دراسات وتحليلات

دليلك للتعرف على القدرات الصاروخية الإيرانية

تثير القدرات الصاروخية الإيرانية حفيظة دول الإقليم؛ لا سيما في ظل قدرة طهران على تعويض محدودية قواتها الجوية (نتيجة حظر التسليح المفروض عليها منذ 1979) بترسانة ضخمة من الصواريخ الباليستية وصواريخ الكروز، والطائرات المُسيَّرة بأنواعها وأحجامها المختلفة؛ مما يجعل ذراعها العسكرية قادرة على الوصول لكل خصومها في الإقليم.

يُضاف إلى ذلك قدرة ورغبة إيران على مشاركة أنظمتها التسليحية مع شركائها الإقليمين، فيما يسمى محور الممانعة والذي يضم سوريا، وعدد من الجماعات دون الدولة كحزب الله اللبناني، وحركتي حماس والجهاد الإسلامي في قطاع غزة، وعدد من الميليشيات والتنظيمات الشيعية في العراق، وأخيراً جماعة أنصار الله (الحوثيين) في اليمن.

الأمر الذي يُعزِّز تموضعها العسكري قبل كل خصومها المحتملين في إقليم الشرق الأوسط، لا سيما في ظل استخدام أولئك الحلفاء أو الوكلاء للأنظمة التسليحية الإيرانية في عمليات عسكرية شملت أهداف خليجية في حالة الحوثيين، وإسرائيل في حالات حزب الله والجماعات الفلسطينية، والعراق -بما يحويه من أهداف أمريكية- من قبل الفصائل الشيعية الموالية لطهران أو من قبل إيران مباشرةً.

وفيما يلي نعرض لتقرير أصدره المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية IISS في إبريل 2021 بعنوان “تحليل مفتوح المصدر لقدرات إيران الصاروخية وطائراتها المسيرة وانتشارها”؛ ونحاول عبر هذا العرض المختصر رسم صورة لقدرات إيران العسكرية في 2021؛ واستكشاف الآفاق المستقبلية للبرامج الصاروخية التي توطنها إيران وتداوم على تطويرها.

القدرات العسكرية الإيرانية بين حرب العراق والوقت الراهن

جدير بالذكر أن ترسانة إيران الصاروخية هي الأكبر والأكثر تنوعًا في إقليم الشرق الأوسط في عام 2021، وهو ما يعكس ما توليه طهران من أولوية لتلك الأنظمة التسليحية؛ إذ تشير التقديرات أن إيران تمتلك ما بين 6 إلى 8 أنواع من الصواريخ الباليستية ذات الوقود السائل، إضافةً إلى 12 نظام صواريخ باليستية ذات وقود صلب؛ ويضاف إلى ذلك امتلاك طهران ما يبلغ 100 من الراجمات المتنقلة للصواريخ الباليستية قصيرة المدى، وحوالي 50 راجمة متنقلة للصواريخ الباليستية متوسطة المدى، وما يجاوز مجموعه عن 1000 صاروخ باليستي متنقل بين القصير ومتوسط المدى.

تلك القدرات الصاروخية تظل مُقيدَة بحدود نطاق 2000 كم، وهو ما فرضه المرشد الأعلى للثورة الإسلامية “علي خامنئي”، وتركز الجهود كما سنرى على تعزيز دقة التوجيه وليس زيادة نطاقات استهداف الصواريخ المختلفة.

فحين بدأت إيران حربها مع العراق عام 1980 كانت تعاني من حصار دولي على إثر اقتحام السفارة الأمريكية بطهران؛ وكان لديها قدرة محدودة للغاية على الوصول لأعدائها خارج حدودها، وبالتالي ظلت لفترة عاجزة عن صد سيل الصواريخ العراقية على المدن الإيرانية.

الاقتصاد في إيران
العلم الإيراني

وقد كان اقتناء طهران لصواريخ سكود-ب وسكود-س في ثمانينيات القرن الماضي بمثابة حصولها على سلاح لردع صواريخ العراق، وهو ما جعل اقتناء وتطوير قدرات صاروخية محلية بمثابة أمن قومي لطهران، لا سيما في ظل محدودية قواتها الجوية، في ظل صعوبة تغييرها وإحلالها، نظراً لحظر التسليح المفروض على إيران منذ 1979.

لم تجد إيران في ظل العزلة المفروضة عليها حينها سوى كوريا الشمالية وليبيا وسوريا، وذلك لتزويدها بالأنظمة الصاروخية الباليستية؛ وجدير بالذكر أن كوريا الشمالية لا تزال حتى الآن ضالعة في توريد بعض أجزاء الصواريخ الإيرانية التي لا يمكن إنتاجها محلياً- بالإضافة إلى روسيا والصين بكل تأكيد- بينما تحوّلت سوريا لمُستخدِم للسلاح الإيراني أو ساحة لاختباره كما حدث في رشقات إيران الصاروخية على تنظيم داعش في سوريا.

الصواريخ الباليستية ذات الوقود السائل

سرعان ما وطّنت إيران صناعة صواريخ باليستية محلية في بداية تسعينيات القرن الماضي، وبدأت بمحاكاة أول صاروخين اقتنتهما وهما صاروخي سكود-ب وسكود-سي في نسخ محلية تحت أسماء شهاب-1، وشهاب-2؛ وهي صواريخ ذات وقود سائل ومدى محدود (بين 300 و500 كم على التوالي)، ومعدل خطأ دائري كبير يصل لـ 1500 متر في حالة شهاب.

مع حلول الألفية الجديدة أضافت إيران لما تمتلكه من الصواريخ سائلة الوقود؛ فقدمت صاروخ شهاب-3 للمرة الأولى عام 2003 وهو محاكاة لأخد الصواريخ التي حصلت عليها من كوريا الشمالية، ويصل مداه لما بين 800-1000 كم، ولكنه يظل غير دقيق التوجيه، فمعدل خطأه الدائري يصل إلى 2500 متر، ولكن رأسه الحربية مُصمَّمة بما يسمح -وفقاً لتقديرات الخبراء- بحمل حمولة تفجيرية بيولوجية أو كيميائية أو حتى نووية إذا أرادت إيران ذلك.

وقد طوّر المهندسون الإيرانيون صاروخ شهاب-3 بصوره كبيرة من حيث أنظمة التوجيه والتصميم الخارجي، وأصدرت طهران نسخته المعدلة عام 2007 تحت مسمى قدر-1 والذي يصل مداه لـ 1600 كم، ولا يتجاوز معدل خطأه الدائري 300 متر، وهي قفزة كبيرة مقارنة بـ شهاب-3، ويسمح نطاق صاروخ قدر-1 بضرب إسرائيل من العمق الإيراني بكل سهولة.

يُضاف لما سبق صواريخ قيام-1 وقيام-2، الذين قدّمتهما طهران للمرة الأولى عامي 2010 و2018 على التوالي، وقد كانا في البداية تطويراً لصواريخ شهاب-2، وعانت النسخة الأولى من نفس إشكاليات شهاب-2، فكان معدل خطأه الدائري يجاوز 1000 متر ويصل لمدى 800 كم، ولكن النسخة الثانية شهدت تحسينات كبيرة في هيكل الصاروخ ورأسه الحربي ونظامه التوجيهي، مما قلّل معدل الخطأ الدائري لقرابة 100 متر فقط، و وقد اُستخدم حربيًا للمرة الأولى في رشقة صواريخ إيرانية ضد أهداف لتنظيم داعش في البوكمال بسوريا في 1 أكتوبر 2018، وبعد ذلك في القصف الإيراني على قاعدة عين الأسد الجوية في العراق في 8 يناير 2020.

ومنذ عام 2015 قدمت طهران صواريخ عماد، وخورمشهر-1 وخورمشهر-2؛ وهي صواريخ سائلة الوقود متوسطة المدى، ودقيقة التوجيه، وفق التصريحات الإيرانية.

وتختلف الصواريخ متوسطة المدى عن نظيرتها قصيرة المدى في أن الأولى تغادر الغلاف الجوي ثم تعود لدخوله مرة أخرى عبر ما يعرف بمركبة إعادة الدخول (Reentry Vehicle [RA]) التي توصِّل الرأس الحربية لهدفها عبر نظام توجيه نهائي (Terminal Guidance System)، أي لما بعد دخول الرأس الحربية للمجال الجوي مرة أخرى.

وتشير التصريحات الإيرانية -التي تشكك فيها تقديرات الخبراء المستقلين- إلى دقة توجيه صواريخها الباليستية متوسطة المدى، القادرة على توجيه نفسها طوال الرحلة (أي خلال الإطلاق وخارج الغلاف الجوي للأرض وبعد دخول الغلاف الجوي مرة أخرى) عبر مركبة إعادة دخول قادرة على المناورة (Maneuvrable Reentry Vehicle).

الصواريخ الباليستية ذات الوقود الصلب

لم تكتف إيران بالصواريخ سائلة الوقود، بل طوّرت أيضًا صواريخ صلبة الوقود، والتي تتميز عن نظيرتها سائلة الوقود بقصر وقت تجهيزها للإطلاق -المُقدر بدقائق معدودة- مما يجعلها صعبة الرصد أو الاستهداف قبل الإطلاق، فهي لا تحتاج قوافل سيارات الوقود التي تُرافق الصواريخ سائلة الوقود، أو الساعات الطويلة للتجهيز التي تحتاجها.

فمنذ حصولها على أول صاروخ باليستي صلب الوقود من الصين عام 1989 ودخوله الخدمة عام 1992 بمسمى توندار-69؛ أدركت طهران قيمة الصواريخ صلبة الوقود، وعكفت على تطويرها بصورة كبيرة للغاية وصولاً لنطاقات أبعد، ودقة توجيه ملفتة، وأوزان خفيفة تطلقها راجمات صواريخ متنقلة. ورغم تكهين معظم صواريخ توندار-69 لرداءة توجيهه ومحدودية قوته، إلا أن النسخ المتعاقبة والمُحدَّثة باستمرار من “عائلة صواريخ الفاتح” تقف شاهدًا على تحسينات قدرات التصنيع الصاروخية الإيرانية بصورة كبيرة.

كان الفاتح-110 باكورة الإنتاج المحلي الإيراني، وكان أول اختبار إطلاق له عام 2001، وذلك بعد 6 سنوات من بدء العمل على تطويره عام 1995، وهذا عبر تطوير صاروخ المدفعية الثقيلة ذو الوقود الصلب “زلزال”، الذي حصلت إيران على تكنولوجيا تصنيعه من الصين أوائل تسعينيات القرن الماضي.

وقد شهدت الأجيال المتعاقبة من “عائلة صواريخ الفاتح” تحسينات على مستويات عدة. فمن ناحية ازدادت نطاقاتها من 300 كم إلى 1400 كم بين الفاتح-110 (عام 2001) وصاروخ “شهيد حاج قاسم” (في أغسطس 2020)؛ ومن ناحية أخرى شملت أنظمة توجيه أحدث وأكثر تركيبًا منها، ما يجمع بين التوجيه الأولي والنهائي كـ “الفاتح-313” (عام 2015)، وما يُوظِّف تكنولوجيا توجيه كهرو-بصرية (Electro-optical) كـ “الفاتح المبين” (عام 2018)، وما يُوظِّف أنظمة الملاحة العالمية والأقمار الصناعية لشحذ دقة التوجيه لحدودها القصوى كصاروخ ذو الفقار (عام 2016).

وقد شملت عائلة الفاتح أيضاً صواريخ مضادة للرادارات كصواريخ هرمز-1 وهرمز-2، وصواريخ مضادة للسفن كصواريخ “خليج فارس” الموجهة بصرياً، وصواريخ ذو الفقار بصير (في سبتمبر 2020).

تلك التطويرات المُلفتة في عائلة صواريخ الفاتح تحمل دلالة كبيرة على اهتمام إيران الاستراتيجي بالصواريخ صلبة الوقود، وبتحسين دقة توجيهها تحديدًا وسهولة توظيفها وزيادة نطاقها، لكن مع احترام حدود الـ 2000 كم التي أقرّها المرشد الأعلى “علي خامنئي”.

ترسانة الصواريخ الباليستية الإيرانية

آفاق مستقبلية للقدرات الصاروخية الإيرانية

إذا أضفنا لما سبق تزايد توظيف وتطوير طهران مؤخرًا لصواريخ كروز الأرضية والطائرات المُسيَّرة المسلحة ومشاركتهما بسخاء مع حلفائها الإقليمين، فإن قدرة إيران على الوصول لأي هدف بدقة إصابة عالية في نطاق الألفين كيلومتر تتأكد يوماً بعد يوم، وتموضعها العسكري يتعزز هو الآخر قبل كل الخصوم.

وما يدعم استمرار طهران في تطوير صواريخ الكروز والطائرات المسيرة، هو محدودية التكلفة الاقتصادية في حالة الطائرات المسيرة، والمزايا العديدة للصواريخ الكروز، لا سيما التوجيه الذاتي والطيران على ارتفاعات منخفضة وبسرعات كبيرة، بما يسمح لها بتجاوز أنظمة الرادار والدفاع الجوي.

ولم تدِّخر طهران جهدًا في استخدام كل أنظمتها التسليحية عملياتيًا، إمّا عبر هجمات مباشرة تُنفِّذها كقصف أهداف تنظيم داعش في سوريا أو قاعدة عين الأسد في العراق أو عبر هجمات ينفذها حلفائها في الإقليم بدعم وتوجيه منها بدرجات متفاوتة، كما في حالة الحوثيين وحزب الله، وحركتي حماس والجهاد الإسلامي في غزة.

بالطبع تختلف طرق الدعم وأنظمة التسليح التي تشاركها إيران مع أولئك الحلفاء بدرجات، ولكنها في مجموعها تمثل أبوابًا لمضاعفة القوة الإقليمية لطهران، وطرقًا لاختبار أسلحتها وتكتيكاتها القتالية.

يبقى أن نختم بأن حد الـ 2000 كيلومتر الذي وضعه المرشد الأعلى للثورة الإيرانية لا يعيق إيران -إذا أرادت-عن تطوير صواريخ عابره للقارات؛ فبرنامجها الفضائي المدني يمكن إعادة تطويعه في إطار استراتيجية للاستخدام المزدوج لتتحول مركبات الإطلاق الفضائية (Space-launch vehicles-SLV) إلى صواريخ أو مراحل في صواريخ عابرة للقارات.

كما أن بعض صواريخها الباليستية متوسطة المدى يمكن استخدامها أو أجزاء منها كمراحل صواريخ عابرة للقارات. وبالطبع سيبقى على إيران مجهود تطوير أنظمة توجيه دقيقة لمثل تلك الصواريخ، لا سيما بعد دخولها الغلاف الجوي عبر مركبات إعادة دخول قادرة على المناورة (MaRV)، وهو ما تفتقده إيران حاليًا وعلى المدى القريب، مما يدعم استمرارها في مسار تحسين أنظمة التوجيه في إطار حدود الـ2000 كيلومتر المفروضة من المرشد الأعلى، وهو ما تعتبره طهران كافيًا لردع خصومها، فلا حاجه للوصول للولايات المتحدة في ظل وجود قواتها على مقربة من إيران في قواعد العراق والخليج العربي، ناهيك عن أن مواجهة مباشرة بين طهران و واشنطن تظل مُستبعَدة في المدى المنظور.

المصدر:

https://www.iiss.org/blogs/research-paper/2021/04/iran-missiles-uavs-proliferation

إقرأ أيضا: هل يملك اقتصاد إيران رفاهية التخلي عن “الاتفاق النووي”؟

 

 

 

 

أحمد حمدون

مدرس مساعد العلوم السياسية جامعة القاهرة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى