رياضةمختارات

دليل المدرب الذكي.. لماذا ينجح يورجن كلوب دائمًا؟

 

 في المؤتمر الصحفي الذي أعقب فوز فريقه على جاره اللندني نادي أرسنال في ديربي شمال لندن لحساب الجولة الحادية عشر من الدوري الإنجليزي الممتاز، في السادس من ديسمبر/ كانون الأول 2020، امتدح جوزيه مورينيو المدير الفني لنادي توتنهام الإنجليزي عبقرية وذكاء لاعب وسط فريقه الدنماركي بير إيميل هوربيرج، وكان “هوربيرج” قد فاز بجائزة لاعب المباراة بعد تقديمه لعرض كبير في أثناء اللقاء.

 وانضم اللاعب الدنماركي إلى كتيبة المدرب جوزيه مورينيو في الصيف الماضي قادمًا من نادي ساوثهامبتون الإنجليزي.

جوزيه مورينيو مع هوربيرج

قال مورينيو: “بير لاعب ذكي جدًّا، فهو يستطيع قراءة المباراة جيدًا. يعرف كيف يتعامل مع مجريات اللقاء. بالتأكيد سيكون مدربًا عظيمًا يومًا ما. يسألني دومًا لماذا فعلنا هذا ولم نفعل ذلك. يعرف كيف يقرأ الموقف ببراعة عندما يكون على مقاعد البدلاء. هو لاعب قوي بدنيًّا وفنيًّا. بالفعل هو أفضل من الكثيرين. يعتقد البعض أن فقط اللاعبين البارعين فنيًّا هم الذين بإمكانهم صنع شيء خارق، ولكن أنا لا أعتقد ذلك. هذه الآراء تباناها المدربون من ثلاثين أو أربعين سنة ماضية. ما أعتقده أن العبقرية في البساطة، هوربيرج لاعب بسيط وسلس في كل شيء. أبارك للسيد ليفي عليه بكل تأكيد”.

بيير إيميل هويبيرج

نبوءة أم مجاملة ذكية؟

تنبأ مورينيو للاعبه هوربيرج بأنه سيكون مدربًا ناجحًا يومًا ما، مستدلاً على ذلك بذكائه الفني وسلالسته في المباريات، نبؤة تقودنا إلى بعض التساؤلات، بدايةً: هل توجد بالفعل وصفة فعالة ومعايير ثابتة إذا ما اتبعها أحدهم سيكون بالفعل مدربًا ناجحًا في المستقبل؟ وهل ذكاء اللاعبين الفني دليل قطعي على مستقبلهم الباهر في عالم التدريب؟ 

قد تكون كلمات مورينيو عن لاعبه الذي سيصير مدربًا ناجحًا في المستقبل محض مجاملة ذكية ليدفعه لتقديم أفضل ما لديه في الملعب، وهي بالتأكيد دليل قطعي على ذكاء مورينيو نفسه في إدارة فرقته وقد تصدق نبوءته ويصير هوربيرج مدرب كبير يومًا ما. لمَ لا؟  

يوليان ناجليسمان المدير الفني لنادي لايبزج الألماني يطرح لنا وجهة نظر أخرى، فقد صرح لأحد المجلات الألمانية عن رأيه في ماهية المدرب الناجح قائلاً:

“إذا كانت لديك معرفة تكتيكية محدودة فلا يزال بإمكانك أن تكون مدربًا ناجحًا. من ناحية أخرى، إذا كانت لديك صفات تكتيكية رائعة ولكنك لست جيدًا بإدارة اللاعبين فلن تنجح أبدًا”.

يوليان ناجليسمان

في التصريح السابق يطرح لنا المدرب الألماني الشاب رؤيته الخاصة حول نجاح المدرب، فيخبرنا أن القدرات التكتيكية هي جزء من مجموعة أجزاء يجب أن يتحلى بها المدرب. 

وبالنظر إلى تاريخ ناجليسمان ذاته نجد أنه شخصيًّا لم يلعب كرة القدم بنحو احترافي تقريبًا، فقد اعتزل لعب كرة القدم في سن الثانية والعشرين إثر إصابة في الركبة. الشاب الذي نال من النجاح حتى الآن في عالم التدريب ما لم ينله الكثير من عظماء اللعبة.

ناجليسمان كان أصغر مدرب في تاريخ الدوري الألماني بسن 28 عامًا وأصغر مدرب عبر تاريخ دوري أبطال أوروبا، وأصغر مدرب في تاريخ دوري الأبطال يصل إلى نصف نهائي البطولة، ومن ثَمّ صار محط أنظار فرق العالم الكبيرة.

بالطبع توجد أمثلة كثيرة لكل أصناف المدربين وأنواعهم، فيوجد بعض المدربين الناجحين الذين كانوا لاعبي كرة قدم أفذاذًا، ويوجد آخرون كانوا على قمة هرم لاعبي العالم فنيًّا وبدنيًّا ولم يوفقوا في عالم التدريب أو صاروا بالكاد مدربين لفرق في منتصف الجدول أو حتى آخره.

كذلك يوجد من نجح في التدريب ولم يكن في الأساس لاعب كرة قدم، ويوجد من كان لاعبًا عاديًّا وصار من أهم مدربي العالم. إذًا كونك لاعبًا قويًّا فنيًّا ليس دليلاً على أنك ستكون مدربًا عظيمًا والعكس بالعكس أيضًا.

هكذا تكلم بيل والش

بيل والش

 

هل توجد بالفعل وصفة خاصه للمدرب الناجح؟ يُجيب عن جزء من هذا السؤال اللاعب والمدرب الراحل العالمي لكرة القدم الأمريكية الأمريكي بيل والش في الحوار الذي أجراه معه الصحفي ريتشارد رابابورت حول كيفية صناعة فريق ناجح للمجلة الأشهر في العالم لنشر أبحاث ومقالات علم الإدارة هارفرد بيزنس ريفيو، ويُعد والش أحد أساطير التدريب لعبة كرة القدم الأمريكية في مسيرة حافلة بالإنجازات استمرت قرابة 35 عامًا.

يرى والش أنه بتطور مهنة التدريب أصبح للمدربين والمديرين التنفيذين مهارات مماثلة، فالمعرفة بفنيات التدريب فقط لن تقود صاحبها إلى النجاح إن لم تُثقل بالمعرفة الإدارية.

كما يرى أن التدريب قديمًا كان أسهل بعض الشيء، لكون القرار كان يتخذه المدرب منفردًا وعلى الجميع تنفيذه دون مناقشة، فكانت المنظومة تعمل في شكل قالب، إذا لم يكن أحد أفرادها مناسبًا ستلفظه خارجها. نظام ديكتاتوري، كما يصفه، أما الآن صار الأمر أكثر تعقيدًا، فقد صارت الفردية هي السمة الغالبة، ما يتطلب تغييرًا جذريًّا في فن ومهارات التواصل والتطوير التنظيمي، لكي تنحج يجب عليك مشاركة من حولك في اتخاذ القرار سواء أكانوا مساعدين أم لاعبين، كما أنه على المدرب التحلي بالمرونة اللازمة لمعرفة ما يُفيد المنظومة جماعيًّا، وكل لاعب على حدة.

الورقة الأكثر ربحًا

يعتقد والش أن المدرب الأكثر نجاحًا هو الذي يستطيع إثقال لاعبيه بشعور الانتماء نحو ناديهم وجمهور فريقهم ونحوه هو شخصيًّا، فبذلك يكونون مستعدين للتضحية بكل شيء من أجل إسعاد مشجعيهم، ولكي ينجح في إكسابهم ذلك الشعور يجب عليه أن يبدأ بنفسه أولاً فيجب عليه إشعار لاعبيه بأنه هو ذاته ينتمي إليهم، كما يجب أن يتخلى عن الأنا حتى يتمكن من التواصل مع لاعبيه دون خوف.

بالطبع على المدرب التخلي عن الأنا والعمل وفق نظام جماعي يُشارك فيه الجميع في اتخاذ القرار، ولكن إذا ما تعلق الأمر بالثقة بالنفس فيُعد الاعتداد بالذات صحيًّا للغاية، فبطبيعة الحال عندما يثق المدرب بقرارته بالتبعية سيثق اللاعبون به، ما يؤدي إلى التزامهم التام بتعليماته في أثناء المباريات.

لكن على الجانب الآخر قد تؤدي الثقة المبالغ فيها إلى عواقب وخيمة، فقد يصرف فعل “الأنا” هذا المدرب عن القيام بعمله، وقد يقوده إلى الإحساس بذاته أكثر من اللازم ورغبته المتطلعة في صرف الأنظار إليه بصرف النظر عن فريقه، ما يُشكل تهديدًا صريحًا لجماعية ونجاح الفريق.

تلتقي الإدارة بالتدريب في أن كليهما يحتاج من صاحبه إلى دراية واسعة بخبايا اللعبة، وبجانب المعرفة على المدرب الذي يبغي النجاح ألا يهيمن منفردًا على اتخاذ القرارات، وأن يعي أن الفرق الفائزة أشبه بالمنتديات المفتوحة، فالجميع يشارك في اتخاذ القرار، مع وضع ضوابط لمسؤوليات كل فرد في المنظومة.

الحرب العالمية الثانية

الخائف لا يفوز

يتطرق والش إلى أنه على المدرب الناجح معرفة كيفية نزع الخوف من صدور لاعبيه، فبعد التدريبات الشاقة والتكتيكات المعقدة التي يُدرب عليها اللاعبون إذا شعروا بالخوف على أرضية الملعب،  خاصةً إذا كانت المباراة في أرض الخصم، لن يحققوا أي شيء.

يذكر والش أنه كان يناقش مع لاعبيه ذلك الشعور الذي ينتابهم عند الدخول لأرضية الميدان. ويحاول بكل طاقته تحويل رهبة اللاعبين ووضعيتهم كغرباء في الميدان إلى مشاعر يمكنهم استغلالها لتحقيق الانتصار، ويقول عن ذلك إنه كان يستحضر معهم القصص البطولية في الحرب العالمية الثانية، ويحاول محاكاة تلك القصص في الحصص التدريبية عن طريق الرسوم المتحركة ما قد يساعد لاعبيه على تخطي ذلك الخوف.

بالقياس على وصفة والش، إذا أردنا التطرق إلى مثال صغير لما قد يحققه المدرب من نجاح ساحق فسيكون المدرب الألماني يورجن كلوب مدرب فريق ليفربول الإنجليزي.

يورجن كلوب

حقق المدرب الألماني نجاحات كبرى في مسيرته التدريبية حتى الآن وبالأخص مع فريق ليفربول، الذي قاده من جديد إلى قمة فرق العالم بعد سنوات عجاف عاشها الفريق، فحصل على الدوري الإنجليزي بعد غياب 30 عامًا عن القلعة الحمراء، ناهيك بالتتويج بدوري أبطال أوروبا وكأس العالم للأندية، ولا يزال الفريق في قمة عطائه حتى الآن، وبالقياس على مواصفات والش للمدرب الناجح نجد أنها تنطبق تمامًا على كلوب.

يُعرف عن كلوب ثقته التامة بلاعبيه، ويخبر الجميع بأنه لا يفرض على اللاعبين ما يفعلونه في منازلهم بعيدًا عن عينيه لثقته التامة بهم بالخارج كما بالداخل، ما يولد لدى اللاعبين انتماءً تجاهه، كما يُعرف عنه مقابلاته مع جماهير فرقه للتقرب إليهم وخلق حالة من الثقة المتبادلة بينه وبينهم.

كما يُعرف عن كلوب سعيه الدائم لتطوير اللاعبين الأقل جودة وأخذهم لمستويات رفيعة في اللعبة لم تكن تتحقق لهم إلا عبر مدرب مثله.

كل هذه الصفات تقودونا إلى أن الرجل ينطبق عليه وصفة والش لنجاح المدرب، فهو الرجل الذي يخلط علم الإدارة بالتدريب، والذي يُعتبر رأس ماله هو الانتماء، والواثق بقدراته ثقة لا يشوبها الغرور، ولا يهاب الغريم أيًّا كانت قدراته. وعلى الرغم من كل ذلك كان كلوب لاعب كرة قدم عاديًّا للغاية من دون أي شيء مميز.

جوزيه مورينيو

الثابت الوحيد هو التغير

إذًا وصفة مورينيو الحقيقية لنجاح مدرب ما في المستقبل هي أن يعرف كيف يواكب عصره، وأن يتعامل مع كل المتغيرات بجدية فلكي ينجح عليه أن يتعلم من مورينيو نفسه، الرجل الذي يجمع بين القدرات الفنية العالية والثقة بالنفس والانتماء للاعبين وعدم الخوف.

ويتعلم من مورينيو في إخفاقه أيضًا، الإخفاق الذي ينبع نتيجة الجمود الفكري والفني وعدم مواكبة حداثة اللعبة أحيانًا، والإخفاق نتيجة الغرور وإلقاء اللوم على اللاعبين أحيانًا أخرى. 

محمد السيد حجر

مهندس مصري وكاتب رياضي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى