داعش موزمبيق

إرهاب على هامش الفساد والانشغال بكورونا

خلال أشهر قليلة، تزايدت وتيرة عمليات تنظيم “داعش” في شمال موزمبيق على نحو لافت، وكانت محصلة هذه الهجمات نجاح مسلحيه في السيطرة على ميناء “موسيمبو دا برايا” الإستراتيجي، إضافة إلى عدد آخر من البلدان في الأسابيع الماضية.

وتمكن مسلحو داعش من الدخول إلى الميناء بعد معارك امتدت لأسبوع، استخدم فيها التنظيم تكتيك استنزاف قوات الأمن الموزمبيقية ونظيرتها التنزانية التي تقدم الدعم العسكري لصالح القوات الحكومية في القتال الدائر على الساحل الشمالي للبلاد.

واحتل التنظيم واجهة الأحداث بسبب إظهاره مقدرة عالية على التكيف مع البيئة العملياتية، والصمود في مواجهة الهجمات المضادة التي تقوم بها أجهزة الأمن وحلفاؤها.

موقع موزمبيق على خريطة أفريقيا
خلفيات الصراع الموزمبيقي

تصاعد منحنى هجمات جماعة “أنصار السنة”، المعروفة محليًّا بـ”الشباب”، منذ أواخر 2017، وهي الفترة التي يرجح توصل داعش خلالها مع قيادات من الحركة المحلية. غير أن مبايعة الحركة لداعش لم تتم إلا في عام 2018، وذلك استنادًا إلى صور بثها مسلحو التنظيم عبر قنواتهم على تطبيق تليجرام للتواصل الاجتماعي.

وبرز الفرع الموزمبيقي لداعش في إبريل/نيسان عام 2019، عندما قرر التنظيم التحول إلى نمط الحرب الاستنزافية، في إطار سعيه لجرّ أعدائه، وعلى رأسهم التحالف الدولي (82 دولة حاليًّا) وشغله بمعارك فرعية عن المعركة الرئيسة في ساحتي سوريا والعراق.

ويندرج الفرع الموزمبيقي ضمن ما يُعرف بـ”ولاية وسط إفريقيا” التي تدار بواسطة “إدارة الولايات البعيدة” داخل داعش. وتضم الولاية أيضًا الفرغ الكونجولي لداعش والذي نشط بصورة أكبر منذ عام 2019، ويضم الأول مقاتلين أفارقة من الشمال والجنوب، إضافة إلى عدد غير معلوم من المقاتلين الأجانب، الذين ترجح “صوفان جروب” الاستخبارية الأمريكية انضمام بعضهم من الشرق الأوسط إلى “ولاية وسط إفريقيا”، وتقدر مصادر مختلفة عدد مقاتليه بنحو 1500.

تأثير العمليات الإرهابية في موزمبيق

ومن الملاحظ أن داعش يسعى لاستغلال النزاعات العرقية والصراعات الطائفية في الدولة الإفريقية، خاصة مع تنامي غضب الطائفة المسلمة في البلاد من انتهاكات قوات الأمن، والاحتقان المترسخ في أذهان أفرادها من الممارسات العنصرية ضدهم، بجانب ارتفاع نسب البطالة وانتشار الفساد في القطاع الحكومي.

استمرار المواجهات أبرز سمات الوضع حاليًّا

استثمر تنظيم داعش حالة الزخم التي خلقها مقاتلوه على مدار الأسابيع الماضية، وبث صورًا ومقاطع فيديو لهم في داخل ميناء موسيمبو الموزمبيقي، ومحيط مدينة موسيمبو دا برايا عمومًا، كما أبرزت أسبوعية “النبأ” تفاصيل المعارك الدائرة هناك، في حين ارتفعت معنويات مقاتلي ومناصري داعش على مواقع التواصل الاجتماعي، وانضمت إليه عشرات من القرويين الناقمين على أداء الحكومة وممارسات أجهزة الأمن.

ولا يزال عناصر التنظيم يسيطرون على الميناء والعديد من القرى المحيطة، إضافة إلى إحكامهم السيطرة على الطرق المؤدية إليه، وهو ما يصعّب أي جهود عسكرية لاستعادة السيطرة على المنطقة.

يبدو من متابعة العمليات العسكرية الأخيرة، الضعف الواضح لأجهزة الأمن الموزمبيقية ونظيراتها التنزانية التي عاونتها في معارك الميناء، فضلاً عن إحجام دولة جنوب إفريقيا عن الانخراط في الصراع الدائر بالقرب منها، رغم تهديد “داعش” لها مباشرة عبر صحيفة النبأ وتوعدها بهجمات دامية.

عناصر داعش في موزمبيق

ووفقًا لتقرير سابق أصدرته صوفان جروب شن عناصر التنظيم هجمات على طول الساحل الموزمبيقي والجزر الموجودة به، مستخدمين زوارق صغيرة، منذ سيطرتهم على الميناء.

وتسهم العوامل السابقة في احتفاظ التنظيم بالمناطق التي سيطر عليها، رغم وجود تقديرات سابقة بعدم قدرته على ذلك، وأنه سيفقد السيطرة عليها خلال أسبوع واحد، وهو ما لم يحدث حتى الآن.

أزمة مواجهة الإرهاب في موزمبيق

حتى الآن، لم يعلن التحالف الدولي لمحاربة داعش، المعروف باسم عملية العزم الصلب، أي هجمات ضد داعش في موزمبيق، رغم النشاط الواضح له طوال عام 2020، كما لم تعلن دول الاتحاد الإفريقي رسميًّا نيتها التدخل في البلاد، لدعم الحكومة التي تواجه تهديدات أمنية عالية المخاطر.

ولعل حالة العزوف عن مواجهة الإرهاب في الشمال الموزمبيقي ترجع إلى عدة أسباب، أهمها:

السجل السيئ للحكومة في ملف حقوق الإنسان، وانتهاكات قوات الأمن هناك ضد المدنيين المسلمين خلال الفترات الماضية، وكان آخرها إعدام امرأة بطريقة وحشية في إحدى القرى القريبة من مُخيمبو دا برايا، بتهمة الانتماء إلى “حركة الشباب المحلية”.

وبث نشطاء مقطع الإعدام الذي ظهرت فيه امرأة عارية تمامًا، ويعتدي عليها الجنود بالضرب، ثم يطلقون النيران عليها وهم يصيحون: “إنها من حركة الشباب”، وهو ما لاقى استنكار مؤسسات حقوقية عديدة في البلاد.

عنصر أمني يزيل شعار داعش

وأسهم الانشغال العالمي بمواجهة جائحة كورونا في الحد من الاهتمام بظاهرة الإرهاب المتنامي في الجنوب الإفريقي، خاصة أن التنظيم هناك ينشغل بالقتال الداخلي، ولم يسعَ لشن هجمات ضد المصالح الغربية، بما فيها شركات التنقيب عن النفط والغاز هناك، كشركة توتال الفرنسية، وإكسون موبيل الأمريكية، وإيني الإيطالية.

ومن غير المتوقع أن يُحيِّد داعش الشركات الأجنبية عن الصراع، أو يسعى لإخراجها من دائرة الاستهداف، خاصةً أنه يعتبرها واجهة “صليبية” لاستنزاف ثروات البلاد، على حد تعبيره.

على صعيد الدعم المقدم لحكومة موزمبيق، تتقدم شركة فاجنر الأمنية الروسية صفوف هذا الجانب، خاصةً مع توسع الوجود العسكري الروسي في إفريقيا، لكنها منيت بخسائر جسيمة في الأرواح والعتاد خلال المعارك السابقة، ما دفعها لاتخاذ خطوة إلى الخلف وإعادة تقييم المخاطر الأمنية في البلاد، في حين تتوقع جهات أمريكية أن تشكل الشركة الروسية أحد أرقام المعادلة المعقدة في موزمبيق.

وحتى الآن، لا يمكن التنبؤ بمدى التأثير الذي يمكن أن تحدثه شركة فاجنر في الواقع العملياتي هناك، لكن من الواضح أن الحل الأمني وحده لن يكون كافيًا لإعادة الأمور إلى ما كانت عليه، إذا وضعنا في الاعتبار تصاعد وتيرة العمليات الإرهابية وتنامي دعم الحاضنة الشعبية للمسلحين، فضلاً عن الدور الذي تقوم به الأفرع الداعشية المختلفة في دعم “ولاية وسط إفريقيا” التي يفترض بها أن تكون خنجرًا في خاصرة فرنسا والدول الغربية التي تنشط على الساحة الإفريقية.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

أحمد سلطان

صحفي مصري

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم

Start typing and press Enter to search