رياضةمختارات

“دم البرغوث”.. كيف يعطي ميسي برشلونة أكثر مما يأخذ؟

أكثر من 4 يورو في الثانية الواحدة.. هذا تحديدًا ما يدفعه نادي برشلونة الإسباني لليونيل ميسي حاليا.. إن كنت تستعد لفتح الآلة الحاسبة لتعرف ما سيؤول إليه هذا الرقم نهاية العام، دعني أوفر عليك هذا العناء وأخبرك أن الرقم سيتجاوز حاجزا مكتوب عليه: 140 مليون يورو سنويا، كأضخم عقد رياضي في تاريخ كرة القدم قيمته 555 مليون يورو في 4 سنوات.

تسريب فجرته صحيفة ألموندو المدريدية مؤخرا تحت عنوان عريض: (العقد الفرعوني الذي دمر برشلونة).. اعترضت إدارة برشلونة، التي كان يقودها حين ذاك جوسيب بارتوميو، على ذلك التسريب وقامت برفع قضية على الصحيفة، لكن هذا ليس موضوعنا على أي حال.

عقد ميسي: تعقيد أزمة البارسا أم حل لها؟

بعد أيام من تسريب ألموندو، نشرت وكالة بلومبرج تقريرا يتناول الوضع المادي العسير لنادي برشلونة في نهاية عام 2020، كأكبر نادٍ تأثر بتبعات جائحة كورونا.. أبرز التقرير ارتفاع ديون النادي بمقدار 488 مليون يورو، بالإضافة إلى تراجع دخل النادي بمقدار 200 مليون يورو نتيجة لغياب الجماهير عن المدرجات.

أضف إلى كل ذلك أزمة توفير أجور اللاعبين التي تم تصديرها في وسائل الإعلام بشكل متزايد، ليصل إجمالي المبلغ المطلوب لحل أزمات النادي حاجز المليار يورو.

قد يتساءل أحدهم: هل من المنطقي أن يدفع نادٍ يواجه أزمات مالية تبلغ المليار يورو، عقدا قيمته تتجاوز نصف مليار يورو في أربع سنوات للاعب واحد؟ حتى إن كان هذا اللاعب ليونيل ميسي؟

ليونيل ميسي

أثبتت السنوات الخمس الأخيرة (وحتى لحظة القبض عليه) أن جوسيب بارتوميو ليس من مدرسة الرؤساء المؤمنين بهوية الفرق الرياضية، كما أنه ليس من المنصتين الجيدين للجماهير، فلم يكن السبب وراء دفع ذلك المبلغ الحفاظ على هوية كرة الفريق، أو محاولات تهدئة موجات الغضب من الجماهير الكتالونية بكل تأكيد.

حيث يوضح تقرير مفصل أصدرته وكالة TheAthletic بعد تسريب عقد ليونيل بأيام، أن قيمة عقد ميسي تلك، هي أحد الحلول الهامة للخروج من الأزمة التي يعاني منها برشلونة، وليست أحد مسبباتها على الإطلاق.. فكيف ذلك؟

عقود الرعاية، وعوائد بيع تذاكر المباريات، وعوائد بيع القمصان.. ثلاثة عوامل أبرزها التقرير -على الترتيب من الأكبر قيمة إلى الأقل- في محاولة للنظر إلى قضية تسريب العقد من منظور آخر: ماذا يعطي ميسي لبرشلونة ماديا مقارنة بما يأخذ؟

رعاية مشروطة

بعد عقد رعاية “نايكي”، يأتي عقد رعاية شركتي (Rakuten) اليابانية و(Beko) التركية، في مقدمة عقود الرعاية في النادي الكتالوني من حيث القيمة المادية.

في عام 2017 أعلنت شركة Rakuten عن عقد ضخم لرعاية البلوجرانا يمتد لأربع سنوات، بقيمة 55 مليون يورو سنويا، كان البرغوث الأرجنتيني أحد أهم وسائل إقناع الشركة اليابانية.. لا دليل على ذلك أكبر من اختصاص رئيس الشركة اليابانية (هيروشي ميكيتاني) للأسطورة الأرجنتينية بالذكر والتحية في مؤتمر الإعلان عن عقد الرعاية.

في نهاية عام 2020 وعند ميعاد تجديد عقد الرعاية، كانت أزمة رحيل ميسي عن الفريق ظهرت على السطح، وهو ما جعل Rakuten تكتفي بتجديد عقد الرعاية لمدة عام واحد فقط مقابل 30 مليون يورو سنويا وليس 55 مليون يورو كما كان الحال، وتنتظر الشركة لترى ما ستؤول إليه الأمور.

شركة Beko هي الأخرى والتي قدمت عقد رعاية تبلغ قيمته 57 مليون يورو في ثلاث سنوات تنتهي في صيف 2021، لم تُقدم على أي محادثات لتجديد التعاقد حتى الآن، وخرجت بعض التقارير الصحفية التي تؤكد أنها ستتبع مسار شركة Rakuten في تجديد التعاقد لمدة عام واحد فقط وبسعر أقل من ذي قبل.

هبوط قيمة عقدين من أكبر عقود الرعاية في برشلونة لما يقارب 50% من قيمتهم السابقة بسبب عدم التأكد من وجود ميسي مستقبلًا، يوضح لك أهمية وجود اسم البولجا على منضدة مفاوضات فريق التسويق بالنادي.

ميسي يجلب لك أكثر مما تنفقه عليه بكثير.. عوائد برشلونة في السنوات الأخيرة مدينة بالفضل لليونيل ميسي، فعقود الرعاية بوجود ميسي تختلف كليا عن عقود الرعاية بدونه.

تصريح خوان لابورتا الرئيس الجديد لفريق برشلونة الإسباني.

ميسي

بيع وشراء روح الفريق 

في موسم 2018/19 جنى فريق برشلونة 93.7 مليون يورو عوائد تذاكر المباريات، مقسمة بين تذاكر الأعضاء السنوية لحضور المباريات، وتذاكر المرة الواحدة للسياح وغير الأعضاء بالنادي، وباقات VIP في استاد الكامب نو.

باع النادي في ذلك الموسم 900 ألف تذكرة (71.6 مليون يورو) و15 ألف باقة VIP (22 مليون يورو)، كانت الغالبية العظمى منهم من زائري المرة الواحدة، سواء من الإسبان أو من السياح، وليس من الأعضاء أو المشتركين السنويين.

أي إننا إذا نظرنا للأمر من منظور مادي بحت، فإن زوار المرة الواحدة لملعب الكامب نو أهم بكثير من الأعضاء والاشتركات السنوية.

يُرجع الفريق التحليلي لموقع TheAthletic ما يزيد على 30% من تذاكر المرة الواحدة، كحد أدنى، إلى رغبة الجماهير في رؤية اللاعب الأفضل في العالم، والاطلاع عن قرب على هوية فريق برشلونة التي كان لميسي نصيب كبير في خلقها، ونصيب الأسد في الحفاظ عليها في السنوات الخمس الأخيرة.

ساعد كل ذلك في استمرار تلك العائدات دون تأثر بالرغم من تراجع المستوى الجماعي للفريق، إلا أن ميسي كان حاضرا دائما وكفيلا بالحفاظ على بريق الهوية الكتالونية ولو بشكل نسبي.

أما على نطاق بيع منتجات النادي، لا سيما قمصان الفريق، فقد ربح الفريق الكتالوني نحو 60 مليون يورو في الموسم ذاته. ولكي تدرك مدى تأثير البولجا الأرجنتيني، فإن 8 من كل 10 قمصان باعها النادي الكتالوني كانت تحمل اسم ليونيل ميسي (أي نحو 80% من القمصان المباعة).

من الرابح؟

كما ترى، نحو 50% من قيمة عقود الرعاية مرهون بوجود ليونيل ميسي، وما يزيد على 30% من الزيارات السنوية للكامب نو كان سببها ميسي، ومبيعات قمصان ومنتجات النادي مرتبطة دائما باسم البولجا.

ثمة شئ آخر يجب الانتباه إليه، وهو أنه دائما ما كانت هناك مقارنات وانتظار لتحقيق ميسي مع “أديداس” ما حققه اللاعب الأمريكي وأسطورة NBA “مايكل جوردان” مع علامة “نايكي” التجارية بكونه أيقونة تجارية مميزة ومفتاح لعصر جديد من المبيعات والأرباح.

لم يحدث ذلك لسببين: أولهما أن الوضع الاقتصادي الحالي الذي تتحرك فيه “أديداس” (رغم تحقيقها أرباحا خيالية) ليس كالوضع الذي راهنت فيه شركة “نايكي” على “مايكل جوردان” في بداية مسيرته، والثاني، وهو الأهم، أن ميسي لا يمتلك شغف خلق العلامات التجارية أو التسويق لها ككريستيانو رونالدو ونيمار.

الشاهد في الأمر أن ميسي سخّر حياته وسُبُل تسويق نفسه من أجل برشلونة بشكل كبير، سواء بإرادته أو بدونها، لذلك كان من المنطقي أن يحصل على العقد الأكبر رياضيا في التاريخ، ولأنه كما قال “لابورتا” للصحافة السويسرية: “يجلب أكثر بكثير مما يُنفق عليه”.

أحمد ماهر

كاتب رياضي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى