"دماء أخيرة في طُرة"

"أنصار الشريعة".. مستجيرون من "المشنقة" بـ"الموت"

داخل قفصه الحديدي، وقف عمار الشحات أبو سبحة، أحد المتهمين في قضية أنصار الشريعة في أرض الكنانة يُنشد: “هي الدنيا وربِّ البيتِ تَفْنى، فهُبُّوا للجِنان مُشَمِّرِينا”، في نفس الوقت الذي رصدت فيه عدسات الصحفيين تلك الجلسة الإنشادية التي أقامها الجهاديون في قاعة المحكمة.

لم تكن أنشودة “أبو سبحة” جديدة بالكامل، لكنها كانت مزيجًا فريدًا من نشيدين بارزين لتنظيمالقاعدة وتنظيمداعش  كأنه أراد إيصال رسالة ضمنية عن توجهات “أنصار الشريعة” الفكرية، وارتباطاتها التنظيمية، وما إن انتهى من أنشودته حتى هتف رفاقه القابعون خلف القضبان.

في ذلك الحين، لم يدر ببال أي ممن تابعوا تلك الجلسة أن مجموعة الإرهابيين الصغيرة تلك ستنفذ هجومًا آخر داخل محبسهم، في واحدة من محاولات الهرب القليلة من “سجن طرة”، وقع بالفعل مساء 23 سبتمبر الجاري.

عمار أبو سبحة ينشد داخل إحدى جلسات المحاكمة
كالمُستجير من الرمضاء بالنار

تفاصيل محاولة متهمي “أنصار الشريعة” للهروب من “طرة” والإفلات من حبل المشنقة كشفتها وزارة الداخلية المصرية. كان ينتظرهم الإعدام شنقًا بعد تأييد محكمة النقض للحكم على خلفية إدانتهم باغتيال عدد من ضباط وأفراد الشرطة إبان موجة العنف التي ضربت البلاد، عقب الإطاحة بحكم جماعة الإخوان في صيف عام 2013.

غير أن التدقيق في جذور نشأة تنظيم أنصار الشريعة في أرض الكنانة، يكشف سعي أفراده للبحث عن الموت الذي مثّل لهم رمزية الخلاص من الدنيا الفانية إلى الآخرة وحورها الغانية، كما يبدو من كلمات الأنشودة التي اختارها “أبو سبحة” وأنشدها في جلسة محاكمتهم.

في تسعينات القرن الماضي، وفيما كانت مصر تشهد موجة عنف جديدة على يد الجماعة الإسلامية المصرية وتنظيم الجهاد، بدأ أول فصول قصة تنظيم أنصار الشريعة على يد الشيخ مدين إبراهيم، أحد أبرز منظري السلفية الجهادية في محافظة الشرقية، (111.5 شرق القاهرة)، وتلميذه السيد عطا. ففي تلك السنوات تحديدًا، نجح الأول في إقناع الأخير بفكره، وبأنه لا حل في هذا المجتمع الجاهلي إلا عبر التغيير العنيف بالسلاح.

مدين إبراهيم

كانت لـ”إبراهيم” كاريزما خاصة اكتسبها على مدار سنوات طويلة، منذ ميلاده عام 1961 بقرية بساط، إحدى قرى مركز طلخة، (محافظة الدقهلية)، مرورًا برحلته إلى السعودية للتلمذة على أيدي مشايخ السلفية العلمية هناك، وانتهاءً بعودته إلى محافظة الشرقية واستقراره بها.

داخل مسجد “نداء الحق” بمركز الحسينية في الشرقية، التقى مدين إبراهيم تلميذه الأول السيد عطا، وأقنعه بالأيديولوجيا السلفية الجهادية، لكن أعين أجهزة الأمن المصري كانت ترقب المشهد وتتابعه بدقة، قبل أن تتحرك للقبض على الأستاذ وتلميذه ليدخلا السجون مع المئات من الجهاديين الذين أُلقِي القبض عليهم في تلك الفترة.

بعد بضع سنوات، تحديدًا في عام 2007، خرج “إبراهيم”، و”عطا” من السجن، غير أن الأخير قرر السفر إلى السعودية ليعمل محفظًا للقرآن، وهناك التقى رفيقه محمد عبد الرحيم الذي كان عضوًا بجماعة أنصار بيت المقدس (نواة داعش سيناء) واتفقا على العودة إلى مصر؛ والانضمام إلى إحدى المجموعات المسلحة التي نشطت في تلك الفترة.

جماعة أنصار بيت المقدس

في سبتمبر 2013، وصل السيد عطا إلى مصر، وأعاد الاتصال بأستاذه السابق مدين إبراهيم، الذي سافر إلى سوريا في وقت لاحق، كما تواصل مع توفيق فريج زيادة، أحد أمراء تنظيم “بيت المقدس”، واتفقا على إنشاء تنظيم آخر يسمى بـ”أنصار الشريعة في أرض الكنانة”، وذلك لعدة أسباب أهمها تخفيف الضغط على عناصر التنظيم في سيناء، وتشتيت وتضليل أجهزة الأمن المصرية، واستقطاب مجموعات جديدة من الشباب بعد أن فقدت “بيت المقدس” بريقها بسبب العمليات الإرهابية الدموية التي نفذتها.

داخل التنظيم الجديد

عمل السيد عطا الذي كُنّي بـ”أبي عمر” بالتنسيق مع قيادات تنظيم أنصار بيت المقدس، على تجنيد عدد من شباب تيار الإسلام السياسي، وفي مقدمتهم شباب جماعة الإخوان الغاضبين، والشباب المتأثرين بالفكر السلفي الجهادي، وأعضاء حركة “حازمون”، مؤيدي حازم صلاح أبو إسماعيل، وبناءً على هذا الأساس انضم إليه عمار الشحات أبو سبحة -الذي كان والده أحد المقبوض عليهم في التسعينات- وأحمد عبد الرحمن، وهو تلميذ آخر لمدين إبراهيم، وأحد العناصر المرتبطة بتنظيم داعش في العراق وسوريا، وبفرعه المحلي في سيناء.

السيد عطا

في هذه المرحلة، لم يتبنَّ التنظيم إطارًا فكريًّا موحدًا، وإن بدت أفكاره كمزيج من أفكار تنظيمي القاعدة وداعش، كما تجنب أيضًا التعليق على حالة الشقاق الجهادي التي اندلعت بينهما في نهاية 2013.

كان “عبد الرحمن” و”أبو سبحة” فرسَي الرهان في التنظيم الذي نشأ صغيرًا وضعيفًا، إذ اضطلعا بتأسيس سرية اغتيالات عُرفت باسم “سرية أبو بصير”، وتمكنت من تنفيذ 19 من أصل 24 هجومًا إرهابيًّا تبناه التنظيم في الفترة الممتدة من يناير إلى مارس 2014، مستغلَّين مهارتهما في استخدام الأسلحة النارية.

اعتمد “عبد الرحمن” أسلوب اغتيال خاصًّا به، وركز على  إطلاق النيران على رأس هدفه، حتى لُقب بـ”قناص الشرقية”، ولعل اتباعه لهذا الأسلوب تحديدًا نشأ من طاقة الغضب والحقد الكبيرة على ضباط وأفراد الشرطة المصرية، الذي كان يعتبرهم في خصومة ثأرية شخصية معه منذ أن فتشوا منزله وقبضوا على والديه في أواخر 2013.

ليمان طره

بحلول مارس 2014، أبلغت قيادة “أنصار بيت المقدس” السيد عطا بضرورة إعلان انفصال تنظيم أنصار الشريعة عن سرية “أبو بصير” بعد أن لاقت العمليات الإرهابية التي نفذها صدى سيئًا في أوساط الشعب المصري، وكان مقررًا كشف العلاقة بين “سرية أبو بصير” و”بيت المقدس” مع إعلان الانفصال، لكن في نفس التوقيت تقريبًا نجحت أجهزة الأمن المصرية في التوصل إلى معلومات مهمة عن أخطر عناصر “بيت المقدس”، لتتمكن في 9 مارس 2014 من تصفية أحمد عبد الرحمن، ثم اعتقال عبد الرحمن أبو سبحة و23 آخرين هم بقية عناصر التنظيم.

خلف أسوار السجن

داخل السجون وفي قاعات المحاكمة استمرت قصة “أنصار الشريعة” لكن في فصل جديد، فعناصره لم يتخلوا عن أفكارهم وقناعاتهم الأصولية، والتي عبروا عنها بوضوح في أكثر من مناسبة، كان من بينها تهديد الصحفيين الذين يحضرون جلسات المحاكمة بالذبح، وتخويف إحدى الصحفيات غير المحجبات بالعذاب الأخروي في النار “إن لم تتب”، على حد تعبيرهم، في حين كان لعمار أبو سبحة ظهور خاص عبر أناشيده المختلفة: “هي الدنيا”، و”نحن أنصار الشريعة بالعوالي”، والتي اقتبس كلماتها من أبي هاجر الحضرمي، القيادي والمنشد السابق بتنظيم القاعدة في اليمن.

من محاكمة كتائب أنصار الشريعة
النهاية الدموية

كانت نهاية عناصر تنظيم أنصار الشريعة دموية كبدايتهم، فبعد تأييد الحكم بإعدام 3 منهم وبالسجن المؤبد لـ4 آخرين، قرروا أن ينتقموا من رجال الأمن المكلفين بحماية السجن ثم يحاولوا الفرار من داخله، وهو ما حدث بالفعل مساء 23 سبتمبر الحالي، حين هاجموا رجال الشرطة داخل مجمع سجون طرة، الذين تمكنوا من إجهاض محاولة الهرب التي خلفت 4 قتلى من عناصر التنظيم و4 شهداء من الشرطة.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

أحمد سلطان

صحفي مصري

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم

Start typing and press Enter to search