سياسة

داعش في البادية السورية.. عودة تنظيمية على أطراف الحدود الهشة

خلال شهر مارس الماضي، أطلقت قوات الجيش السوري حملة عسكرية ضد معاقل تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في البادية السورية المترامية الأطراف، بدعم جوي من قبل سلاح الجو الروسي، ومع أن تلك الحملة أدت لتقلص هجمات التنظيم في المنطقة بمعدل كبير، لكنها لم تقضِ عليه فعاود هجماته على القوات الحكومية والميليشيات شبه العسكرية الموالية لها.

بعد أقل من شهر على انطلاق العمليات العسكرية، أقدم التنظيم على اختطاف عدد من أهالي قرية صان (تابعة ناحية عقيربات بمحافظة حماة السورية)، عبر كمين نصبه لمجموعة من جامعي الكمأ الذي يعملون تحت حماية مقاتلي الدفاع الوطني (ميليشيات شبه عسكرية موالية للنظام السوري)، كما هاجموا مجموعة من مقاتلي الدفاع الوطني هبوا لنجدة الأهالي.

يكشف النشاط المتواصل لمفارز الصحراء التابعة لداعش في منطقة البادية -تمتد من وسط إلى شرق سوريا وتصل إلى الحدود العراقية- عن تعافي القدرات العملياتية للتنظيم وتمكنه من امتصاص زخم العمليات العسكرية المتتالية التي يشنها الجيش السوري وحلفاؤه، ما يُشكل تهديدًا عالي الخطورة للأمن في سوريا والعراق.

عناصر تابعة لتنظيم داعش
عناصر تنظيم داعش

معقل نموذجي لإرهابيي داعش

اتجه تنظيم الدولة الإسلامية لتأسيس معاقل بديلة داخل البادية السورية، مع خسارته المتكررة لمعاقل سيطرته داخل سوريا والعراق والتي سقطت بشكل نهائي في مارس 2019 بعد استيلاء قوات سوريا الديمقراطية، “قسد”، على آخر مناطق سيطرة التنظيم في قرية الباغوز (محافظة دير الزور).

ونجح التنظيم في تأمين أماكن لإقامة مقاتليه داخل جبال وكهوف المنطقة، ونقل إليها أغلب مقاتليه الأجانب الذين ما زالوا تحت لوائه، إضافةً إلى المئات من المقاتلين العراقيين الذين تمرسوا في القتال جراء الانخراط في عمليات التنظيم على مدار السنوات الماضية.

وإلى جانب المقاتلين غير السوريين، ينخرط عدد غير قليل من السكان المحليين (السوريين) في عمليات تنظيم داعش داخل البادية، وهؤلاء المقاتلون متوغلون في النسيج الاجتماعي لأهالي المنطقة، ويرتبطون بعلاقات وثيقة معهم، ويشكلون خلايا إرهابية محلية تتولى تأمين الدعم اللوجستي لأفراد التنظيم، وأعمال الرصد الميداني لتحركات القوات الحكومية والميليشيات المتحالفة معها.

داعش في البادية السورية وشبكة الأنفاق

يشير تحليل للباحث في مكافحة التطرف “جريجوري ووتزر”، منشور بموقع Newlines institute إلى أن مقاتلي التنظيم شيدوا شبكة أنفاق داخل المنطقة للتخفي من الملاحقة الأمنية، فضلًا عن تنكر العديد منهم في زي سكان محليين، ما ينذر بتعقد الأوضاع بالبادية، ويؤكد نجاح التنظيم في ترميم هيكله القيادي وشبكاته العملياتية الفاعلة هناك، في ظل الأزمات التي يعاني منها النظام السوري، خصوصًا الأوضاع الاقتصادية الصعبة.

وسبق لفريق الدعم التحليلي ومتابعة الجزاءات التابع لمنظمة الأمم المتحدة أن قدر عدد مقاتلي تنظيم داعش في سوريا والعراق بـ10 آلاف مقاتل، موضحًا أن البادية السورية ملاذ آمن لمقاتلي داعش الذين أنشؤوا علاقات مع شبكات تهريب تنشط عبر الحدود العراقية.

داعش في أفريقيا
مسلحون في الصحراء

الحرب الاستنزافية في الصحراء السورية

أدى نجاح تنظيم داعش في إيجاد ملاذ آمن داخل صحراء البادية السورية الشاسعة إلى تصنيفه لها كقاعدة انطلاق عملياتية لضرب الأهداف داخل العمق السوري، ونقل السلاح والمقاتلين في المناطق الحدودية بين العراق وسوريا.

وواصل التنظيم شن هجمات استعراضية ومؤثرة ضد قوات الجيش السوري والحرس الجمهوري والمليشيات شبه العسكرية الموالية للرئيس بشار الأسد، وكذلك قوات سوريا الديمقراطية، معتمدًا أسلوب حرب العصابات الاستنزافية التي يتبناها التنظيم كاستراتيجية موسعة منذ انهيار خلافته المكانية في 2019.

في هذا السياق، ذكر أبو منصور الأنصاري، أمير مفارز داعش الأمنية في الخير (دير الزور) في حوار سابق مع صحيفة النبأ الأسبوعية التي يصدرها ديوان الإعلام المركزي التابع لتنظيم داعش أن عناصره نفذت مئات الهجمات الإرهابية في مناطق دير الزور خلال السنوات الثلاث الماضية، وأن تغير وتيرة العمل الأمني داخلها مرتبط بالظروف والأسباب المختلفة.

وحث القيادي الداعشي السكان المحليين على تشكيل مفارز أمنية وتنفيذ هجمات ضد القوات الكردية في المنطقة، وذلك في سعي منه لتحريضهم واستغلال الظروف المعيشية الصعبة التي يعيشونها تحت حكم الإدارة الذاتية الكردية والنظام السوري.

معدل هجمات داعش

وحسب تقرير لمعهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى فإن التنظيم شن 106 هجمات منذ بداية العام الجاري، مقارنة بهجمة واحدة في الربع الأخير من 2020، ما يلمح إلى أن قدرة داعش على شن هجمات لا تزال كبيرة، وهو ما يرغم الوحدات العسكرية التابعة للجيش السوري والمتحالفين معه على البقاء في حالة تأهب واستنفار، لا سيما في ظل الخسائر الكبيرة التي تلقوها على أيدي عناصر التنظيم سابقًا.

وتحرص “مفارز داعش” على مواصلة إنهاك خصومها في البادية، واستنزافهم عسكريًا واقتصاديًا عبر استهداف خطوط الغاز قرب بادية السخنة، واستهداف شاحنات نقل الوقود التابعة لشركة القاطرجي المملوكة لرجل الأعمال المقرب من النظام السوري حسام القاطرجي.

ويسعى التنظيم بهذه الهجمات إلى زيادة الضغط على الاقتصاد السوري المثقل، وعلى الشبكات المالية واللوجستية التي تمد قوات سوريا الديمقراطية، حتى ينهار جميع حلفائه، وذلك ضمن خطة الاستنزاف الكبرى التي تحدث عنها زعيم تنظيم داعش السابق “أبوبكر البغدادي” في كلمته المرئية الأخيرة قبل مقتله، تحت عنوان “في ضيافة أمير المؤمنين”، والمنشورة في أبريل 2019.

مواجهة غير مجدية مع داعش

في المقابل، استمر الجيش السوري المدعوم بالطائرات الروسية في اتباع نفس الاستراتيجية العسكرية التي تقوم على مبادئ عملياتية شبه ثابتة، تعتمد على التمهيد النيراني الذي يقوم به سلاح الجو الروسي يليه تقدم للقوات البرية داخل المناطق التي تم قصفها.

الجيش السوري
الجيش السوري

وتقدم القوات الروسية ونظيرتها الإيرانية دعمًا كبيرًا للجيش السوري في عملياته داخل المنطقة، ونقلت الأخيرة المئات من مقاتلي لواء “فاطميون” (الأفغاني) وزينبيون (الباكستاني)، لمؤازرة القوات الحكومية في مواجهة التنظيم داخل الصحراء السورية.

ويستهدف الجيش السوري من تلك العمليات تأمين طرق إمداده داخل البادية السورية، خاصةً طريقي دمشق- ديرالزور، أثريا- الرصافة، وتتحرك القوات النظامية بطريقة الوثبات العسكرية ضمن قطاع عملياتي كبير جغرافيا، ما يترك مؤخرة تلك القوات مكشوفة ومعرضة لهجمات داعشية مضادة، وهذا ما حدث أواخر فبراير الماضي، حينما استغلت مفارز التنظيم توغل قوات الجيش السوري في عمق البادية وهاجمت نقطة تتولى تأمين مؤخرة القوات في مدينة العشارة قرب نهر الفرات.

داعش وتكتيك مضاد

وبدوره، يلجأ تنظيم داعش لتجنب مواجهة الجيش السوري خلال العمليات العسكرية عبر عمليات المناورة وتغيير الموقع، ويسحب عناصره من مناطق توغل القوات الحكومية، ومواجهتها عبر تلغيم الطرق المحتمل أن يسلكوها، والاختباء داخل مناطق البادية المحاذية لمحافظات الرقة ودير الزور وحمص، وهي مناطق يصعب على الجيش التوغل فيها نظرًا لطبيعتها الجغرافية الوعرة.

ويملك مقاتلو التنظيم خبرة واسعة بالتضاريس الجغرافية في البادية السورية، بجانب تفوقهم في حروب الكر والفر الصحرواية نتيجة الخبرة التي اكتسبوها خلال السنوات الماضية، وذلك حسب تحليل للباحث السوري محمد حسان عبر موقع معهد الشرق الأوسط الأمريكي.

ومن الواضح أن التنظيم يسعى عبر هذا التكتيك لحماية عناصره وعدم تكبد خسائر كبيرة والاحتفاظ بالصبر الاستراتيجي في انتظار فرصة مناسبة تهيئ الأوضاع أمام عودته للانتشار والسيطرة على الأرض كما حدث في العراق سابقًا.

اقرأ أيضًا

أيام الحرب والمقاومة.. كيف أصبحت مدينة “عفرين” السورية؟

المُراقب.. تحالف جهادي لضخ الدماء في أوردة “القاعدة” الواهنة

هيثم سعيد

صحفي مصري مهتم بشؤون الحركات الإسلامية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى