سياسة

داعش يتمدد محليًا.. الولايات المتحدة تواجه إرهابًا “صنع في أمريكا”

أوائل مارس/ آذار الجاري، أعلن البيت الأبيض الاستراتيجية المؤقتة للأمن القومي الأمريكي، بعد أقل من شهرين من وصول الرئيس “جو بايدن” إلى سدة الحكم في الولايات المتحدة، لتحل محل الاستراتيجية التي صاغها سلفه دونالد ترامب والمعروفة بـ”أمريكا أولًا”.

تضمنت الاستراتيجية المؤقتة الأولويات الأمنية من منظور أمريكي، مركزةً على الصراع مع الدول العظمى التي تنافس الولايات المتحدة وفي مقدمتها الصين، وبالتالي تراجع التركيز على مكافحة الإرهاب، بعد أن كانت  أمريكا هي قائدة الحملة الدولية لمحاربة التنظيمات الإرهابية منذ هجمات 11 سبتمبر/ أيلول 2001.

وفي الوقت الذي تراجع فيه تقييم التهديدات الإرهابية العالمية كالقاعدة” و”داعش”، ظلت مشكلة الجهاديين المحليين أزمة كبرى تواجه الولايات المتحدة، فخلال الفترة الحالية يواصل مكتب التحقيقات الفيدرالي التحقيق في نحو 1000 قضية متعلقة بالإرهاب في عموم الولايات الأمريكية الخمسين، وذلك وفقًا لموقع “thecrimereport” التابع لكلية جون جاي للعدالة الجنائية في نيويورك الأمريكية.

أنصار داعش

تمدد الإرهاب المحلي

أخذ النشاط الإرهابي في الولايات المتحدة طابعًا أكثر محلية على عكس الدول الأوروبية التي سافر الآلاف من مواطنيها إلى سوريا والعراق وغيرهما من الدول المشتعلة منذ عام 2014.

ويقول شيموس هيوز، نائب مدير برنامج مكافحة التطرف في جامعة جورج واشنطن، ومؤلف كتاب “داعش في أمريكا.. النمو المحلي“، إن هناك 224 أمريكيا انخرطوا في أنشطة إرهابية لصالح تنظيم داعش منذ 2014، وهو نفس العام الذي أعلن التنظيم فيه إقامة خلافة مكانية من داخل مدينة الموصل العراقية.

وخلافًا للدول الأوروبية الذي كان تمدد داعش فيها معتمدًا على شبكات جهادية متداخلة ومرتبطة بمسؤولي العمليات في تنظيم داعش، نما التهديد الإرهابي في أمريكا بصورة محلية دون أن يكون للجهاديين المحليين ارتباط مباشر بأمراء أو قادة داعش في داخل سوريا والعراق.

ووفقًا للتحليل الإحصائي الذي تضمنه كتاب “داعش في أمريكا” والصادر في منتصف ديسمبر/ كانون الأول 2020، فإن جل الإرهابيين الذين تورطوا في مؤامرات لتنفيذ هجمات داخل الولايات المتحدة هم المواطنين الأمريكيين وليسوا من المهاجرين أو الحاصلين على إقامات داخل البلاد، وبلغ متوسط أعمارهم 28 عامًا، ولم يشذ عن تلك القاعدة سوى استثناءات محدودة.

ويبدو أن نمو الإرهاب المحلي في الولايات المتحدة مرتبط بـالانتكاسات التي تعرض لها تنظيم داعش في سوريا والعراق وخسارته المتوالية لمعاقل سيطرته، وهو ما حدا بأبي محمد العدناني، المتحدث باسم التنظيم، لدعوة الجهاديين الأمريكيين والغربيين للمكوث في داخل أوطانهم وشن الهجمات بأي طريقة ممكنة، وذلك في كلمته الصوتية التي بثتها مؤسسة الفرقان الإعلامية الداعشية في مايو/ آيار 2016.

ومع خسارته لما تبقى من الأراضي التي سيطر عليها، أكد التنظيم أن “الجهاد المحلي” هو المستقبل الذي ينبغي أن يركز عليه أنصاره ومؤيدوه في أنحاء العالم، وظهر ذلك في العديد من الإصدارات الإعلامية التي نشرتها مؤسسات تابعة لداعش منها إصدار “وحرض المؤمنين” الذي بثته مؤسسة الحياة الإعلامية المعنية بنشر مقاطع دعائية باللغات الأجنبية في يوليو/ تموز الماضي.

وفي ذات السياق، تُشير بيانات مكتب التحقيقات الفيدرالي إلى أن أعداد المواطنين الأمريكيين الراغبين في الالتحاق بتنظيم داعش والسفر إلى بؤر الصراع في الشرق الأوسط انخفض بشكل ملحوظ منذ انهيار خلافة التنظيم المكانية في مارس/ آذار 2019، بعد خسارته لآخر معاقله في قرية الباغوز السورية، في حين ارتفعت أعداد الأمريكيين الذين اعتنقوا الأفكار الداعشية عبر الإنترنت وسعوا لتنفيذ هجمات إرهابية داخل أكثر من ولاية أمريكية دون وجود تنسيق مسبق مع تنظيم داعش.

تنظيم داعش وأسراه

الدعاية وسيلة “داعش” لعبور الحدود الجغرافية

وحسب مكتب التحقيقات الفيدرالي، فإن غالبية الذين انخرطوا في التخطيط لتنفيذ هجمات إرهابية جندوا عبر التعرض للدعاية التي ينشرها تنظيم داعش ومؤيدوه عبر مواقع التواصل الاجتماعي وعبر مواقع الإنترنت المختلفة.

وتواصل سلسلة حسابات/ صفحات/ قنوات دعائية على تطبيقات التواصل الاجتماعي بث الدعاية الجهادية ودعوة أنصار داعش لشن هجمات داخل البلدان التي يقيمون فيها لتخفيف الضغط على معاقل التنظيم في سوريا والعراق وغرب ووسط إفريقيا وغيرها.

وتدار تلك الحسابات في الغالب بواسطة عناصر مرتبطة بالتنظيم أو مناصرة له، ويقيم عناصر العمليات الإعلامية في أكثر من دولة أوروبية وعربية منها لبنان والسويد والمملكة المتحدة، وذلك وفقًا لدراسة سابقة نشرها مركز مكافحة الإرهاب في أكاديمية ويست بوينت العسكرية الأمريكية.

وتمكن داعش وأنصاره من التكيف مع الجهود المبذولة في مكافحة التطرف عبر الإنترنت، وكسر القيود التي تفرضها المنصات الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي وواصلوا نشر المحتوى الخاص بهم عبر أكثر من طريقة، وبأكثر من وسيط إعلامي.

عناصر لتنظيم داعش

مواجهة مثيرة للجدل

ورغم تنامي التهديد الإرهابي الذي يُشكله الجهاديون المحليون والمخاوف من عودة نظرائهم الذين قاتلوا بالفعل ضمن صفوف داعش في الشرق الأوسط، فإن الاستراتيجية الأمريكية والتكتيكات التي تتبعها أجهزة الأمن الأمريكية لا تزال مثيرةً للجدل.

وحسب خبراء أمريكيين في مكافحة الإرهاب فإن مكتب التحقيقات الفيدرالي يعتمد على وسيلة زرع العملاء داخل الخلايا الإرهابية في الولايات المتحدة وتصيد الإرهابيين قبل أن يشرعوا في تنفيذ هجماتهم الإرهابية.

ويذكر موقع “thecrimereport” أن حوالي 60% من الإرهابيين المحليين الذين ضُبطوا في الولايات المتحدة خلال السنوات الماضية جرى الإيقاع بهم بنفس الطريقة السابقة.

وعلى صعيد الاستراتيجية، أكد عدد من الخبراء المنتمين لمجتمع الاستخبارات ومكافحة الإرهاب في الولايات المتحدة ضرورة استمرار الولايات المتحدة في تنفيذ مهام مكافحة الإرهاب وألا تسارع بإعلان نصرها في هذه الحرب الطويلة.

 وأوضح “كريستوفر كوستا” مدير مكافحة الإرهاب بمجلس الأمن القومي الأمريكي سابقًا أن التهديدات الإرهابية تواصل التطور وأن الانشغال الأمريكي بالصراع الجيوسياسي مع القوى العظمى قد يفاقم الخطر الذي تُشكله الحركات الجهادية، مضيفًا أنه يجب التركيز على تعزيز الشراكات الدولية في مجال مكافحة التطرف بجانب العمل على جمع المعلومات الاستخبارية الهامة وتوظيفها لتقويض الشبكات الإرهابية الفاعلة لا سيما في مناطق سوريا والعراق التي تشهد نشاطًا متزايدًا لتنظيم داعش.

وأوضح “كوستا” خلال مشاركته في منتدى حواري عقده معهد واشنطن لدارسات الشرق الأوسط، خلال الأسبوع الماضي، أن الولايات المتحدة فشلت في علاج “جوهر المظالم” التي تغذي الإرهاب المحلي في البلاد، ولم تتعامل معه بالصورة المطلوبة وبالتالي تفاقم خطره، كما صعدت على الساحة تهديدات أخرى متعلقة باليمن المتطرف الذي برز بشكل لافت مطلع العام الجاري بعد حادثة اقتحام الكابيتول الأمريكي.

وأكدت “كاترينا موليغان”، نائبة رئيس مركز التقدم الأمريكي لشؤون الأمن القومي والسياسة الدولية أن المتغيرات الحالية تفرض على الولايات المتحدة إعادة النظر في مكافحة الإرهاب خصوصًا مع التركيز غير المتناسب لمجتمع الاستخبارات الأمريكي على مسائل إدارة المخاطر الإرهابية عبر التحذير والمؤشرات الاستخبارية الخاصة، مبينةً أنه يجب على إدارة الرئيس بايدن أن تعزز قدرات الولايات المتحدة الحالية لدعم استراتيجية متوازنة في مكافحة الإرهاب والحد من التهديد الذي يُشكله الإرهابيون المحليون.

هيثم محمد

صحفي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى