"داعش" ليبيا

إرهاب الزاوية العمياء

لأول مرة منذ إعلان وقف إطلاق النار في ليبيا، تشهد البلاد مواجهات مسلحة، لكن ليس بين المتراصين على خط “سرت – الجفرة”، وإنما في مدينة “سبها” بالجنوب، حيث دارت اشتباكات بين الجيش الوطني وعناصر “داعش”، استمرت نحو ست ساعات.

واستهدف عناصر الجيش في ليل الاثنين الماضي 14 سبتمبر، خلية تضم 7 إرهابيين، بينهم 3 سعوديين ومصري وأسترالي وليبيان، في حي عبدالكافي بالمدينة، ما أسفر عن مقتلهم جميعًا، إضافةً إلى ضبط امرأتين بينهما مصرية، قيد التحقيق معهما حاليًّا، حسب بيان “شعبة الإعلام الحربي التابعة للجيش”.

“أسامة الوافي” المتحدث باسم المجلس البلدي لـ”سبها” يقول لـ”ذات مصر”، إنها المرة الأولى التي يعلن فيها الجيش عن عملية بهذا الحجم، حيث تتم عمليات عديدة لكن في سرية، بسبب الحساسيات القبلية، إذ إن الغطاء القبلي يمثل حماية للعناصر الإرهابية والإجرامية في الجنوب.

استهداف "الفقهاء"

وأشار “الوافي” إلى أن التنظيم يعلن عملياته بين حين وآخر، ويصمت عن أخرى؛ إلا أنها تحمل صبغته الواضحة، متذكرًا الهجمات التي تعرضت لها منطقة الفقهاء حيث دخل إليها عناصر التنظيم أكثر من مرة، واختطفوا مسنين وشبابًا، ثم قتلوهم، كما اقتحموا منطقة “غدوة” التي تتبع سبها، وتبعد عن المدينة نحو 60 كم بالتحديد، وارتكبوا عمليات خطف وذبح، لعل أشهرها واقعة تفجير أحد الإرهابيين نفسه قرب مركز شرطة المنطقة.

داعش ليبيا داخل منطقة الفقهاء

“الفقهاء” كانت مسرحًا لعمليات مروعة ارتكبها التنظيم، الذي نشر عبر وكالته “أعماق”، في نهاية ديسمبر 2019، مقطعًا لمذبحة بحق مدنيين، بينهم موظفون حكوميون، حيث جرى تكبيلهم في منطقة صحراوية قبل إطلاق النار على رءوسهم، كما نشر مقطعًا آخر لذبح مواطنين بطريقة وحشية.

أما “غدوة” فتعرضت لهجوم واسع في مايو 2019، بأكثر من 10 عربات مسلحة، حيث هاجموا الارتكازات والمواقع الأمنية، إضافة إلى منازل بعض المنتسبين للأجهزة الأمنية، ما أسفر عن مقتل مدنيين اثنين، كما اختطفوا 4 أشخاص آخرين، قتلوا بعد ذلك.

واستمرت الهجمات حتى أغسطس الجاري، حين اختطف التنظيم رجلًا مسنًّا، وبعدها بأسبوع هاجم ثلاثة من عناصر التنظيم المنطقة، لاختطاف أحد المواطنين، إلا أن الأمن بمعاونة الأهالي تصدوا لهم، ما أسفر عن مقتل الإرهابيين جميعًا.

وتمكّن أبناء القبائل في الفقهاء من مطاردة عناصر التنظيم المتورطة في عمليات الخطف بالمنطقة، حسب الوافي، الذي أشار إلى تصفيتهم بدعم الجيش، بينما استطاع أهالي غدوة السيطرة على إحدى المناطق الزراعية التي اختبأ فيها عناصر التنظيم.

في "الجبال السودة"

وبالحديث عن أماكن الاختباء، أوضح الوافي أن المنطقة الجنوبية بقعة شاسعة من الصحراء، تقع فيها مدن متناثرة أكبرها سبها، وبها العديد من القرى والأرياف التي تنشط الجماعات الإرهابية فيها، خصوصًا جبال الهروج أو “الجبال السودة” القريبة من مدينة الجفرة، وكذلك في الدوائر الزراعية جنوب شرق سبها، وتحديدًا على بعد من 60 إلى 70 كم من المدينة.

داعش يستهدف معسكرا في سبها

وأضاف الوافي أن المنطقة ينشط بها تهريب البشر، والهجرة غير شرعية، والخمور، والمخدرات، والوقود، والذهب، وهي بيئة مثالية لانتشار الجماعات المسلحة، حيث تسمح لهم بالحصول على ما يريدونه من التمويل.

ويعلم أهالي المنطقة -والحديث للوافي- أن “الأحداث تدل على ارتباط الجماعات الإرهابية بشخصيات نافذة في الغرب، تقدم لهم التمويل، وأيضًا أجهزة مخابرات أجنبية”.

من أكثر الهجمات دموية -وفقًا للوافي- ما شهده أحد معسكرات الجيش الليبي في 19 يناير 2019، حين قتل عدد من أفراده، بينهم عسكري جرى قتله حرقًا، وذُبح ولده، بينما تمت تصفية الباقين بإطلاق النار.

سقوط "أبي علي اليمني"

“ذات مصر” تواصلت مع الغرفة الأمنية المشتركة التابعة للجيش في الجنوب، بالتزامن مع العملية الأمنية التي شنتها على خلية سبها، حيث أفادت بأنه جرى استجواب إحدى المرأتين المقبوض عليهما خلال العملية، وقالت إن أحد القتلى هو أمير المجموعات الإرهابية في سبها، الملقب بـ”أبي علي اليمني”.

الجيش الليبي يواجه داعش في الجنوب

ولعل ما يستوقف المتابعين في العملية الأخيرة أن معظم القتلى من غير الليبيين، وتشير الغرفة إلى انضمام العديد من الأجانب إلى صفوف التنظيم الناشطين في الجنوب، لكن الدعم الأبرز الذي يلقاه “داعش” يأتي من عناصر قوات المعارضة التشادية التي تنشط على طول الحدود، وتتورط في أعمال التهريب والاتجار بالمخدرات والأسلحة.

وما يؤكد هذا حديث الرئيس التشادي “إدريس ديبي”، لإذاعة “فرانس 24” في أغسطس الماضي، حين قال إن بلاده تواجه جماعات متمردة تستخدم جنوب ليبيا كقاعدة خلفية لأنشطتها، موضحًا أن هؤلاء “يقاتلون في صفوف الميليشيات المتطرفة في مصراتة والجنوب ضد الجيش الليبي”.

وبالعودة إلى الحديث عن هجوم يناير الدموي، فقد رصدت الغرفة الأمنية نشاطًا لصفحات على موقع “فيسبوك” لمؤيدين لحكومة الوفاق حذروا الأهالي من الاقتراب من معسكر الجيش قبل ساعات من هجوم “داعش” عليه، ما يضع المزيد من علامات الاستفهام الكثيرة حول العلاقة بين المجموعات المسلحة في الغرب وتنظيم “داعش”.

وسبق أن أكد الناطق باسم القوات المسلحة الليبية اللواء “أحمد المسماري”، في تصريح صحفي، رصد تحركات عدة لتنظيم “داعش” في المنطقة الجنوبية، وتحديدًا في منطقة “أم الأرانب”، بدعم “سرايا من المرتزقة التابعين للتشاديين”، وأشار “المسماري” إلى مشاركة عناصر من “داعش” في إسقاط مدن صرمان وصبراتة.

أحمد المسماري المتحدث باسم الجيش الليبي

في حين أكد وزير الخارجية “سامح شكري”، في كلمته أمام مجلس الأمن الدولة بجلسة حول ليبيا، أنه جرى رصد رفع رايات التنظيم في صبراتة، وذلك في 8 يوليو الماضي.

وقدر مساعد الأمين العام للأمم المتّحدة لشئون مكافحة الإرهاب “فلاديمير فورونكوف”، في إحاطة أمام مجلس الأمن الدولي نهاية أغسطس الماضي، عدد مقاتلي داعش في ليبيا بـ”بضع مئات، إلا أن التنظيم لا يزال يحتفظ بالقدرة على تهديد المنطقة بأسرها”، ليربط بين العناصر الموجودين في ليبيا والآخرين المتمركزين غرب إفريقيا.

انزعاج فرنسي

هذا الربط بين عناصر التنظيم من الجنوب الليبي إلى الغرب الإفريقي يقض مضاجع الفرنسيين، حيث يخوضون منذ ست سنوات عملية عسكرية ضد “داعش” في مالي تحت اسم “برخان”.

النشاط الواسع للتنظيم في دول الساحل الإفريقي، والذي تبنى هجمات عدة في النيجر ومالي وتشاد وغيرها خلال الشهور القليلة الماضية، جعل باريس أكثر حدة في التعامل مع الدور التركي في الأزمة الليبية، لنقلها عناصر متطرفة كانوا على علاقة أو ضمن التنظيم المنهار في سوريا والعراق.

نشاط لداعش في الساحل الأفريقي- صورة من منبر التنظيم الإعلامي

لذا يسعى الجيش الفرنسي إلى قطع خط الإمداد من الجنوب الليبي إلى مالي، إضافة إلى تأمين قاعدته الجوية “ماداما” شمال النيجر، التي لا تبعد كثيرًا عن المناطق الليبية التي ينشط فيها “داعش”.

اتهامات لتركيا

يرى المحلل السياسي الليبي “محمد الزبيدي” دلالة على وجود “تورط تركي” في دعم نشاط التنظيم من خلال العدد الكبير للأجانب المنضمين له، وخصوصًا في عملية الجيش الأخيرة، كاشفًا عن العثور على جثامين 11 أجنبيًّا تحت ركام المبنى الذي احتمت به الخلية.

ولفت “الزبيدي” في تصريح لـ”ذات مصر” إلى أن هؤلاء من بين من جلبتهم أنقرة من عناصر كانوا في سوريا والعراق، وجرى تجميعهم في مدينة غازي عنتاب قبل نقلهم إلى ليبيا، وتسربوا إلى الجنوب.

المحلل السياسي الليبي محمد الزبيدي

وأكد المحلل السياسي أن استهداف الجنوب يأتي لأنه بمساحة شاسعة، تضم جبالًا وأودية يصعب الوصول إليها، في حين لا يسكن به إلا عددٌ قليل في قرى متناثرة غير ومترابطة.

وأشار إلى أن تلك الخلية ما هي إلا واحدة من عشرات الخلايا تسعى إلى تشكيل دولة للتنظيم في الجنوب، مردفًا أنه “يشرف عليهم شخص جزائري (لا يمكنني الإفصاح عن اسمه) في طرابلس يشتري السلاح من ميليشيات تابعة لحكومة الوفاق”.

ولمح إلى ارتباط الجماعات الإرهابية في الجنوب مع أخرى تنشط في منطقة النيجر، إضافة إلى ما يعرف بـ”الدولة الإسلامية في المغرب الإسلامي”، ما يشكل تهديدًا لأمن المنطقة بأسرها.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

السيد نجم

صحفي مصري

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم

Start typing and press Enter to search