أو حتى قرون. حيث تبنى النموذج السياسي القديم – من السلالة السليمانية إلى النظام الماركسي بقيادة منغستو هايلي مريم- مقاربة الوحدة الشاملة بين مكونات الشعب الإثيوبي. ولم يفصح بشكل كاف عن مظالم أولئك الذين شعروا بأنهم يعيشون على الهامش، ولم يقدم حلا قائما على الحوار.

منغستو هايلي مريم
منغستو هايلي مريم

بينما تبنى النظام الذي أعقب ذلك –التحالف الإثني الفيدرالي للجبهة الثورية الديمقراطية الشعبية الإثيوبية بقيادة جبهة تحرير شعب تيغراي– المقاربة المعاكسة تماما. فقد منح الحق في الحكم الذاتي بما في ذلك الحق في الانفصال لمن وصفهم  بـ”الأمم والجنسيات والجماعات الشعبية”. وبدلا من المساهمة في حل المشكلة ، أصبحت هذه التدابير أرضا خصبة لأصحاب المشاريع المتنازعة.

وعلى الرغم من الاختلافات الواضحة بين المقاربتين، إلا أن المبدأ المشترك بينهما كان هو: الهيمنة العرقية.

وصل آبي أحمد إلى السلطة في وقت كانت فيه بعض قطاعات المجتمع محبطة بشدة من النظام الإثنو- قومي. ومع ذلك ، طالبت قطاعات أخرى بتكريس المزيد من الحالة الفيدرالية، حيث تشكل المجتمعات العرقية المختلفة أحزابا سياسية تحمل أسمائها وتحمي مصالحها.

ومع ذلك ، ظلت سياسات آبي أحمد غامضة. ففي بعض الأحيان ، تبنى خطاب الوحدة الشاملة بين مكونات الشعب الإثيوبي. وفي أحيان أخرى، مارس المقاربة الفيدرالية العرقية العملية. وبينما تشعر الجبهة الشعبية لتحرير شعب تيغري وغيرها من الجماعات العرقية القومية أن آبي سوف يقضي على النظام الذي أقاموه في العقود الثلاثة الماضية، فإن الجماعات الأخرى التي تؤيد الوحدة الشاملة غير مرتاحة كونه لا يتحرك بالسرعة الكافية لتفكيك النظام الفيدرالي العرقي. وقد وفرت هذه الحالة ديناميكيات أخرى أساسية تحرك الصراع في إقليم تيغراي.

قد يمنح الفوز في هذه الانتخابات آبي أحمد تفويضا شعبيا لتحديد موقفه بوضوح من هذه القضية الشائكة.

سياسة الإقصاء

لطالما حاولت إثيوبيا تبني فكرة الفوز من خلال الحوار والاعتدال. إذ يرى المنافسون السياسيون بعضهم البعض على أنهم أعداء. وقد كان التكتيك المعتاد للفوز سياسيا هو القضاء على المنافسين. تبقى مفردات الحوار والتسوية مفاهيم غريبة على المشهد السياسي.

الوضع في تيجراي
الوضع في تيجراي

تجسّد الحرب الجارية في إقليم تيغراي هذه الثقافة. إنها مدفوعة بشكل أساسي بمفاهيم فارغة من البطولة بدلا من العمل من خلال المناورات السياسية الهادئة. لم تستطع الجبهة الشعبية لتحرير شعب تيغري قبول فقدان السلطة والامتيازات عندما وصل آبي أحمد إلى السلطة ، مما أدى إلى حالة من الشكوك والعداء المتبادل. في ظل هذا السيناريو ، يتحمل الناس العاديون كلفة الحرب ، بما في ذلك القتل خارج نطاق القانون والاغتصاب والآن المجاعة.

لقد تضررت مصداقية هذه الانتخابات بالفعل بسبب انسحاب بعض أعضاء جماعات المعارضة أو سجنهم. ومن الأمثلة البارزة على ذلك جوهر محمد من حزب أورومو الفيدرالي، وإسكندر نيغا زعيم حزب بالديراس من أجل ديمقراطية حقيقية.

ومن الصعب أن نتخيل إجراء أي انتخابات في إقليم تيغراي بسبب الصراع المستمر.

ماذا بعد الانتخابات الإثيوبية؟

من المرجح للغاية أن يفوز حزب الرخاء الذي يتزعمه رئيس الوزراء آبي أحمد في هذه الانتخابات. ويرجع ذلك جزئيا إلى أن معظم الإثيوبيين ربما يعتقدون أن التغيير الدراماتيكي للقيادة في الوقت الحالي سيكون محفوفا بالمخاطر. كما أن هناك عامل آخر وهو غياب المعارضة السياسية التي يمكنها أن تُشكِّل تحديًا ذا مغزى.

أشار البعض إلى أن آبي أحمد تمكن من إضعاف المعارضة. ولكن الحقيقة هي أن الانقسام الثقافي ينطبق أيضا على السياسات الحزبية الداخلية. نخب الأورومو، على سبيل المثال، منقسمة بشدة فيما بينها. وهناك انقسام كبير داخل جبهة تحرير أورومو، أحد أقدم الأحزاب التي دافعت عن قضية شعب أورومو.

الانتخابات الإثيوبية
الانتخابات الإثيوبية

إذا فاز آبي أحمد، فهناك مساران محتملان يمكن أن يسلكهما. الأول هو البدء في بناء الأمة.

وإذا اختار أن يسلك هذا المسار الأول، فسيكون من الأفضل له أن يستمع أكثر من أن يلقي محاضرات كما هو أسلوبه المفضل. ويجب أن تبدأ عملية الاستماع والحوار هذه بدائرته الانتخابية – أوروميا – وتمتد إلى إقليم تيغراي الذي مزقته الحرب. بالحصول على تفويض متجدد، لا يجب أن يهتم رئيس الوزراء بشأن تقديم مشاريع كبيرة وعقد صفقات سلام غير متوقعة مع دول الجوار، على الرغم من أهمية هذه الاتفاقيات. بدلا من ذلك ، يمكنه أن يشرع في معالجة جذور الخوف وانعدام الثقة والعنف الذي يهدد بتمزيق النسيج الاجتماعي للأمة الإثيوبية.

الاحتمال الثاني ، غير المرغوب فيه، هو أنه يمكن أن يسلك مسارا أكثر استبدادية. وإذا ما اختار هذا النهج ، فلن يعدم المبررات التي تجعل من أفعاله تبدو ضرورية. يمكن أن يقدم آبي أحمد نفسه على أنه زعيم تنفيذ القانون وفرض النظام. فهناك بالفعل انتشار واسع للفوضى، وفقدان الشعور بالأمن بين المواطنين. وتمرّ إثيوبيا الآن بمرحلة يستطيع فيها أن يطرح الحجة القائلة بأن الديمقراطية ما هي ببساطة إلا كثير من الترف.

المصدر: (اضغط)

اقرأ أيضا:رهانات آبي أحمد في الانتخابات الإثيوبية.. سد النهضة للاستهلاك المحلي

مصطفى الفقي

مترجم مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى