وجهات نظر

دراما “تيك أواي”

محمد السيد الطناوي

أن تتحول المسلسلات الرمضانية إلى مادة للسخرية على مواقع التواصل الاجتماعي فهو أمر مستحق، لأن غالبية صناع تلك الأعمال تعاملوا معها على أنها مواد لتلبية حاجة مؤقتة وعابرة لدى المشاهد في الشهر الكريم. أغلب الأعمال الدرامية حاليًا -باستثناءات لا حكم لها- بعيدة عن سمعة كانت للـ دراما المصرية. أما المسؤول عن رواج أعمال بهذا المستوى، فهو ضعف قدرة الكثيرين على التفرقة بين مفهومي المتعة و”ملء أوقات الفراغ”.

المفهوم الأول، أي المتعة، هو “وسيلة ملكية للخلاص”، للانعتاق من الحياة اليومية وهمومها. أما المفهوم الثاني، فهو تعبير عن التسلية والإلهاء، لا يتحرر الفرد به من هموم العمل، على العكس، يفقد القدرة على تصور إمكانية وجود عالم لا يخضع لنمط العمل المحدود، وتنتفي أي فرصة للتفكير والتجريب في حرية دون توقعات لازمة الحدوث.

المتعة هي وسيلة ملكية للخلاص، للانعتاق من الحياة اليومية وهمومها

مع هذا فقد يرتبط “ملء أوقات الفراغ” بالمتعة أيضًا، لكنها تأتي على هيئة وعد ليس ثمة فرصة للإيفاء به بصورة حقيقة، حيث يتصل المفهوم في الدراما مثلا بالإكليشيهات والابتذال والمشاهد المفككة والأداء الفني الضعيف، ليتسلط “الكيتش”، بما هو “نسيج ثابت يعيد ويكرر ذاته”، فتنطوي الأعمال الفنية تحت جناح النمطية والتكرار، ويُقبل عليها الكثيرون بعدما أعفتهم من بذل أي جهد للتعاطي معها؛ لنمطيتها التي تفيد أنه تم هضمها سابقًا.

اقرأ أيضًا: احتفاؤنا المصطنع بـ”رمضان”.. عن الاستهلاك وأشياء أخرى

لا تمنح هذه النوعية من الأعمال لمن يشاهدها، إلا متعة تافهة مقرونة بشعور غامض بالذنب، راجع إلى إحساسنا بأنه كان يمكن أن نستمتع بصورة أفضل. ليس ذلك فحسب، فهذه الأعمال، كما يذهب تيودور أدورنو، تسلب حريتنا مرتين، تحرمنا من حرية جمالية يفترض أن يمنحها العمل الفني، وتقطع الطريق، بمبالغاتها وانصرافها عن الاشتباك مع المشكلات المجتمعية، على حرية اجتماعية حقيقية.

ولا يقف ضرر مثل هذه الأعمال عند تلك العتبة، فالفن الرديء يعرقل قدرتنا على التصرف بعفوية وتلقائية، ويعزز نمطًا من التفكير يحد من قابليتنا على ممارسته في حرية، حينما يتنكر هذ النمط لحقنا في تجريب مساحات جديدة تفرز نوعًا من المتعة الحرة، يمكن أن يهبها العمل الدرامي عبر الإتقان والفنية العالية لنعيش العمل وندركه كموضوع موحد، لا كمجموعة من المشاهد المتقطعة، التي نعيها كلحظات منفصلة.

لهذا السبب لا يخفف الفن الرديء بمنحه متعة زائفة، من ضغوط متزايدة بفعل العمل اليومي، لنتعرض من غير أن ندري إلى أذى عميق وخسارة فادحة، فهذا النوع من الفن يشبه في طبيعته بيئة العمل بقيودها وروتينها ومحدوديتها، وإن أنجز المهمة المنشودة في “الفصلان” أو التفريغ، لكن في مقابل إشباعه الحاجة المؤقتة في المتعة، يشتت طاقة كان يمكن صرفها لإحداث تغيير في أسلوب حياتنا.

الفن الرديء ليس أكثر من أداة لتطويع أفراد المجتمع حتى ينتظموا داخل النسق الاجتماعي، وبذلك يفقد الفن وظيفة رئيسية له، هي التغيير

مع ذلك، فالمسؤولية الأولى عن أي أذى، تقع على عاتقنا؛ فنحن على دراية بمدى رداءة العمل الفني، لكن هذا لا يمنعنا مشاهدته، فهو كما قد يبدو لكثيرين، الملجأ الوحيد والوسيلة الأسهل -بما يتيحه من متعة لا تتطلب انتباهًا أو وقتًا- للتخفف من ضغوط حياتية متزايدة، لا تترك غير وقت فراغ محدود للغاية، ربما من غير المتاح أن نملأه سوى بمتعة سريعة، على خلاف الفن الراقي. والمنطق السائد هنا هو منطق السلعة أو “التيك أواي” ليدخل الفن ضمن الدورة البيولوجية لحياة الفرد.

لا يذهب هذا النوع من الفن بذلك أبعد من كونه أداة لتطويع أفراد المجتمع حتى ينتظموا داخل النسق الاجتماعي، وبذلك يمسي الفن مفردة من مفردات الواقع القائم، ويفقد وظيفة رئيسية له، هي التغيير أو الثورة التي استمدها من قدرته على خلق عالم مواز أكثر رحابة من الواقع المحدود، ويفضي ذلك في النهاية إلى “نزع الفن عن الفن”، أو نزع الدراما عن الدراما وجعلها مادة للسخرية والاستهزاء.

محمد السيد الطناوي

كاتب مصري Mohamed.altanawy1@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى