سياسة

دليل التعامل مع إدارة بايدن: إيران تطلب صفقة “نووي 2015”

مقدمة المُحرر:

هذا النص هو ترجمة لمقال كتبه وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، وتم نشره على موقع مجلة Foreign Affairs الأمريكية في 22 يناير 2021، ويمكن اعتبار هذا المقال مُعبراً عن رؤية الخارجية الإيرانية للتعامل مع إدارة الرئيس الأمريكي الجديد، جو بايدن، وكيف ستتعامل مع الملف النووي، على الأقل خلال الأشهر الستة القادمة، حتى نصل إلى الانتخابات الرئاسية الإيرانية في يونيو 2021.

نص المقال

تعهد دونالد ترامب كمرشح لمنصب رئيس الولايات المتحدة في عام 2016، بوقف نزيف الدم الأمريكي، والأموال الطائلة التي تُنفق على الحروب في غرب آسيا، وبدلًا من ذلك، قام “ترامب” خلال فترة وجوده في منصبه بحبس الولايات المتحدة في المنطقة وإشعال الانقسامات لدرجة أن حادثة بسيطة قد تخرج عن السيطرة بسرعة وتؤدي إلى حرب كبرى.

وُضعت الإدارة الجديدة في واشنطن (إدارة بايدن) أمام خيار أساسي عليها القيام به، فيمكنها أن تتبنى السياسات الفاشلة لإدارة “ترامب” وأن تواصل السير على طريق ازدراء التعاون الدولي، والقانون الدولي، وهو الازدراء الذي اتضح بشدة في قرار الولايات المتحدة عام 2018 بالانسحاب من خطة العمل الشاملة المشتركة، المعروفة باسم “الاتفاق النووي الإيراني”، الذي وقعته إيران والصين وفرنسا وألمانيا وروسيا والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي قبل ثلاث سنوات فقط، وإمّا يمكن للإدارة الجديدة أن تتخلى عن أخطاء الماضي، وتسعى إلى تعزيز السلام والاحترام المتبادل في المنطقة.

اتفاق لوزان النووي 2015

يمكن للرئيس الأمريكي جو بايدن اختيار طريق أفضل من خلال إنهاء سياسة “ترامب” الفاشلة، المتمثلة في “الضغط الأقصى” والعودة إلى الصفقة التي تخلّى عنها سلفه، إذا فعل ذلك، ستعود إيران بالمثل إلى التنفيذ الكامل لالتزاماتنا بموجب الاتفاق النووي، ولكن إذا أصرّت واشنطن، بدلاً من ذلك، على انتزاع التنازلات، فستضيع هذه الفرصة.

يواصل بعض صانعي السياسة والمحللين الغربيين الحديث عن “احتواء” إيران، لكن من الأفضل لهم أن يتذكروا بما أنّها فاعل قوي في المنطقة، فإن لدولتنا مخاوف وحقوقا ومصالح أمنية مشروعة -تمامًا كما تفعل أي أمة أخرى- يجب أن يدركوا هذه المخاوف بدلاً من الاشتراك في الوهم بأن إيران يجب ألا تتمتع بنفس الحقوق مثل أي أمة ذات سيادة.. لقد أوضحنا دائمًا أننا سنستجيب لأي مبادرة للحوار الإقليمي تُقدم بحسن نية، فبالنسبة لنا، فإن النوايا الحسنة تجلب النوايا الحسنة.

بحثًا عن رؤية جديدة

تسببّ التدخل العسكري الأمريكي في منطقتنا خلال العقدين الأخيرين في أضرار لا تُوصف، بينما لم تحقق سوى القليل، فوفقًا لمعهد “واتسون للشؤون الدولية والعامة”، أدت الحروب، التي أعقبت هجمات 11 سبتمبر، بشكل مباشر إلى مقتل 800 ألف شخص على الأقل – وبشكل غير مباشر، إلى عدد أكبر بكثير. منذ عام 2001، أُجبر ما لا يقل عن 37 مليون شخص في المنطقة على ترك منازلهم.

خلال رئاسة “ترامب”، أخذت واشنطن ميلها للصراع مباشرة إلى باب إيران، ففي يناير الماضي، اغتالت الولايات المتحدة الجنرال “قاسم سليماني”، مما جعل الوضع – المشحون بالفعل في منطقة ابتُليت بالعنف الإرهابي- أكثر اضطرابًا. أزال الاغتيال قائدًا بارزًا في المعركة ضد داعش الإرهابية وغيرها من الجماعات المتشددة في العراق وسوريا، وأضفت جريمة لا تُغتفر إلى السجل الطويل بالفعل للانتهاكات الأمريكية ضد إيران.

لا تستطيع الولايات المتحدة بسهولة محو الضرر الذي تسببت فيه أفعالها، لكن الإدارة الجديدة يمكنها معالجة خطأ فادح فعلته الإدارة السابقة، وهو انسحاب إدارة “ترامب” في عام 2018 من الاتفاق النووي الإيراني.

الرئيس الأمريكي جو بايدن

حاول الرئيس الأمريكي نسف إنجاز دبلوماسي كبير متعدد الأطراف، ثم أطلق حربا اقتصادية حادة تستهدف الشعب الإيراني، ما أدى في الواقع إلى معاقبة إيران لالتزامها باتفاقية أقرتها الأمم المتحدة، جعلت العقوبات -التي فرضتها إدارة “ترامب” وأعادت فرضها- من المستحيل تقريبًا على إيران استيراد حتى العناصر المطلوبة لمواجهة جائحة “كوفيد-19″، لكن هذه المصاعب لم تُجبرنا على الاستسلام، ولم تؤد إلى انهيار اقتصادنا أو تغيير حساباتنا الاستراتيجية.

بدلاً من ذلك، فإن الضغط على إيران قد أدى مرارًا وتكرارًا -وسيؤدي دائمًا- إلى عكس النتيجة المرجوة، ففي عام 2005، على سبيل المثال، طالبت الولايات المتحدة وحلفاؤها إيران بالتخلي عن حقها في تخصيب اليورانيوم وفرض عقوبات جائرة من خلال مجلس الأمن الدولي.

وعلى الرغم من هذا الضغط الاقتصادي، بين عامي 2005 و2012، زادت إيران عدد أجهزة الطرد المركزي من 200 إلى 20 ألفا، وأنتجت أكثر من 17 ألف رطل من اليورانيوم المُخصَّب بتركيز 3.67%، وأكثر من 440 رطلاً من اليورانيوم المُخصَّب بنسبة 20%، وبالمثل، تزامنت حملة “الضغط الأقصى” التي شنتها إدارة “ترامب” مع زيادة مخزوننا من اليورانيوم منخفض التخصيب من 660 إلى 8800 رطل وتحديث أجهزة الطرد المركزي لدينا من طرازات IR-1 الأقدم إلى طراز IR-6 الأكثر قوة.

لقد أثبت تخلي الولايات المتحدة عن الاتفاق النووي شيئًا واحدًا – أن توقيع وزير خارجية إيران له وزن أكبر من توقيع الرئيس القوي للولايات المتحدة.. حتى “أوباما” فشل في منع الكونجرس الأمريكي من تمرير تمديد قانون العقوبات على إيران لمدة عشر سنوات، في انتهاك واضح للصفقة التي تفاوضت عليها إدارته، وعزّز تجاهل “ترامب” التزامات الولايات المتحدة (ليس فقط الاتفاق النووي بل قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة الذي صادق على الصفقة) الانطباع بأنّ الولايات المتحدة شريك غير موثوق به.

لذا، نعم، زادت إيران بشكل كبير من قدراتها النووية منذ مايو 2019 – لكنها فعلت ذلك بما يتفق تمامًا مع الفقرة 36 من الاتفاق النووي، التي تسمح لإيران بـ“التوقف عن تنفيذ التزاماتها”، بموجب الاتفاق إذا توقف موقع آخر عن أداء التزاماته الخاصة، وإذا كانت الإدارة الأمريكية الجديدة تأمل في تغيير المسار الحالي، فعليها أن تُغيِّر مسارها على الفور.

محمد جواد ظريف – وزير الخارجية الإيراني

ما الذي سيأتي بعد ذلك؟

لا يزال بإمكان إدارة “بايدن” القادمة إنقاذ الاتفاق النووي، ولكن فقط إذا استطاعت حشد الإرادة السياسية الحقيقية في واشنطن لإثبات أن الولايات المتحدة مستعدة لأن تكون شريكًا حقيقيًا في الجهود الجماعية.

يجب أن تبدأ الإدارة بإزالة جميع العقوبات المفروضة أو المُعاد فرضها أو إعادة تسميتها منذ تولي “ترامب” منصبه، بأثر كامل.. بدورها، ستلغي إيران جميع الإجراءات العلاجية التي اتخذتها في أعقاب انسحاب “ترامب” من الاتفاق النووي.

سيُقرر الموقعون الباقون على الصفقة بعد ذلك ما إذا كان ينبغي السماح للولايات المتحدة باستعادة المقعد على الطاولة التي تخلت عنها في عام 2018، فالاتفاقيات الدولية ليست أبوابًا دوّارة، وليس حقًا تلقائيًا للعودة إلى اتفاق تفاوضي -والتمتع بامتيازاته- بعد أن يغادر المرء لمجرد نزوة.

ستتعرّض تلك العودة إلى طاولة المفاوضات للخطر إذا طالبت واشنطن أو حلفاؤها في الاتحاد الأوروبي بشروط جديدة لاتفاق تم إنشاؤه بعناية بالفعل خلال سنوات من المفاوضات.. لنكن واضحين بشأن هذه النقطة: وافقت جميع الأطراف في الاتفاقية النووية (بما في ذلك الولايات المتحدة) على قصر نطاقها على القضايا النووية لأسباب عملية للغاية.

لقد تفاوضنا بعناية على الجداول الزمنية للقيود التي فرضتها الصفقة، ووافقت إيران على التخلي عن العديد من الفوائد الاقتصادية الناتجة عن الصفقة بسبب تلك الجداول الزمنية.. لم تكن السياسات الدفاعية والإقليمية لإيران مطروحة للنقاش، لأن الغرب لم يكن مستعدًا للتخلي عن تدخله في منطقتنا، والذي تسبّب في مثل هذه الاضطرابات لعقود من الزمن، ولم تكن الولايات المتحدة -أو فرنسا أو المملكة المتحدة، في هذا الصدد- على استعداد للحد من مبيعات الأسلحة المربحة، والتي أدت إلى تأجيج الصراع واستنزاف موارد منطقتنا.

كجزء من المفاوضات النووية، وافقت إيران على قيود تمتد إلى خمسة وثمانية أعوام على مشتريات الدفاع والصواريخ على التوالي.. لا يمكن التراجع عن الصفقات -وبالتأكيد التضحيات- التي قطعناها على أنفسنا لتأمين الصفقة.. ليس الآن ولا أبدًا.. لا يمكن أن يكون هناك أي إعادة تفاوض، فلا تستطيع الولايات المتحدة الإصرار على أنّ “ما هو ملكي هو ملكي وما يخصك قابل للتفاوض”، وتتوقع أن تشق طريقها مع إيران.

وبعيدًا عن القضية النووية، كانت إيران دائمًا على استعداد لمناقشة المشاكل التي تعاني منها منطقتنا، ولكن على شعوب المنطقة، وليس الغرباء، حل هذه القضايا.. لا تتمتع الولايات المتحدة ولا حلفاؤها الأوروبيون بصلاحية لقيادة المحادثات المستقبلية أو رعايتها، بدلاً من ذلك، تحتاج منطقة الخليج العربي إلى آلية إقليمية شاملة لتشجيع الدبلوماسية والتعاون وتقليل مخاطر سوء التقدير والصراع.

الاسلحة النووية الإيرانية

طالما دعت إيران إلى إنشاء منتدى للحوار الإقليمي – منذ قرار مجلس الأمن رقم 598 في عام 1987 إلى مبادرة هرمز للسلام، والمعروفة أيضًا باسم HOPE، والتي قدمتها إيران إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 2019. وضمن مثل هذا المنتدى، يمكن للبلدان معالجة المخاوف من خلال تدابير بناء الثقة، وحل الصراعات من خلال الحوار، والانخراط في جهود متبادلة المنفعة لحل المشاكل المشتركة وحماية المصالح الجماعية.

إنّ HOPE ليس مخططًا للمستقبل – فأي ترتيب دائم يجب أن يتم التوصل إليه بشكل جماعي من قبل جميع القوى الإقليمية، لكن الاقتراح يعكس تطلعات إيران إلى مجتمع قوي ومستقر ومسالم ومزدهر من البلدان، خالٍ من فرض الهيمنة الإقليمية أو العالمية.

تم بناء إطار عمل HOPE على مبادئ مُعترَف بها عالميًا، وتشمل هذه المبادئ احترام السيادة والسلامة الإقليمية، وتتعهد الدول المشاركة بإظهار الاحترام للرموز التاريخية والدينية والوطنية لبعضها وتجنب التدخل في الشؤون الداخلية أو الخارجية لبعضها، ضمن ما أطلقنا عليه اسم “مجتمع هرمز”، تلتزم الدول بتسوية النزاعات بالطرق السلمية وتتجنب المشاركة في تحالفات ضد بعضها البعض.

في أكتوبر 2019، كتب الرئيس الإيراني “حسن روحاني” رسائل إلى جميع دول مجتمع هرمز -البحرين والعراق والكويت وعمان وقطر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة- لدعوتهم رسميًا للانضمام إلى المبادرة.. هذه الدعوة لا تزال مطروحة على الطاولة.

لكي تنجح HOPE أو أي جهد مماثل، يجب على الدول الإقليمية -والقوى الخارجية- أن تتصالح مع حقائق معينة.. يبدأ ذلك بحقيقة أن مستقبل المنطقة يمكن ويجب أن تُقرِّره شعوبها فقط، فأي نهج آخر سيؤدي إلى الفشل، ولهذه الغاية، يجب على الغرب أن يتخلى عن سياسة المحسوبية.. يجب أيضًا إشراك جميع الدول المطلة على الخليج، دون استثناء، في أي مسعى إقليمي، ويجب على كل من الجهات الفاعلة الإقليمية والخارجية أن تعترف وتحترم الحقوق والمصالح والمخاوف الأمنية الوطنية المشروعة للجميع.

يحتاج الغربيون، وخاصة الأمريكيون، إلى تعديل فهمهم لإيران والمنطقة إذا أرادوا تجنب الأخطاء التي ارتكبوها بشكل مزمن في الماضي، وعليهم أن يُراعوا ويحترموا حساسيات شعوب المنطقة، وخاصة فيما يتعلق بكرامتهم الوطنية واستقلالهم وإنجازاتهم.

نحن في المنطقة قادرون على معالجة مشاكلنا الخاصة، بشرط ألّا يعمل الغرباء كناهبين أو راغبين لأرباح قصيرة الأجل.. خلال الأعوام الأربعة الماضية، اقتربنا للأسف من وقوع كارثة عدة مرات، وقد أظهرت إيران ضبطًا استراتيجيًا للنفس طوال هذه الفترة، لكن صبر الإيرانيين ينفد، حيث يشير التشريع الذي أقره برلماننا في ديسمبر (2020) بوضوح إلى أنّ القانون الجديد يطالب إيران بزيادة تخصيب اليورانيوم والحد من عمليات التفتيش التي تقوم بها الأمم المتحدة، إذا لم يتم رفع العقوبات بحلول فبراير (2021).

لن تكون الفرصة للإدارة الأمريكية الجديدة مفتوحة إلى الأبد، فهذه المبادرة تقع بشكل مباشر على عاتق واشنطن.. يجب أن تكون الخطوة الأولى لإدارة “بايدن” هي السعي لتصحيح -بدلاً من محاولة استغلال- إرث “ترامب” الخطير المتمثل في أقصى درجات الفشل.. يمكنها أن تبدأ بإزالة جميع العقوبات المفروضة منذ تولي “ترامب” منصبه والسعي لإعادة الانضمام إلى الاتفاق النووي لعام 2015، والالتزام به دون تغيير شروطه التي تم التفاوض عليها بشق الأنفس.. إنّ القيام بذلك سيفتح إمكانيات جديدة للسلام والاستقرار في منطقتنا.

المصدر: Foreign Affairs

عمرو جمال صدقي

مترجم مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى