"داعش" في جنوب غرب ليبيا

التأسيس الثاني.. سيناريو البقاء والانحسار

تحولت ليبيا منذ 2011 بعد سقوط نظام العقيد الراحل معمر القذافي إلى موطن جاذب لمختلف التنظيمات الإرهابية أو الجهادية، كتنظيم “داعش” أو المجموعات المرتبطة بـ”القاعدة”، أو تلك المرتبطة بالتنظميات السلفية الجهادية، وصولًا إلى ملاذ لبعض العناصر الإخوانية الهاربة من مصر عقب أحداث 30 يونيو/حزيران 2013، التي أطاحت بحكم الجماعة. 

عبدالله حمدوك

تشاركت هذه التنظيمات معًا في بعض الأهداف وقاتلت جنبًا إلى جنب، لكنها دخلت في صدامات مسلحة في أوقات كثيرة، وهي نفس الحالة التي حدثت في سوريا حين وقعت الاشتباكات بين تنظيم “جبهة النصرة” (سابقا)، المنبثق عن “القاعدة”، مع تنظيم “داعش” الوليد. وتعود جذور تنظيم “داعش” في ليبيا إلى مجموعات متشددة استغلت الفراغ الأمني والفوضى بعد 2011 لترسخ وجودها في مدينة سرت، وسط البلاد، بصفة أساسية، لتعلن لاحقًا مبايعتها أمير تنظيم “داعش” السابق، أبي بكر البغدادي، الذي بدوره تحدث عام 2014 عن وجود تنظيمه في ليبيا، مشيرًا إلى 3 ولايات هي: “برقة” وعاصمتها “درنة”، و”طرابلس” وعاصمتها “سرت”، و”فزان”، وهي الأقاليم الثلاثة التاريخية المكونة لليبيا. 

وقد كانت الهيمنة في التنظيم للأجانب أو غير الليبيين، حيث قاد التنظيم عبد القادر النجدي، سعودي الجنسية، ومعه أبو معاذ العراقي، ووسام نجم الزبيدي، المعروف بـ”أبي المغيرة القحطاني”، كما كانت ليبيا محطًّا لقادة “داعش” الأجانب، ومن ذلك زيارة القيادي بالتنظم البحريني تركي البنعلي، مع تمكن “داعش” من “سرت” وبسط نفوذه.

وأوجد التنظيم خلايا له في عدد من المدن التي لم تكن له السيطرة عليها، وقد قويت شوكة التنظيم، مع انشقاق كثير من العناصر عن “القاعدة” ومبايعة “البغدادي”، حتى سيطر على عدد من المناطق الإستراتيجية في ليبيا، أبرزها مدينة “سرت” كما أشرنا سابقًا، وامتدادت أخرى في “بني وليد” و”درنة” شرقًا و”بنغازي”[1] قبل أن تتساقط حصونه ويُطرد من هذه المناطق تحت ضغط ضربات الجيش الوطني الليبي أو الحملة التي قادتها قوات غرب ليبيا، أو حتى بعض الضربات الأمريكية أو الضربات “المجهولة”، التي أضعفته ليقرر الاتجاه إلى الجنوب الغربي، لتوفر تعقيدات المشهد السياسي والعسكري الليبي قبلة الحياة للتنظيم، والتي كلما تصاعدت سهل الطريق أكثر أمام “داعش”، والتي يشكل كذلك الجنوب الغربي نموذجًا لها.

من ثمّ سعى التنظيم للاستفادة من الطبيعة الجغرافية لهذه المنطقة، وينظم صفوفه مجددًا، في مؤشرات على أن تنظيم “داعش” قد يكون في مرحلة إعادة بناء جديدة له، إذا وضع في الاعتبار انهيار معاقله الرئيسة في سوريا والعراق وهزيمته، ما جعله يتشبث بليبيا ويؤكد وجوده بعدد من العمليات الإرهابية التي تركزت بصفة أساسية في الجنوب، والاشتباك مع قوات الجيش الوطني الليبي من وقت لآخر، آخرها سبتمبر/أيلول 2020، في عملية أسفرت عن مقتل أمير تنظيم ولاية شمال إفريقيا، أبي معاذ العراقي. 

وقد ذكر تحليل أمني لموقع “ستراتفور” الاستخباراتي الأمريكي للدراسات الأمنية والإستراتيجية، أن تنظيم “داعش” يتوسع مرة أخرى في ليبيا في إشارة إلى الجنوب، معتبرًا أن عملياته تشير إلى توسعه مرة أخرى[2].

وتحاول الورقة البحثية هنا تحديد حجم ووجود تنظيم “داعش” في الجنوب الغربي الليبي، وما إذا كان الوجود هناك مجرد خلايا ضعيفة متشرذمة أم هيكل تنظيمي متكامل يخطط للانقضاض مرة أخرى على الشرق والغرب الليبيين، ويكسر حاجز الحدود مع الجوار الليبي كما فعل التنظيم الأم في الحدود السورية – العراقية. نشير هنا إلى ندرة حقيقية في حجم المعلومات الدقيقة والصحيحة المتوافرة عن التنظيم، نظرًا إلى طبيعة منطقة الجنوب الليبي والوضع في ليبيا بصفة عامة، والتي حاولت الدراسة التغلب عليها بالتواصل مع أشخاص على الأرض وبعض المسؤولين الليبيين، في محاولة لاستقاء أدق وأحدث المعلومات المتوافرة، فضلاً عن النظر في بعض التقارير والدراسات المعنية بهذا الملف.

اضغط.. على كل محور يمين الصفحة للقراءة
اضغط.. على كل محور لقراءة مضمونه

خصائص الجنوب الغربي الليبي وخطة “داعش” لإعادة التموضع به

إن معرفة حجم وقوة تنظيم “داعش” في جنوب ليبيا تتطلب الوقوف على طبيعة الجنوب الغربي الليبي، خصوصًا جغرافية هذه المنطقة التي تشكل خاصرة خصبة تجتذب عناصر تنظيم “داعش”، سواء أولئك الذين نزحوا من مناطق أخرى داخل ليبيا مثل “درنة” و”سرت” و”بنغازي”، أو أولئك الوافدين من الخارج خصوصًا من إفريقيا، جنوب الصحراء، مع انسياب حدود هذه المنطقة لتكون نقطة تلاقٍ بين الجماعات الإرهابية في منطقة الساحل الإفريقي، وتحقيق الاتصال المباشر بين “داعش” وتنظيم مثل “بوكو حرام” الذي بايع “البغدادي” سابقًا، وكذلك جماعات الجريمة الأخرى، التي جمعتهم المصالح والاستفادة من الفراغ الأمني، كمهربي البشر وتجار السلاح والمخدرات.

أبومصعب الليبي من تنظيم داعش

ويحمل جنوب غرب ليبيا ميزات كبيرة لدى التنظيمات الإرهابية أو حتى الإجرامية، في ظل بيئة أمنية هشة تنعدم فيها مظاهر الدولة، مع صحراء شاسعة يسهل العبور منها وإليها من دول مجاورة مثل تشاد والنيجر، كما أن الجنوب مسرح لعصابات الجريمة، فضلاً عن الثروات النفطية الموجودة هناك، التي تجتذب أطماع التنظيمات التي من بينها “داعش”، الذي عرف عنه في سوريا تجارته في النفط، حيث ينتج الجنوب نحو نصف النفط الليبي، 500 ألف برميل نفط يوميًّا، وبالتالي فإن حقول النفط والمناطق المترامية التي لا توجد فيها قوات كبيرة وتقع في قلب الصحراء مثل خط الغاز الممتد لمسافات طويلة حتى إيطاليا، تقع ضمن أهداف عناصر “داعش” خلال الفترة المقبلة، بدليل سيطرته من قبل في مارس/آذار 2015 على حقلي المبروك والباهي جنوب شرق “سرت”، ثم السيطرة على حقل الظهرة، الواقع جنوب غرب سرت أيضًا، قبل أن يُطرد من المدينة.

وتؤكد تحليلات عدة أن الهدف الأساسي للتنظيم في ليبيا حاليًّا هو توطيد وجوده في الجنوب الغربي، أو على الأقل الوجود بقوة هناك، بل إنه بالأساس تعنيه السيطرة على الجنوب، لأنه كان من الخطأ الاعتقاد بأن القضاء على التنظيم في “سرت” سيضع حدًّا لتهديده في الشمال الإفريقي، كما أن “سرت” ليست بهذه الأهمية للتنظيم، فهي مدينة صغيرة يمكن له أن يتخلى عنها دون ندم، وكان التنظيم يستعد منذ إبريل/نيسان 2016 للانسحاب منها، وقد حضّر ملاذًا آمنًا جديدًا في جنوب غرب ليبيا. 

وكان التنظيم وقتها يسعى لتأسيس قاعدة أخرى لنفسه في الصحراء الليبية، تتقاطع فيها طرق التهريب والتجارة غير المشروعة الرابطة بين جميع أنحاء القارة الإفريقية.

من هنا تبرز الأهمية الإستراتيجية للجنوب الغربي الليبي في خطة التنظيم، فيمكنه الاستفادة من هذه الطرقات، وأيضًا يمكنه الاندماج في شبكات المتشددين بجميع أنحاء غرب القارة السمراء[3].

ويعضد ما سبق، ما جاء في التقرير الصادر عن الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو جوتيريش، عن توسيع تنظيم “داعش” أنشطته في الجنوب الليبي. فقد قال “جوتيريش”، في هذا التقرير الصادر عن عمل البعثة الأممية خلال الفترة من 15 يناير/كانون الثاني إلى 5 مايو/أيار 2020 وقدمه الأمين العام إلى مجلس الأمن، إن المراقبين أفادوا في تقييمهم للوضع بأن تنظيم “داعش” وغيره من الجماعات الإرهابية قد تسعى لاستغلال حالة انعدام الأمن بصفة عامة في جنوب ليبيا لتوسيع نطاق أنشطتها، وأشار أيضًا إلى أن أفرادًا يشتبه في انتمائهم إلى تنظيم داعش هاجموا نقطة تفتيش غرب مدينة مرزق الجنوبية”، لكنه قال إن نشاط التنظيم محدود خلال فترة كتابة التقرير على الأقل[4].

وبالتالي، أتاحت صحراء الجنوب الليبي لـ”داعش” الاتصال مع فروع التنظيم الأخرى خلف الحدود الليبية مع إفريقيا جنوب الصحراء، مشكّلاً تنظيم سرايا الصحراء بقيادة المهدي سالم دنقو، لتستيقظ لاحقًا العناصر الخاملة في الجنوب فنكون أمام مرحلة من التأسيس الجديد للتنظيم تشبه كثيرًا بداياته في سوريا والعراق، بما لا يدع مجالاً للشك في أن مركزية التنظيم في طور الانتقال إلى ليبيا، أو هكذا يخطط لها، بديلاً عن سوريا والعراق.

دول الجوار الليبي
المكون الاجتماعي في الجنوب الليبي ونشاط “داعش”

يعد الجانب الاجتماعي عنصرًا أساسيًّا يستفيد منه تنظيم “داعش”، ويكفي دليلاً استغلاله الصراعات الطائفية بين السنة والشيعة في العراق، ليجد منها بيئة حاضنة وداعمة له لدى قطاع كبير من المكون السُّني، إلا أن الوضع يبدو مختلفًا نسبيًّا في ليبيا، حيث إن استفادة التنظيم بصفة أساسية كانت من الصرعات القائمة دون الدخول في أي تحالفات مع المكونات القبلية والعرقية القائمة. 

ومع طبيعة الصراعات التي تجري بين وقت وآخر في جنوب ليبيا، بين العرب وغيرهم، أو بين التبو والطوارق، لم يثبت أن دخل التنظيم طرفًا في تلك الصراعات العرقية والقبلية التي يشهدها الجنوب من وقت لآخر، خصوصًا أن قبائل التبو وقبائل الطوارق ليست بيئات حاضنة للتنظيم بدرجة كبيرة[5].

أشارت معلومات أخرى إلى عمل قطاع كبير من أبناء قبائل التبو والطوارق جنوب ليبيا في عمليات الهجرة غير الشرعية والتهريب، وهذا أفرز علاقات وثيقة الصلة بينها وبين مختلف التنظيمات الإجرامية والمسلحة، بما في ذلك تنظيم “سرايا الصحراء”، وهي بالأساس تبدو علاقات ليست لها أسس أيديولوجية وفكرية بقدر برجماتيتها وقيامها على الانتفاع المتبادل وتحقيق مصالح مشتركة[6]

ويمكن مما سبق استنتاج أن التنظيم استفاد من الخلافات والصراعات القائمة في الجنوب، ليعظم وجوده وينظم صفوفه بأريحية، ويجند مزيدًا من العناصر، ويجري التدريبات العسكرية اللازمة، ويسيّر دورياته. 

المهدي دنقو وتأسيس التنظيم في الجنوب

تسبب الضغط على التنظيم في مدينة “سرت” إلى فرار مجموعات منه إلى الجنوب، وتحديدًا الليبي المهدي دنقو، المكنى بـ”أبي بركات”، قبل مقتله في يناير/كانون الثاني 2019، وهو من مواليد “سرت” عام 1981 ومتورط في عمليات إرهاب عدة، وعمل لفترة في المحكمة الشرعية بمدينة “الموصل”، شمال العراق، التي كانت معقل التنظيم تحت قيادة “البغدادي” قبل أن يعود إلى ليبيا عبر البوابة التركية، ليلعب الدور الأخطر والأهم في تأسيس قاعدة جديدة للتنظيم، حيث كوّن جيشًا إرهابيًّا فى صحراء ليبيا، غالبية عناصره قدمت عبر الجنوب الليبي بعد طرد “داعش” من “سرت”، ويضم جنسيات سودانية ومصرية وتونسية وجزائرية وإفريقية، وتكون التنظيم فعليًّا عام 2016 ويعتمد بالأساس على فكرة حرب العصابات والتنقل بين المدن في الجنوب.

الليبي المهدي دنقو

ودشن هذا الجيش الإرهابي في الصحراء الجنوبية الغربية الليبية عددًا من نقاط التفتيش والمراقبة في الجنوب، وبعض المناطق التي تعد بؤرًا لانتشاره، ومنها مدينة “سبها”، وهي المعلومات التي كشفها مدير التحقيقات بمكتب النائب العام الليبي[7]

وفي يناير/كانون الثاني 2019 ومع شن الجيش الوطني الليبي عملية عسكرية واسعة لفرض السيطرة على الجنوب الغربي وطرد العناصر الإرهابية، أعلن تصفية عدد من القيادات الإرهابية شمال غرب مدينة “سبها”، وأبرزها المهدي دنقو، على أيدي القوات الخاصة[8]

وتعد المناطق المسماة بـ”المشروعات”، أو المزارع، نقاط ارتكاز أساسية لتنظيم “داعش” في الجنوب الغربي الليبي، وهي المناطق الواقعة على أطراف مدينة “سبها”، حيث توفر هذه المنطقة غطاء ومناطق نفوذ آمنة للتنظيم، يستطيع من خلالها الانطلاق لشن عملياته ثم الارتداد للتحصن بها، خصوصًا مع صعوبة تعامل القوات التابعة للجيش الليبي نسبيًّا مع عناصر “داعش” في هذه المناطق. 

ويوجد “داعش” في عدة مناطق أبرزها “غدوة” و”أم الأرانب” و”أوباري”، أي على أطراف “سبها”. وقد قويت شوكة التنظيم، بدليل أن عناصره عندما تدخل في مواجهة مع أي قوات أمنية أو عسكرية تستطيع المقاومة لساعات طويلة، وتُكبِّدها خسائر كبيرة، وإن كانوا هم أيضًا يتعرضون لخسائر كبيرة من وقت لآخر.

ويمتلك تنظيم “سرايا الصحراء” كميات أسلحة كبيرة وسيارات ظهرت خلال بعض هجماته، كما أن التنظيم لا يعتمد فقط على عناصره المنتمين إليه عقائديًّا، بل إنه وفر ملاذًا لكل الخارجين على القانون والعناصر الإجرامية[9]

عناصر تنظيم داعش الإرهابي

وتزامنًا مع هذا الوجود في الجنوب، فإن لتنظيم “داعش” عناصر لا تزال خاملة ضمن خلايا في “طرابلس” و”مصراتة”، وفي شكل جماعات مستقلة في “سبها”، و”مرزق” و”القطرون”، ومنطقة جبل الهروج المحيطة بها، ما يعني أن رأس التنظيم حاليًّا في الجنوب[10]

وتشير تفاصيل أخرى بشأن تشكيل التنظيم إلى أنه يتكون من 3 كتائب، وذلك تحت قيادة “دنقو” قبل مقتله، ولكل كتيبة منها قائد[11]. ونجح التنظيم في إعادة ترتيب صفوفه وتشكيل مجموعة من القوافل، تتكون الواحدة فيها من 5 إلى 7 مركبات، وتتحرك في المناطق التي يغيب عنها الوجود الأمني، كما يجد التنظيم سهولة في التجنيد، سواء من الجنوب ومن الدول المجاروة لليبيا جنوبًا[12]

نشاط عناصر “سرايا الصحراء” مع مهربي البشر والمخدرات

سبقت الإشارة إلى أن عناصر “داعش” تحالفت مع عصابات تهريب البشر. والأخطر أن عناصر “داعش” تعمل هي أيضًا في تهريب البشر، وهنا يستفيدون من جهتين؛ ماليًّا من عائدات تهريب البشر والمهاجرين غير الشرعيين القادمين من إفريقيا جنوب الصحراء، وأيضًا نقل العناصر الإرهابية التي ستلتحق بصفوف التنظيم أو تلك التي تُنقل إلى مناطق أخرى. 

وفي إطار تعظيم موارده، عمل التنظيم في تهريب المخدرات بالتعاون مع العصابات التي تقوم بهذه الأعمال، وأيضًا في مجال تهريب بعض البضائع والسلع ومشتقات النفط[13]، في حين تذهب تقديرات إلى أن أعداد التنظيم لا تتجاوز بضع مئات في ليبيا، بحسب تصريح مساعد الأمين العام للأمم المتحدة لشؤون مكافحة الإرهاب، فلاديمير فورونكوف[14].

فلاديمير فورونكوف مساعد الأمين العام للأمم المتحدة لشؤون مكافحة الإرهاب

ويستطيع “داعش” في جنوب ليبيا الحصول على السلاح بسهولة، لكون مناطق الجنوب تحولت إلى سوق رائجة لتجارة السلاح، فيستطيعون شراء ما يرغبون من أسلحة. وفي نفس الوقت شن التنظيم عدة هجمات على مواقع أمنية، استطاع من خلالها الحصول على بعض الأسلحة. وعادة ما تكون الأسلحة التي بحوزة عناصر “سرايا الصحراء” هي الرشاشات الآلية وقذائف الآر بي جي، وبطبيعة الحال الأسلحة الخفيفة، كما يمتلكون مدافع مضادة من عيار 14.5 مم و23 مم[15].

وقد اصطدم تنظيم “داعش” في ليبيا بصفة عامة بقلة العناصر الليبية المنخرطة فيه، وفي الوقت ذاته قلة الأجانب قبل ذلك في صفوف التنظيم بليبيا، فقد كانت الوجهة دائما إلى سوريا والعراق. كما عانى من مصادر التمويل، على عكس الوضع في سوريا والعراق أيضًا، فالتمويل كان يأتي بالأساس في البداية من سوريا والعراق، فضلاً عن سرقة الاحتياطات من مصرف ليبيا المركزي، والضرائب التي كان يحصل عليها من الأهالي في “سرت”. لكنه فشل في الحفاظ على السيطرة على النفط والغاز مقارنة بسوريا والعراق، إلى جانب أن التنظيم الأم فضّل تقديم الدعم الكبير لتنظيم “ولاية سيناء” في مصر. 

ونتيجة لذلك، فقد لجأ التنظيم إلى تغيير إستراتيجيته في الحصول على التمويل من خلال تجارة المخدرات وتهريب البشر، والقدرة على ابتزاز بعض المجرمين مع وفرة السلاح، وهذه أمور تجعل التنظيم قادرًا على العودة[16]. ويتضح أنه في ضوء هذه المعطيات الخاصة بعدد عناصر تنظيم “سرايا الصحراء” فقد اعتمد إستراتيجية أساسية تقوم على امتلاكه عناصر نخبة، تستطيع القيام بعملية بالغة الدقة، وتقوم بعمليات الإغارة مُوقِعة أعلى الخسائر الممكنة، ثم الارتداد إلى الحصون مرة أخرى، وهو أمر تمكن ملاحظته بوضوح من خلال عدد من العمليات التي قام بها التنظيم.

علاقة المهدي دنقو بتركيا وقطر

يعد دورا تركيا وقطر من أكثر الأدوار المشبوهة في ليبيا، وقد قدم الجيش الوطني الليبي مرارًا الأدلة تلو الأخرى على حجم الدعم القادم من أنقرة والدوحة للمجموعات الإرهابية الموجودة في ليبيا، بمختلف تشعباتها وبما فيها تنظيم “داعش”. وقد أشارت تقارير إلى أن الدوحة ألقت ثقلها خلف المهدي دنقو من أجل تحويل ليبيا إلى بؤرة للإرهابيين، حيث حاول استغلال جنوب ليبيا لإحياء تنظيم “داعش” المدحور في سوريا، وأمده نظام تميم بن حمد بالمال والعتاد لإتمام المهمة. وقد نقل “دنقو” الإرهابيين من سوريا إلى المناطق الليبية، واستعان بالأراضي التركية كمحطة انتقالية لهؤلاء الإرهابيين[17].

مرتزقة في سوريا
إستراتيجية “داعش” في الجنوب وتحركات الجيش الوطني

عقب مقتل زعيم “داعش” أبي بكر البغدادي، العام الماضي، بثت وكالة “أعماق” التابعة للتنظيم إصدارًا مرئيًّا يوم 27 ديسمبر/كانون الأول 2019 تحت عنوان: “وأخرِجوهم من حيث أخرَجوكم”، وللوهلة الأولى من مشاهدة الإصدار تتبين مكانة ليبيا في خطط “داعش” مع الضربات الموجعة التي طالته في سوريا والعراق وأسقطت دولته المزعومة، حيث أسرف التنظيم في استعراض دلائل وجوده في ليبيا من خلال عرض جرائم دموية قام بها من قتل وذبح لموظفين حكوميين كان قد أسرهم، وعدد من العمليات الإرهابية التي نفذها كالهجوم على “الفقهاء” و”غدوة”، وهي العمليات التي تمت باستخدام سيارات دفع رباعي ومدافع مضادة وأسلحة آلية مختلفة، بالتأكيد تعكس القدرات اللوجيستية التي يمتلكها “داعش” في الجنوب الليبي.

أبو بكر البغدادي

وقد أعلن التنظيم في ليبيا مبايعته الخليفة الجديد لـ”داعش” أبا إبراهيم الهاشمي القرشي، خلال الإصدار الذي من الملاحظ أنه كان بتكليف من القيادة المركزية الجديدة لـ”داعش”، ما يقدم دليلاً إضافيًّا على موقع ليبيا وجنوب ليبيا لدى التنظيم الأم، وأنها الوجهة البديلة لدولة الخلافة المزعومة بعد سقوطها في سوريا والعراق. كما كان واضحًا حرص التنظيم على إبراز قوته، وأنه ليس مجموعة من الفلول المطاردة في صحراء الجنوب الغربي الليبي، بل هو كيان منظم حتى إنه تمكنه صناعة إصدار مرئي ارتبط عادة خروجه بهذه الصورة بعنصر القوة والاستقرار الذي يتوفر عليه التنظيم.

كما جاء بث هجماته على بعض مواقع الجيش الوطني الليبي، ليؤكد التنظيم أن هدفه مواصلة إستراتيجية التنظيم الأم في سوريا والعراق، بإسقاط المدن وضربها بسلاح الفوضى، ليؤكد التنظيم أيضًا أن معاركه ستبقى مفتوحة، وأنه لن يتوقف عند حدود ليبيا الجنوبية، وقد كشفت عملياته التي نظمها اعتماده بصفة أساسية على ما تمكن تسميته بتكتيكات الحرب الاستنزافية، التكتيكات التي تحدث حتى عنها زعيم “داعش” أبو بكر البغدادي في إصدار بثته مؤسسة الفرقان نهاية إبريل/نيسان من عام 2019، على نحو يتناغم مع تكتيك معروف لدى “داعش” باسم “إسقاط المدن مؤقتًا”، فيهاجم البلدات الليبية النائية في الجنوب ويسيطر عليها لبضع ساعات ثم ينسحب منها. كما استطاع التنظيم، إقامة شبكة من العلاقات داخل ليبيا تمكنه من نقل موقعه داخل هذا البلد عند الضرورة من منطقة إلى أخرى، وهي نفس الإستراتيجية التي اعتمدها التنظيم الأم في العراق، عندما أقام تحالفات مع بقايا نظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين[18].

من الإصدارات المرئية لتنظيم داعش بليبيا

إستراتيجية الجيش الوطني الليبي في مواجهة جماعات “داعش”

لفترة طويلة تتجاوز السنوات، كان الجنوب بعيدًا عن قوات الجيش الوطني الليبي، مع انشغاله بالمعارك مع التنظيمات الإرهابية في الشرق، ولاحًقا توجهاته إلى الغرب. وكذلك كانت حكومة العاصمة منشغلة بمناطق سيطرتها، لكن مع دخول الجيش الوطني تلك المناطق الجنوبية بداية عام 2019 ليؤمِّن ظهره قبل إطلاق “عملية تحرير طرابلس” في إبريل/نيسان 2019، بدا هناك قدر من التضييق على حركة التنظيم الإرهابي وإن كانت بحدود، مع الوضع في الاعتبار أن التنظيم حين لجأ إلى الجنوب كان يبحث عن ملاذ آمن ووجد ذلك.

وقد رسم الجيش الوطني الليبي إستراتيجية للتعامل مع تنظيم “داعش” في الجنوب، بحسب مدير إدارة التوجيه المعنوي بالجيش، اللواء خالد المحجوب[19]، تقوم على رصد تحرك عناصره. 

والواقع يقول إنه كان هناك انشغال فعلي بعملية تحرير طرابلس لدى الجيش الوطني الليبي، لكن الآن يعمل على تحقيق الأمن في سبها، ويتابع المهربين وخطوط التهريب، والعمل على تأمين الجنوب تمامًا. 

وكان من نتائج نجاح إستراتيجية الجيش الوطني هناك، اكتشاف هذه الخلايا الداعشية التي دخلت المدن والمناطق الآهلة بالسكان، وأيضًا أبرز ملامح نجاحها في قتل المهدي دنقو وأبي معاذ العراقي، قائدي التنظيم في الجنوب.

الخلاصة والنتائج

لقد عرف تنظيم “داعش” كيف يستفيد من الوضع الأمني الهش في ليبيا، والانقسامات والصراعات الدائرة في هذا البلد الواقع في شمال إفريقيا. ومهما كانت الضربات التي يتلقاها التنظيم فإنه إذا استمر الوضع الحالي في ليبيا، سيبقى تنظيم “سرايا الصحراء” مستمرًّا في الجنوب ولو بقوة محدودة، في وقت يأمل أن يتعاظم نفوذه مع أقرب فرصة. ومن ثمّ يمكن التوصل إلى مجموعة من النتائج لهذه الدراسة على النحو التالي:

من عمليات تنظيم داعش بليبيا

 في حالة التفاؤل التي تسود الأجواء في ليبيا حاليًّا إزاء إمكانية التوصل إلى حل سياسي للأزمة، من المتوقع أن يعاني التنظيم، وقد يدفع التوصل إلى تسوية ملموسة على الأرض لتوحيد جهود الليبيين في الشرق والغرب لمواجهة هذا التنظيم والقضاء عليه، واستعادة الدولة الوطنية الموحدة في الجنوب.

وفي ما يتعلق بمستقبل التنظيم في جنوب ليبيا، فإن غالبية الدراسات والتقارير والتصريحات بشأن قوته تشير إلى أنه حتى الآن ليس بالضعف الذي يجعلنا نحكم عليه بالانتهاء، وليس بالقوة التي تجعله قادرًا على توسيع نفوذه كما كان من قبل، وإن كان هذا لا يقلل من مركزية الجنوب الليبي لدى التنظيم الأكبر. وبالتالي فإن التوسع، إذا استمر الانقسام وتواصلت الفوضى، هو السيناريو الأقرب. وقد يلجأ التنظيم الإرهابي إلى التحالف مع بقايا المجموعات الإرهابية الأخرى. ورغم الخلافات التي وصلت إلى حد الصدام المسلح في بعض الأوقات بين “داعش” وفروع “القاعدة”، فإنهما تشاركا معًا في قتال الجيش الوطني الليبي في “بنغازي”، وبالتالي من الوارد أن يكون هناك ما يمكن وصفه بـ”تحالف ضرورة” بينهم.

يبقى الأمر الأخطر بالنسبة إلى تنظيم “داعش” في ليبيا، هو قدرة التنظيم في الجنوب على تصدير العناصر الإرهابية إلى الخارج، وفرار بعضهم إلى دول مجاورة، منها مصر وتونس والجزائر، حال استمرار الضغط عليهم في جنوب ليبيا، وبالتالي فإن خطرهم سيبقى، إذا وضع في الاعتبار أن عددًا من العمليات الإرهابية التي نُفذت أو خطط لها في تونس والجزائر، قام عليه إما عائدون من ليبيا، وإما على الأقل كانت ليبيا إحدى محطاتهم.

والنقطة السابقة تؤكد ضرورة أن يكون هناك “تحالف ضرورة” بين دول الجوار الليبي، لتوجيه ضربات عسكرية إلى مواقع “داعش” جنوب غرب ليبيا، مثلما أن الضربات المحتملة، كما أشرنا سابقًا، تفرض على “سرايا الصحراء” إقامة “تحالف ضرورة” مع غيره من التنظيمات الإرهابية التي تخالفه مثل “القاعدة”.

انتقال مركز التنظيم إلى خارج حدود ليبيا وارد جدًّا، إذا تصاعدت الضغوط عليه في جنوب ليبيا، فيمكن لهذه العناصر الانتقال إلى الصحراء الإفريقية وبعض مناطق الساحل الإفريقي التي تشهد نشاطًا ملحوظًا لتنظيم “بوكو حرام”، خصوصًا في تشاد والنيجر القريبتين.

المراجع والمصادر

[1] المجلس الأوروبي للشؤون الخارجية، خريطة الفصائل المسلحة في ليبيا، متوافر عبر الرابط التالي:

https://www.ecfr.eu/page/-/ECFR_Mapping_of_Libyas_factions.pdf

 

[2] دراسة أمنية لموقع ستراتفور الاستخباراتي الأمريكي، متوافر عبر الرابط التالي:

https://al-ain.com/article/africom-have-eliminated-isis-libya-strikes

 

[3]إميلي إستل،  معهد “أمريكان إنتربرايز”، خطر “داعش” في ليبيا لا ينتهي عند “سرت”، متوافر عبر الرابط التالي:

https://www.aei.org/foreign-and-defense-policy/africa/the-isis-threat-in-libya-doesnt-end-with-sirte/

[4] تقرير عمل البعثة الأممية في ليبيا خلال الفترة من 15 يناير إلى 5 مايو 2020.

[5]  اتصال هاتفي بين الباحث ومصدر أمني جنوب البلاد يتبع وزارة الداخلية بحكومة ليبيا المؤقتة شرق البلاد.

[6] اتصال هاتفي بين الباحث ومصدر بالجيش الوطني الليبي جنوب البلاد.

[7] الكشف عن حقائق جديدة حول تنظيم “داعش” في ليبيا، متوافر عبر الرابط التالي:

https://beta.alarabiya.net/ar/north-africa/2017/09/28/%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%B4%D9%81-%D8%B9%D9%86-%D8%AD%D9%82%D8%A7%D8%A6%D9%82-%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF%D8%A9-%D8%AD%D9%88%D9%84-%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85-%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4-%D9%81%D9%8A-%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A7

 

[8] المسماري يعلن رسميًّا مقتل أبي طلحة الليبي، والمهدي دنقو، والمصري عبد الله الدسوقي، متوافر عبر الرابط التالي:

https://www.libyanews.co/libya-news/85633.html

 

[9] مصدر المعلومات اتصال هاتفي بين الباحث وحامد رافع الخيالي رئيس المجلس البلدي لمدينة “سبها”.

[10] تقرير فريق خبراء الأمم المتحدة المعنيين بليبيا، ديسمبر/كانون الأول 2019.

[11] الكشف عن حقائق جديدة حول تنظيم “داعش” في ليبيا، مرجع سبق ذكره.

[12] تقرير لوكالة أنباء “فرانس برس”، 30 أغسطس/آب 2020، تحت عنوان: تنظيم داعش يعاود الظهور من جديد في الجنوب الليبي.

[13] اتصال هاتفي بين الباحث وقياديين سابقين في عملية “البنيان المرصوص” التابعة لحكومة طرابلس.

[14] مسؤول أممي يقدر عدد مقاتلي “داعش” في ليبيا ببضع مئات، متوافر عبر الرابط التالي:

http://alwasat.ly/news/libya/293402

 

[15]  اتصال هاتفي بين الباحث ومصدر بمركز إعلامي تابع للجيش الوطني الليبي في الجنوب.

[16] الكلية الحربية للجيش الأمريكي دراسة تحت عنوان: “صعود وسقوط داعش في ليبيا”، 8 يوليو/تموز 2020، متوافرة عبر الرابط التالي:

https://press.armywarcollege.edu/monographs/913/

[17] موقع قطريليكس القطري المعارض، نهاية المهدي دنقو.. مجدد الإرهاب القطري، متوافر عبر الرابط التالي:

https://qatarileaks.com/ar/video/9776?lang=ar

 

[18] الكلية الحربية للجيش الأمريكي، مرجع سبق ذكره

[19] اتصال عبر تطبيق “ماسينجر” بين الباحث واللواء خالد المحجوب مدير إدارة التوجيه المعنوي بالجيش الوطني الليبي.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

دراسة

محمد حسن عامر

صحفي مصري

رسوم

أحمد بيكا

رسوم

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram