دروز في مواجهة التجنيد

السجن أحب إلينا من جيش العدو

“أنا من طائفة ظُلمت بقانون ظالم، فكيف يمكن أن نحارب أقرباءنا في فلسطين وسوريا والأردن ولبنان؟ كيف يمكن أن أحمل السلاح ضد إخوتي وأبناء شعبي في فلسطين؟ كيف يمكن أن أكون جنديًّا يعمل على حاجز قلنديا أو أي حاجز احتلالي آخر وأنا مَن جرب ظلم الحواجز؟ كيف أمنع ابن رام الله من زيارة القدس؟ كيف أحرس جدار الفصل العنصري؟ كيف أكون سجّانًا لأبناء شعبي وأنا أعرف أن غالبية المسجونين هم أسرى وطلاب حق وحرية؟”.

هذه كلماتٌ من رسالة كتبها الشاب الدرزي “عمر سعد” (24 عامًا) من قرية المغار الجليلية الفلسطينية، وأرسلها إلى وزير الدفاع، ورئيس الحكومة الإسرائيلية رافضًا المثول للتجنيد الإجباري المفروض على الطائفة الدرزية، وهو يعلمُ أن آخر مطاف هذه الكلمات وتعبيره عن رأيه الحر سيكون السجن.

في دراسة أجراها المحامي والنائب السابق في الكنيست الإسرائيلي “سعيد نفاع”، تحت عنوان “العمل العربي الوطني بين الدروز في المزاودة والمتاجرة والواقعية الميدانية”، أوضح فيها نجاح مؤامرة فصل الدروز بعد النكبة عن باقي الفلسطينيين، إذ كان عددُهم لا يتعدى حينها 14,000 فرد، وخلال سنوات قليلة استطاعت الحركة الصهيونية فصل الدروز، وأوجُ هذا الفصل كان بإخراجهم من دائرة الإعفاء من الخدمة العسكرية الإلزامية، وبدء تجنيد شبابهم بقوة القانون ابتداءً من عام 1956. ومنذ ذلك الحين قامت المؤسسة الصهيونية بتغيير تعريف الدروز ليصبحوا أقلية، وتستبدل مفردة “عربي فلسطيني” بـ”درزي”.

الانشقاقات في الشيعة وكيفية ظهور الدرزية
من رافض للتجنيد إلى عازف للحرية والسلام

عبّر “عمر” عن رفضه الخدمةَ الإجبارية وهو يعزف على آلته الموسيقية “الفيولا” مقطوعة موسيقية مع إخوته في فرقة “رباعي الجليل” أمام مكاتب التجنيد في طبرية، قبل أن يُسلم نفسه في ذات اليوم 4 ديسمبر 2013، وبعد خروجه من السجن في شهر أكتوبر 2014 نتيجة تدهور حالته الصحية، سافر إلى إيطاليا، وحصل على لقبه الأول في دراسة الموسيقى عام 2017، ثم توجه إلى أسكتلندا ليحصل على درجة الماجستير عام 2019، ثم عاد بعدها إلى فلسطين.

عاد إلى فلسطين، لأنه مؤمن بمسئوليته تجاه الأجيال القادمة، وأن أفضل وسائل المقاومة هي التعليم، والثقافة، والفن، والموسيقى. ورفضه التجنيدَ كان مربوطًا بالموسيقى، وآلته الموسيقية “الفيولا”، فتم منعه من ممارستها طيلة فترة السجن.

يقول “عمر”: “أنا عن طريق الموسيقى بوصل رسالة وطني فلسطين، ولا أحصر نفسي بأبناء طائفتي الدرزية. الموسيقى بتوجه رسالة عكسية لرسالة الاحتلال الإسرائيلي التي تُظهرنا كشعب جاهل، وبعزفي على أهم المسارح العالمية أنا وإخواني غاندي ومصطفى اللذين أيضًا رفضا التجنيد الإجباري، وأختي طيبة في فرقتنا (رباعي الجليل)، سنجعل العالم يفهم أننا شعب مثقف وله حضارة، الموسيقى تمثل شعبًا كاملًا وليس طائفة واحدة، وهي أداة مقاومتنا ودعوتنا للحرية والسلام”.

عمر هو وإخوته في فرقة "رباعي الجليل"

وبحسب المعلومات التي عرضها “فِرو” في كتابه “دروز في زمن الغفلة.. من المحراث الفلسطيني إلى البندقية الإسرائيلية”، فإن معظم المطلوبين للخدمة العسكرية الإجبارية، رفضوا تسلم أوامر التجنيد، حيث إن 28% فقط من المطلوبين للخدمة الإجبارية حينها وافقوا على ذلك، ورفض 291 شابًّا من أصل 374 تسلم هذه الأوامر. وعلى إثر هذه المعارضة، تقرر التعامل مع المعارضين بيدٍ من حديد؛ فاعتُقل العديد من الرافضين، وفُتحت ملفات جنائية ضدهم.

أول شاب درزي يرفض التجنيد

في طريق موازٍ لرفض “عمر” للتجنيد الإجباري، رفض الشاب “سميح القاسم” (22 عامًا وقتها) ابن قرية الرامة في الجليل الأعلى الفلسطيني التجنيد في الجيش‮،‮ ففي يوليو من عام وأرسل رسالة من صفحتين مكتوبة بخط اليد مرسلة إلى رئيس دولة إسرائيل “يتسحاق بن تسيفي” بتاريخ 52 يوليو 0691، وفيها يطلب إعفاءه من التجنيد داخل الجيش الإسرائيلي.

ويشير إلى أن زعماء الطائفة الذين طالبوا بالالتحاق بالخدمة العسكرية لا يمثلونه، وأنه مستعد لخدمة السلام فقط، ‬ويُهدد بأنه في حال حبسه سيعلن الإضراب عن الطعام.

رسائل سميح القاسم إلى وزارة الدفاع الإسرائيلية وردها باللغة العبرية

كان “القاسم” أول درزي يفعل هذا، وعُرف أيضًا بشاعر العروبة والمقاومة، ‮وأسس عام 8691 حركة “الشباب الدروز الأحرار”. فيما بعد، كان متأكدًا أن أبناءه سيكررون الفعل نفسه، وسيرفضون التجنيد في الجيش الإسرائيلي‮، ‬فكان هذا متسقًا مع إيمان “القاسم” المتواصل بالقومية العربية حتى وافته المنية عام 4102.

من شابه أباه فما ظلم

كبر “وطن سميح القاسم” (42 عامًا) في بيئة ممتلئة بالروح الوطنية، وضد الاحتلال الإسرائيلي، ومع حقوق الشعب الفلسطيني وحريته؛ ولكن عندما بدأت رسائل جيش الاحتلال تصله وتناديه للخدمة الإجبارية، يقول “وطن”: “اجتمع والدي معي في جلسة عائلية وقالي لي: يابا الجيش عم يناديك للخدمة، وانت عارف شو رأيي وتفكيري بهذا الموضوع، وانت صرت ابن 18 سنة وهذا القرار يرجع لإلك، اتخذ قرارك وخبرني فيه!”.

قرار “وطن” كان نابعًا من روحه الوطنية، فهو يعتقد أنه لو كانت الخدمة الإجبارية للتجنيد في ظروفها طبيعية فستكون مهمة جدًّا لبلورة شخصية الشاب؛ لكن في ظروف الاحتلال والخدمة ضد أبناء شعبه يستحيل أن يرضى بهذا الظلم، ولا يقبل على نفسه أن يكون جزءًا من منظومة الاحتلال. رفض “وطن” التجنيد ودخل السجن العسكري لمدة 4 شهور كأقرانه من الشبان الرافضين، بعد أن انقضّ عليه جنود الاحتلال وهو في محاضرته الجامعية.

في لحظات فارقة تضرب الأحاسيس يتذكرها “وطن” من أيام السجن، يقول: “من اللحظات التي لا أنساها في حياتي، في أحد الأيام كنت أعمل في حديقة السجن، وإذ بسيارة الجيش يخرج منها شاب وهو مكبل اليدين ويركض باتجاهي ويحضنني، وما كان إلا أخي “وضاح” الذي يصغرني بعام واحد، وكان برفقته صديقه “قصي سعيد نفاع”، وكانوا قد أعلنوا رفضهم التجنيد وحُكم عليهم بالسجن”.

تمكن “وطن” بعد خروجه من السجن من إكمال دراسته الجامعية في تخصص الإعلام والعلوم السياسية، واليوم أضحى مديرًا لشركة تسويق وإعلانات. في نبرات يعلوها الفخر والاعتزاز، يقول “وطن”: “والدي علّمنا الاعتماد على النفس، والصبر والمسئولية وحب الوطن. سميح القاسم كان يعني لي الأب والأخ والصديق والقدوة، وبوصلتي التي أفتخر بها”.

سميح القاسم مع عائلته

رغم ملاحقة المعارضين لم تغب جبهة المعارضة، فالشيخ “فرهود فرهود” من الرامة وأبرز مشايخ الدروز كان على رأس المعارضة لفرض القانون، فشكّل الشيخ “فرهود” (لجنة المبادرة العربية الدرزية) في أوائل السبعينيات لتنظيم تلك المعارضة التي ما زالت مستمرة إلى الآن.

ومن أهم أهداف لجنة المبادرة الدرزية -آنذاك- إلغاء الخدمة الإجبارية عن الشباب الدرزي، والمطالبة بتأمين التعليم الجامعي والمهني للشباب الدروز، وعدم التدخل في شئون الموحدين الدروز الدينية والقومية، والكف عن مصادرة الأراضي، وإعادة ما صُودر منها لأصحابها.

ويُشير رئيس لجنة المبادرة الدرزية الحالي “غالب سيف”، إلى أن نسبة العرب المجندين في الجيش الإسرائيلي 8%، وذلك بالرغم من أن التجنيد إجباري على الطائفة الدرزية، ونسبة الدروز من فلسطينيي الداخل الفلسطيني المحتل 8.5%.

السكرتير السابق للحزب الشيوعي “محمد نفاع” يُبين أن أول فرقة طُلبت للتجنيد الإجباري من الدروز كلها رفضت، والمعارضة بدأت تتخذ شكلًا آخر. ويُشير إلى أنه كان من المجموعة التي عارضت لأسباب قومية ومن منطلق الانتماء للشعب الفلسطيني خدمة الجيش المحتل. مضيفًا أن هناك مجموعات أخرى عارضت لأسباب دينية.

ويعقب “نفاع” أن أبناءه الأربعة خطوا خطاه الأولى في الرفض، واستمرت رحلة أبنائه في السجن 12 عامًا، فأثّر ذلك على حياتهم من الجانب النفسي والجسدي والاقتصادي. مؤكدًا أن هذا شرف لهم، ويكفي أنه لم يلحق بهم “عار التجنيد في الجيش الإسرائيلي”، فالدروز ليسوا من أضاعوا فلسطين، من أضاعها الحركة الصهيونية والرجعية العربية على حساب القضية الفلسطينية.

رفضت تحية سلام العلم الإسرائيلي

في عمر السادسة عشرة وعند إرسال طلب إجراء الفحوصات الطبية قبل مرحلة التجنيد، نطق “وسيم خير” (34 عامًا) من قرية البقيعة في الجليل الفلسطيني عبارة “لا أريد أن أخدم”، ومع ذلك تجاهل الاحتلال الإسرائيلي رفض “وسيم”، وأرسلوا له أمر تجنيد في عمر الثامنة عشرة.

منذ بداية رفض “وسيم” للتجنيد وهو يواجه المحاكم العسكرية التي ينفذها الاحتلال للشباب الرافض للخدمة، وامتدت هذه المحاكم على مدار ثلاث سنوات، وسجن خلالها 7 مرات، والمحاكمة الأخيرة كانت عبارة عن 8 شهور.

ومن ذكريات “وسيم” في السجن التي عبّرت عن رفض شاب فلسطيني أصيل: “كان يترتب عليّ الكثير من القوانين التي يجب أن ألتزم بها وأنا في السجن، كان أولها أن أقف وأؤدي تحية العلم الإسرائيلي. أنا كنت أرفض هذه الفكرة وأنا خارج السجن فكيف أؤدي التحية وأنا داخله، فرفضت أداء تحية العلم، فحوكمت مرة أخرى داخل السجن، وزادت أيام حكمي في المرة الأخيرة من 8 شهور إلى سنة ونصف”.

قوبل رفض “وسيم” الشديد بمنع الاحتلال زيارات الأهل والمكالمات التليفونية، بالإضافة إلى منعه من التواصل مع محاميه حتى يتم إنهاء التحقيق معه، واتهامه بالتحريض ضد إسرائيل، والتخطيط لحراك شبابي رافض للتجنيد.

كان “وسيم” قبل مشكلة التجنيد من هواة المسرح والتمثيل، وهو الآن ممثل ومخرج مسرحي، فأصبح يتعامل مع الفن كأداة وأسلوب مقاومة، يقول “وسيم”: “من بعد رفضي للتجنيد، حولت كل الفن الذي أقدمه إلى مضمون يوصل رسالة الشعب الفلسطيني والقضية القومية العربية، وبالأخص القضايا السياسية وممارسات الاحتلال ضد الشعب الفلسطيني”.

مسيرة فردية نتيجتها خسارة منحة دراسية

في سنة 1999 لم يستطع “خالد فراج”، الذي كان يبلغ حينذاك 18 عامًا رفض التجنيد عندما أُرسلت له خطابات الرسمية لجيش الاحتلال، ولأنه لا ينتمي لحزب معين حينها، لم يستطع الرفض بشكل علني لعدم وجود الإطار المناسب الذي يستضيفه ويدعمه.

في سنة 1997 سافر “خالد” للنرويج ليلتحق بمدرسة برنامجها التعليمي حول حقوق الإنسان وقيم السلام؛ لكن للأسف عند عودته إلى قريته الرامة كان أمر التجنيد وأمر “تقييد السفر” ينتظرانه في المطار.

في هذه الأثناء، كان يعلم أنه حاصل على منحة دراسية في كندا قد تُمكّنه من السفر والإعفاء من التجنيد؛ لكن للأسف عندما حان الموعد واكتشف أن أمر “قيد السفر” ما زال مفروضًا عليه توجه مرة أخرى إلى مكتب التجنيد، وقال لهم: “أنا ما بدي أخدم”.

وتم الحكم عليه شهرين بالسجن، ثم استطاع أن يتخلّص من أمر التجنيد بعد سنة ونصف بعدما قام بعمل لجان نفسية وادعاء المرض النفسي، وهو أمر يتّبعه كثير من الرافضين للتجنيد حتى يخفف محكوميتهم أو يتم إعفاؤهم. وعلى مدار سنة ونصف رفض “خالد” أن يلبس الزي العسكري، وبالتالي خسر منحته الدراسية في كندا، ولم يجد من يدعمه داخل بلاده حتى يُرفض علنيًّا، ومن هنا يصف “خالد” مسيرته في رفض التجنيد بـ”الفردية”.

ويقول “خالد”: “في عام 2014 قال لي صديق عن فكرة إطلاق حراك جديد ضد التجنيد، حراك (ارفض، شعبك بحميك). كنت مرحبًا بالفكرة جدًّا بسبب النقص الذي كان موجودًا وقت رفضي، شعرت أن قصتي ذهبت هباءً ولم تستغل لخدمة القضية وعودة الدروز لهويتهم العربية الفلسطينية”.

"ارفُضْ.. شعبك بحميك"

حراك “ارفُض” جاء ليكمل مسيرة المعارضة والرفض للتجنيد، ويوضح منسق الحراك “محمد أبو الريش”، أن الحراك مكمل لما سبقه، مثل “لجنة المبادرة الدرزية”، ويحضن كافة الشبان الرافضين للتجنيد، ويرفض الحراك “الأسرلة” بشكل عام، ولا يقتصر فقط على رفض التجنيد، ويدعم كل الفئات التي مورست عليها “الأسرلة” بطريقة قسرية، بالإضافة إلى المحافظة على الهوية الفلسطينية العربية.

عندما تتلفظ بكلمة “درزي” في بلدة فلسطينية في الضفة الغربية أو قطاع غزة، فغالبًا ما تخطر ببال الفلسطينيين صورة لمجند بزي الجيش الإسرائيلي، ينفذ سياسات الاحتلال بصورة “أكثر عنفًا وقسوة” من الجنود الإسرائيليين، ويتحدث العربية بلهجة صحيحة.

تقول الناشطة في حراك “ارفُض.. شعبك بحميك” “حلا مرشود”: “للأسف.. ما زال يُنظر إلى الدرزي كأنه شخص خائن لوطنه. من مهام الحراك كسر الصورة النمطية عن الدروز، والتأكيد على أن هنالك دروزًا رافضين، وتوضيح عمليات غسيل الدماغ التي يمر بها الشبان الدروز منذ الصغر”.

وتُشير “مرشود” إلى أن أهم مخاطر التجنيد هي تفكيك المجتمع الفلسطيني، وهو اعتماد أسلوب “فرق تسد”، وأنه ليس فقط من المؤلم رؤية الدروز خارج النضال الفلسطيني بل خروجهم أيضًا من الخطاب الفلسطيني. مؤكدة أنه لا يوجد على أجندات الحركات السياسية بند “إنهاء التجنيد الإجباري”، وتُضيف أن هذه القضية ليست شأنًا درزيًّا وإنما قضية وطنية تخص كل فلسطيني وفلسطينية.

اليوم “خالد” أصبح مديرًا لمؤسسة “الجذور الشعبية المقدسية”، فهو يعمل على توثيق قصص الأحياء المقدسية، ونشر انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي عبر محاولات طمسهم للهوية الفلسطينية، بالإضافة إلى أنه كان من المتطوعين الأوائل في حراك “ارفُض” الذي يسعى من خلاله لترويج القضية للعالم، وبلورة فكرة الرفض على أنها ليست فقط قصة أفراد رافضين، وإنما هناك قضية فيها سلب حقوق جماعية لأقلية بشكل كامل.

يقول “خالد”: “من خلال عملي عرفت أن أتواصل مع فلسطينيتي لأقصى درجة، وفهمت معاناة إنك تكون فلسطيني. ووجودي بالقدس وضّح لي أني فلسطيني بكل معنى الكلمة، فأشعر من خلال تطوعي بالحراك أن مهمتي توعية الأجيال الجديدة، وأنها انظلمت أولًا بإخفاء تاريخها عنها، وبالتالي تفكيك مجتمعها الطبيعي وفصلها عن باقي امتدادها الطبيعي بالعالم العربي”.

قصة

ليندا ماهر

صحافية فلسطينية

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم و جرافيك

Start typing and press Enter to search