زوايامختارات

سيف وصليب معقوف.. كيف صار سيد الحرب في القرون الوسطى رمزًا فاشيًّا؟

 

في يومٍ خريفي ببواكير القرن الثامن الميلادي، وفي مكانٍ ما بين المدينتيْن الفرنسيتيْن”بواتييه” و”تور”، اصطدم جيشٌ مسلم بحشودٍ من قوَّات يقودها نبيلٌ إفرنجي قوي يُدعى شارل “عمدة القصر” ابن “بيبين الهيرستالي”. وفي غمار المعركة، قُتِل “عبد الرحمن الغافقي”، حاكم المناطق المسلمة في الأندلس (إسبانيا)، وهُزِمت قواته. وقد تردَّد صدى هذه المواجهة التي حدثت بين اثنين من أمراء حروب العصور المُظلمة عبر العصور [كانت عصورًا مُظلمة في أوروبا لكنها كانت عصور ازدهار في بلاد الإسلام –م]، كما اكتسبت رمزية قوية.. كل ذلك رغم أن الناس في العصور الوسطى كانوا يعرفون القليل نسبيًا عن أبطال الرواية الرئيسين وأدوارهم في تلك المعركة، ناهيك بالكيفية التي اندلع بها القتال فعليًّا.

تُوضَع معركة “بواتييه” (أو “تور”، كما يُطلَق عليها أحيانًا في العالم الناطق باللغة الإنجليزية) [ونُسمِّيها نحن معركة “بلاط الشهداء” –م] بالفعل، كواحدة من أكثر الصراعات الحاسمة في التاريخ، وعلى قدم المساواة مع معارك “ثيرموبيلي” أو “واترلو”. وقد قدَّم المُعلِّقون انتصار “شارل”- الذي أُعطي لاحقًا لقبًا عسكريًّا هو “مارتل” أو المطرقة – كانتصار حضاري وعسكري، كما أشادوا بالمحارب الإفرنجي الذي أوقف التوسُّع الإسلامي داخل أوروبا الغربية.

وقد خمَّن “إدوارد جيبون”، المؤرخ الشهير، ما الذي كان سيحدث لو كان “عبد الرحمن الغافقي” انتصر في “بواتييه”.

كان الأسطول العربي سيُبحِر دون أي معارك بحرية حتى مصب نهر “التايمز”، وربما كان سيجري تعليم تفسير القرآن في مدارس “أكسفورد”، في حين أن منابرها تُبرهِن وتُظهِر قداسة وحقيقة بعثة النبي محمد لأقوامٍ مختونين. [يقصد أن الإنكليز سيدخلون الإسلام إذا ما كان المسلمون قد انتصروا في بلاط الشهداء –م]

وبنحوٍ مماثل ادعَّى الكاتب الفرنسي الرومانطيقي “شاتوبريان” نفس الدعوى الدرامية: “لولا شجاعة “شارل مارتل”، لكُنَّا جميعًا نرتدي العمائم”.

ربما على نحوٍ أكثر أهمية، صار “شارل مارتل” أيقونة باقية ومستمرة للفاشية وحركات أقصى اليمين، في فرنسا ودول غربية أخرى. 

معركة بواتييه

فعلى سبيل المثال، استمتع نظام “فيشي” بقراءته المُشوَّهة لـ”شارل مارتل” وتاريخ فرنسا بالقرون الوسطى بنحوٍ أكثر اتساعًا وعمومية، فقد ظهرت الفرانسيسكا، وهي فأس إفرنجية بدائية، بشكلٍ بارز في الصور والرموز والبروباجاندا “الدعاية” الخاصة بنظام “فيشي”، كما جرى تقديم “شارل مارتل” جنبًا إلى جنب مع “جان دارك” كتجسيد للفضائل الكاثوليكية ما قبل الثورة [الفرنسية –م]. في ذات الوقت، كان القطاع سيئ السمعة من المتطوِّعين الفرنسيين الذين انخرطوا مع قوَّات العاصفة النازية يُسمَّى “كتيبة شارلمان” تيمُنًا بالإمبراطور الكارولنجي الكبير وحفيد “شارل مارتل”. 

وخلال السنوات التي تلت حرب فرنسا المريرة في الجزائر، ارتكبت جماعة تنتمي إلى أقصى اليمين – تُسمَّى “دائرة شارل مارتل” – سلسلة من الهجمات الإرهابية ضد الجزائريين والمواطنين ذوي الأصول الشمال إفريقية في فرنسا. وحديثًا حتى، تفاعل “جان ماري لوبان” مُؤسِّس حزب الجبهة الوطنية الفرنسية مع قتلى “شارل إبدو” بإعلانه على نحو مُتفاخِر “أنا (شارلي) مارتل”، في تحدٍ للشعار الأكثر جمهورية والأكثر شمولية “أنا شارلي”. ومنذ ذاك الوقت، صار “أنا (شارلي) مارتل” واحدة من الصرخات الحاشدة لناشطي أقصى اليمين الفرنسيين.

وامتد هذا الافتتان التاريخي الشرير لأبعد من فرنسا.. فقد ادَّعى “أندريس بريفيك”، وهو النرويجي المُنتمي للنازية الجديدة الذي قام بقتل 77 شخصًا في عام 2011م، في كتاباته المُنمَّقة على الشبكة العنكبوتية أنه “تعرَّف على هويَّته” في شخص “شارل مارتل”. وفي الولايات المتحدة، تمول مجموعة يُطلَق عليها “جمعية شارل مارتل” نشر جريدة عنصرية بشدة تختص بالفكر الزائف، تُسمَّى “أوكسدنتال كواترلي” – حرفيًّا: ما يتعلَّق بالغرب الربع سنوية -. 

وتلمع لوحة “شارل دي ستويْبِن” الشهيرة من القرن التاسع عشر الميلادي لمعركة “بواتييه” عبر أحد الفيديوهات التي يصنعها “ريتشارد سبنسر” ببراعة، وبالتالي تُزوِّدنا بخلفية موجزة وصارخة لتيارٍ مُمتد من هراء الأهلانيين.

ينشأ ذلك الهاجس طويل الأمد لمُتطرِّفي الجناح اليميني بشخصية “شارل مارتل” من ثلاث أفكار مُسبقة رئيسة أوَّلها أن معركة “بواتييه” كانت حاسمةً بحق، ثانيها أنها تُمثِّل انتصارًا حضاريًّا للمسيحية على الإسلام، وثالثًا أن انتصار “مارتل” يُعطينا الدليل على التفوُّق العسكري الفطري للغرب على من أسماهم “إدوارد كريسي” بـ”الشعوب السامية” في دراسته الكلاسيكية المشوبة بالعنصرية عن الصراع.. وكلٌّ من هذه الافتراضات مَعيبٌ بعمق.

هل هي حقًا معركةٌ فاصلة؟

يتشكَّك معظم المُؤرِّخين المُعاصرين في فكرة أن معركة “بواتييه” تُشكِّل مثل تلك اللحظة الفاصلة. ففيما كانت هزيمة الجيش الأندلسي على يد القوة الأوربية الغربية أمرًا هامًا بالتأكيد، فإنها لم تكُن غير مسبوقة. فقبل أعوامٍ قليلةٍ وحسب، هزم “أودو” دوق “أقطانيا” جيشًا مسلمًا آخر خارج مدينة “تولوز”، لكن تلك المعركة لم تنل قط نفس الرمزية الأسطورية التي ظفرت بها معركة “بواتييه”.

ويبدو أن الإجماع الأكاديمي الآن على أن هجوم “الغافقي” المُفاجئ على ما كان يُشار إليه وقتها بـ”شمال بلاد الغال” لم يكُن سوى غارة بعيدة المدى، ولم يَكُن دافعها الأكبر هو الفتح، بل الغنائم [هذا بالطبع إجماع مؤرِّخي الغرب كما يدَّعي الكاتب، أمَّا مؤرِّخو المسلمين فلهم رأي مخالف تمامًا –م]. وقد أُعلِمنا بالفعل أن الهدف الرئيس من تلك الغارة كان مزارًا دينيًّا مليئًا بالكنوز يقع في كنيسة “سانت مارتين دي تور” المُتخَم بالذهب والأقمشة الثمينة. 

وقد لاحظ “هيو كينيدي” أن صدى الهزيمة يبدو ضعيفًا في العالم العربي المسلم، وأنه رأى فيها علامةً على الانحطاط المُضطرِّد للخلافة الأموية التي يقع مركزها في سوريا. وأشار آخرون إلى التوسُّع الزائد للخلافة داخل إسبانيا وإلى التوتُّرات المُتنامية بين العرب المحليِّين وقوَّات البربر علاوةً على التوتُّرات بين القبائل والعشائر المُتنافِسة. وقد اختار “شارل مارتل” في أعقاب انتصاره ألَّا يستثمر نقطة تفوَّقه تلك ويقوم بغزو شبه الجزيرة الأيبيرية. بل بدلاً من ذلك، انتهز الفرصة لتوطيد نفوذه مؤقتًا على دوقية “أقطانيا” الغنيَّة، وعلى المناطق المُقسَّمة سياسيًّا لإقليميْ “بروفِنس” و”سيبتيمانيا”(إقليم يشمل جزءًا من منطقتيْ “لانغودوك” و”روسيون” حاليًّا). ورغم أن تدمير جيش “الغافقي” الميداني استنفذ الاحتياطي المحلي لقوة الأمويين العسكرية، إلَّا أن قوَّات المسلمين بقيت في بعض مدن الجنوب الفرنسي مثل “ناربون” لمدة تجاوزت العقديْن ونصف. وفي ذات الوقت، استمرت غارات المسلمين عبر جبال “البرانس” لمدة ناهزت القرن من الزمان على الأقل، وذلك بعد وقتٍ طويل من سقوط الأمويين.

هل كانت مواجهة ندٍ لند بين المسيحية والإسلام؟

بدو من التبسيط المُخِل تقديم معركة “بواتييه” على أنها تجلٍ عسكري لصراع ٍ وجودي ما قديم العهد بين المسيحية والإسلام.. فأوروبا “شارل مارتل” كانت قارةً متعدِّدة الديانات والفلسفات، وليست نظامًا دينيًا ثنائي الأقطاب. وقد أنفَق الحُكَّام الميروفنجيون المُتأخِّرون والحُكَّام الكارولنجيون الأوائل أكثر الوقت في شنِّ حملات عسكرية وحشية على قبائل “الدان” و”الساكسون” الوثنية (الذين يُوصَفون في النصوص الإفرنجية بأنهم “قبائل تُدمِن عبادة الأصنام”)، وذلك أكثر من الحملات العسكرية التي شنُّوها ضد مسلمي الأندلس. ولم تكُن مسيحية فرنسا القرن الثامن الميلادي قد اكتسبت بعد الجمود المذهبي الذي مَيَّز العصور الوسطى اللاحقة، بل تَعايَشت تلك المسيحية المُبكِّرة مع أو اندمجت في صُوَر إيمانية وممارسات دينية أكثر سذاجة وبساطة. وكما قرَّرت إحدى الدراسات المُفصَّلة عن العالم الكارولنجي:

… كان المسيحيون الذين عَلَّموا أنفسهم بأنفسهم في الغالب الأرجح يقبلون إمكانية الحياة الأبدية بعد الموت لأولئك الذين يعتقدون أن الرب صار إنسانًا في شخص المسيح. والعديدون قد يقبلون كذلك أن المُجاهَرة العلنية بهذا الاعتقاد يجب أن تكون من خلال طقوس البدء في التعميد. رغم ذلك، فكل ما وراء ذلك هو تنوُّع واختلاف. فالكتاب المُقدَّس – العهدان القديم والجديد – لم يكُن معروفًا عالميًّا بأي وسيلة، ويوجد على أي حال تفسيرات كثيرة له.. باختصار، لم تكُن هناك مسيحية واحدة، بل “مسيحيات” عدة، ولا كنيسة واحدة، بل عديد من الكنائس.

لوحة شارل دي ستويْبِن الشهيرة عن معركة بواتييه ويظهر فيها عبد الرحمن الغافقي يواجه شارل مارتل

يُمكِن للاختلافات الدينية أن تُقسِّم القبائل، والمَمالك، والأعراق. فعلى سبيل المثال، كانت قبائل “الباسك” المُستقِّلة شديدة المراس تسكن جبال “البرانس”، وكان بعضها مسلمًا، وبعضها مسيحيًّا، وجزء ثالث منها يُمارِس أشكالاً أقدم من الاعتقاد. وتقُص علينا “أغنية رولاند”، وهي أغنية شعبية قروسطية مألوفة لكل نتاج المدارس الفرنسية الوسطى، حكاية الكمين الجبان الذي وقع فيه أحد خدم الإمبراطور “شارلمان”، وهو النبيل “رولاند”، ونفَّذته قوَّات العدو في ممرٍ جبلي ضيق. ولقرون، كان تلاميذ المدارس يتعلمون أن الفارس الكارولينجي قتله العرب المسلمون الموجودون في إسبانيا. ويُعتَقَد الآن أن “رولاند” –الذي أَلْهَم المشهد المُطوَّل لموته مشهد موت “بورومير” في الرواية الشهيرة “سيد الخواتم”– قُتِل فعليًا على يد “الباسك”، وليس بِيَد العرب أو البربر. وتُزوِّدنا هذه الغلطة التاريخية بمؤشرٍ آخر على مَيْلنا تجاه التغاضي عن النسيج الثري للفاعلين السياسيين والدينيين في أوروبا القرون الوسطى المُبكِّرة لصالح النماذج الثنائية.

وتنطبق هذه الاختزالية على فهمنا للجغرافيا السياسية لذلك العصر. فغالبًا ما يُنسى أن الكيانات السياسية الأوروبية الأضعف كانت لا تتردَّد في التحالف مع الحُكَّام المسلمين ضد الممالك المسيحية الأقوى. وكانت هذه هي الحال في “بروفِنس”، حيث شكل الحُكَّام المحليُّون في كثيرٍ من الأحيان شراكةً مؤقَّتة مع القادة المسلمين في محاولة (غير ناجحة) لموازنة القوة العسكرية الإفرنجية الشمالية. واحدة من أشهر الحالات وأكثرها مأساوية لتشكيل التحالفات مُتقاطعة الثقافات حدثت في عام 731م، عندما سعى “أودو” دوق “أقطانيا” لتأسيس منطقة عازلة عبر جبال “البرانس” بتزويج ابنته الجميلة لقائد المتمردين البربر “مونوزا”. وبالتالي، تبنَّى هذا الأخير سياسة الحياد السلبي، فرفض شن الغارات على “أقطانيا” وجنوبي بلاد الغال.

ونتيجةً لذلك، وجد “مونوزا” نفسه بعد قليل يواجه غضب وحنق الحاكم “الغافقي”. وانتهت الحال بالقائد الحربي البربري وقد أُعدِم سريعًا على يد قائده العربي المنتقم، وذلك بعد حصارٍ دامٍ لقلعته. وأُرسِلت عروسه الشابة إلى دمشق، كي تنضم إلى حريم الخليفة، كما أُرسِل معها كذلك رأس “مونوزا” المقطوع.. أخيرًا وليس آخرًا، فإنه من التبسيط المُخِل رؤية “شارل مارتل” كبطل قديس للمسيحية. فالقليل الذي نعرفه عن حياته يُلمِّح إلى أنه كان قبل كل شيء مُناضلاً ذا فعالية عالية: مُفرَط الإنجاز، برغماتي، ويتسّم بالوحشية والنذالة، من طينة “ويليام الفاتح” وأمثاله. ويصف أحد كتب التاريخ المُعاصِرة، “كتاب تاريخ الفرنجة”، “شارل مارتل” بـ”المحارب المُتعلِّم جيدًا على غير العادة، وذي فعالية في المعارك”. وعلى النقيض، فلا يوجد ما يُشير إلى أن “مارتل” كان مُتعصِّبًا دينيًا، رغم تفضيله التنصير كوسيلة لتوطيد سيطرته السياسية، وسيُحاكي خلفاؤه الكارولنجيون من بعده تلك الاستراتيجية. وفيما صبغه بعض المصادر بصبغة المُدافِع عن الدين، تنتقده كتابات من القرن التاسع الميلادي لكونه “نهَّاب الكنائس”، مُشيرةً لعادته في الاستيلاء على أملاك القساوسة الذين يعصونه ويقفون أمامه.

تاريخٌ عسكري مُتنازَعٌ عليه بشدة:

يكمُن جُل صعوبة تقييم الحدث في ندرة المصادر الأوليَّة والانحياز الواضح في المصادر الموجودة بالفعل، وقد فاقمت مشكلة المصادر تلك من النزاعات الحماسية طويلة وقصيرة الأمد بين المُؤرِّخين العسكريين حول تفاصيل وأهمية معركة “بواتييه”.

فعلى سبيل المثال، ما زال الخلاف قائمًا حول العام الفعلي للمعركة، ففيما يُؤكِّد البعض أن المعركة اندلعت في أكتوبر/ تشرين الأول عام  732م، يدَّعي آخرون أنها وقعت في العام التالي، أي: أكتوبر/ تشرين الأول 733م. ويتركَّز الجدل الأكاديمي الأكثر أهمية حول الأهمية النسبية للتقنية العسكرية وسلاح الفرسان الصادم. فبدايةً من القرن التاسع عشر الميلادي، ادَّعى مُؤرِّخ العصور الوسطى الألماني “هاينريش برونر” أن انتصار “شارل مارتل” يُمكِن عزوه إلى تفوُّق الأسلوب الغربي في الحرب، وبشكلٍ أكثر تحديدًا، للاستخدام الفعَّال لسلاح الفرسان الثقيل. وفي ستينات القرن العشرين، قدَّم المُؤرِّخ الأمريكي “لين وايت الأكبر” عنصرًا “ثقافيًّا ماديًّا” لمدرسة الفِكر هذه، فقد جادل بأن معركة “بواتييه” تزامنت مع اكتشاف الفرنجة لرِكاب السرج، ما أدَّى إلى التعامُل بنحوٍ أفضل مع خيول الفرسان الثقيلة المُدرَّعة واسعة الانتشار في رسومنا عن الحروب الغربية في العصور الوسطى.

الدولة الأموية في أقصى اتساع لها

ولا يُوافق معظم المُؤرِّخين المُعاصِرين على هذه الفرضية، التي يعتبرونها تنتمي إلى زمنٍ آخر غير الذي نتحدث عنه (بمعنى آخر: مُتعارِضة تاريخيًّا). فبينما كانت السرعة التي تحركت بها قوَّات “شارل مارتل” لاعتراض أعدائهم المسلمين تُشير إلى استخدام واسع للمُقاتلين الراكبين، لم يظهر أن الجيوش الأوروبية تعاملت بنحوٍ أفضل مع سلاح الفرسان الصادم حتى القرن العاشر أو الحادي عشر الميلادي على الأقل.

ولا شك في وجود نوعٍ من الإثارة الرومانسية في صورة الصفوف اللامعة من الفرسان المسيحيين ذوي الدروع الثقيلة وهم يندفعون نحو المعركة دفاعًا عن العَلَم والعقيدة. أمَّا في الواقع، فقد كانت قوَّات الفرنجة تتكوَّن بالأساس غالبًا من قوَّات المشاة وقد شكَّلوا ما يُشبه حائطًا من الدروع، في حين أن سلاح الفرسان يقوم بأدوار الاستطلاع، والمناوشة، والحماية لجناح الجيش. وقد كان حُكَّام العصور الوسطى قُرَّاءً نَهِمين للكلاسيكيات العسكرية الرومانية، وللكاتب “فيجيتيوس” خصوصًا. وقد ذهب مُؤرِّخون مثل “برنارد باشراش” بعيدًا جدًّا إلى حد ادعاء أن التكتيكات الكارولينجية المُبكِّرة كانت استمرارًا لفن الحرب الروماني القديم المُتأخِّر، مع التركيز على تشكيل الكتائب المُسلحَّة بالحِراب واستخدام سيوف الطعن القصيرة المناسبة للقتال الدموي المُتلاحِم. وفي المُقابِل، ارتكز فن الحرب الإسلامي المُبكِّر كثيرًا على الخيَّالة الخفيفة والرماة، وهو الميدان الذي امتلكت فيه الخلافة الأموية تقدُّمًا تقنيًا واضحًا عن طريق الاستخدام الواسع للأقواس المُركَّبة.

بالاختصار، فإن العديد من التمثيلات الفنية الأكثر تقليدية للمعركة هي غير دقيقة بالكلية. وفي الاحتمالات الأكثر ترجيحًا، فإنه يبدو أن الفرنجة هم من “لعبوا دور الدفاع” في “بواتييه” وليس الأندلسيين، وقاموا بامتصاص موجاتٍ من هجمات الخيَّالة الخفيفة وسحاباتٍ كثيفة من السهام قبل أن يُجبِروا أعداءهم على التراجُع. 

ويتلاءم هذا التفسير بصورةٍ كبيرة مع المراجع القليلة في مصادر القرن الثامن الميلادي، فيصف أحد كتب التاريخ الفرنجة بأنهم “ظلُّوا ثابتين كالجدار، وتماسكوا جنبًا إلى جنب ككتلةٍ جليدية”. علاوةً على ذلك، فلا يُوجَد أي دليل على أن معركة “بواتييه” أَظْهَرَت أي تفوُّق واضح لما يُسمَّى بـ”الأسلوب الغربي في الحرب”، سواء أكان تقنيًا أو ماديًّا أو ثقافيًّا.

وكما لاحظت إحدى الدراسات بمهارة، فإن أحد أسباب سيطرة المعارك على الروايات التاريخية هي أنها تُفسَّر تقليديًّا كـ…

اختبارات تمثيلية لقوة وقدرة الثقافات أو الكَيْنونات السياسية المُتنافِسة. وهكذا، فإن المعارك لا يُنظَر إليها كفرصة نادرة أتاحتها الظروف لتصفية التناقضات الهائلة في الموارد، وبذلك يتمكَّن الطرف الأضعف –على سبيل المثال- من التغلُّب على الخصوم الأغنى والأقوى.

بالأحرى، يُنظَر إلى المعارك على أنها اختبارات حتمية داروينية، أو على أنها أحكام إلهية على التاريخ تُظهِر من هو الأقوى حقًّا… فالمعارك لديها مقدرة رائعة على تبسيط التاريخ.

في هذه الحالة، فإن انتصار “شارل مارتل” يُمكِن عزوه على الأرجح إلى فطنته الإستراتيجية، وإلى الحظ، وإلى النظام العسكري لقوَّاته، ذلك النظام الذي قَوِي واشتد عوده في بوتقة الحرب الأهلية التي استمرت عقدًا من الزمن ضد الفصائل الإفرنجية المُنافِسة. وبالفعل، فإن أحد التكتيكات الأكثر شيوعًا التي جرى توظيفها ضد أسلوب حائط الدروع أو السلحفاة الرومانية هو استخدام الخيَّالة الخفيفة ذات السرعة الخيالية. فعن طريق افتعال حركة من الفوضى، قد يأمل فرسان العدو بدء مطاردة بواسطة المشاة المُتعجِّلين، مِمَّا يُؤدِّي إلى فتح ثغرات في حائط الدروع. وهذا ما حدث بالفعل في معركة “هاستينغز” الشهيرة، ما سرَّع هزيمة الملك “هارولد” على يد الغزاة النورمان. ومن المعقول افتراض أن قوَّات “الغافقي” وظفت نفس التكتيك –وإن لم يكُن بنحوٍ ناجح– ضد الفرنجة. باختصار، كان حَذَر “شارل مارتل” وتوازنه بالإضافة إلى موت خصمه الغير متوقع هو ما جعله يُحقِّق الانتصار، وليس التفوُّق الفطري لأسلوبٍ ثقافي ما في الحرب على الآخر.

فجاجة التأريخ بالخصائص الفاشية:

لمدى مُعيَّن، فإن كل دولة هي جماعة مُتخيَّلة، وتُبْنَى كل الهوَّيات الوطنية وتَتركَّب حول تنظيمات تأريخية للماضي. وكما لاحظ “جون لويس جاديس”، فنحن جميعًا لدينا قصور طبيعي في فهمنا للتاريخ. وباستخدامه للوحة “كاسبار دافيد فريدريش” الشهيرة، “الهائم فوق بحر الضباب” كاستعارة، يذكر “جاديس” أنه بحلول الوقت الذي صرنا فيه مُدرِكين لما حدث فإن الحدث قد صار بالفعل مستحيل المنال، فلا يُمكننا استرجاعه أو استعادته أو إعادة حدوثه كما لو كان تجربةً معملية أو محاكاة حاسوبية. يُمكننا فقط تمثيله أو شرحه. يُمكِننا تصوير الماضي كمنظر طبيعي قريب أو بعيد، تمامًا كما رسم “فريدريش” ما رآه الجوَّال الهائم من فوق كنيسته الشاهقة الارتفاع. يُمكِننا إدراك الأشكال خلال الضباب، يُمكِننا تخمين أهمية تلك الأشكال، وأحيانًا يُمكِننا حتى أن نتفق بيننا وبين أنفسنا على كينونة تلك الأشكال.

رغم ذلك، فباستثناء اختراع آلة للزمن، لا يُمكِننا أبدًا العودة إلى هناك للتحقُّق بأم أعيننا.

باختصار، التواضع الفكري هو أهم ميزة لطالب التاريخ.

ولسوء الحظ، فإن تلك السمة الشخصية لم تكُن قط منتشرة بين الديماجوجيين وقادة فِكْر حركات أقصى اليمين. فبعد كل شيء، يظل “التضاد مع العقلانية” أحد الخصائص المُحدِّدة لتطرُّف الجناح اليميني. وكما أشار “روبرت باكستون” في إحدى دراساته الكلاسيكية: “يحتقر الفاشيون الفِكر والعقل، ويرفضون المناصب الفِكرية بازدراء، وينبذون جانبًا العديد من رفاق دربهم من المُفكِّرين”. وأحد هذه الأمثلة هو “بينيتو موسوليني” وهَوَسه طوال حياته بفكرة “الرومانيتا” وتاريخ الإمبراطورية الرومانية. فالإيطالي الزئبقي المُتقلِّب (موسوليني) كانت قراءته للكلاسيكيات قراءةً ضيِّقة وجزئية في أحسن الأحوال، وقد تأرجحت تلك القراءة وفقًا لتراجعاته الأيديولوجية. فأثناء حياته السياسية المُبكِّرة، عندما كان اشتراكيًا مُعادٍ بشدة لرجال الدين، كان  التاريخ القديم يُستخدَم كنموذج سلبي، حيث علَّق “موسوليني” اضمحلال “روما” على شمَّاعة تأثيرات المسيحية. وفيما بعد، صار الماضي القديم الكلاسيكي مُخصَّصًا مرةً أخرى للدوتشي –هذه المرة بنهايات فاشية– وجرى تقديمه كمُخطَّط إستراتيجي للتوَّسُع الإيطالي في البحر المتوسط.

قد يظُن قادة أقصى اليمين الفرنسيين والأمريكيين المُعاصرين أنهم يفهمون تاريخنا المشترك، إلَّا أن قراءتهم للماضي المُتنوِّع الخاص بالحضارة الغربية هي في الواقع قراءة فجَّة ساذجة، واهنة فكريًّا، وخاطئة في الغالب الأعم.

المصدر:

هذا المقال ترجمة لمقال “إسكندر رحمن” المنشور في 28 نوفمبر/ تشرين الثاني عام 2016م، والكاتب يشغل منصب زميل أول في مركز “بيل” للعلاقات الدولية والسياسة العامة بجامعة “سالفي ريجينا” بولاية رود آيلاند- الولايات المتحدة، وقبل انضمامه لمركز “بيل”، كان زميلاً لما بعد الدكتوراه في معهد “بروكينس”.

أمير عثمان

مترجم مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى