سياسةمختارات

دولارات الدم.. شبكات تمويل “داعش أمريكا”

 

حملة تدقيق وتتبّع لمصادر تمويل الجماعات الإرهابية بدأتها الولايات المتحدة منذ هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، بعد نجاح تنظيم القاعدة في التسلل إلى الأراضي الأمريكية وشن أكبر هجوم إرهابي في القرن العشرين، وركزت الحملة على تتبع مصادر وطرق تمويل التنظيمات والجماعات الإرهابية، وتمكنت على مدار العقدين الماضيين في كشف وإحباط العديد من المؤامرات لتنفيذ هجمات على الأراضي الأمريكية، ومع ذلك أفلتت الجماعات أحيانًا من أيدي التتبع والرصد.

وشكّل بروز تنظيم “داعش” على ساحة الجهاد المعولم في 2013 تغييرًا جذريًّا في إستراتيجيات وتكتيكات الجماعات المسلحة، خاصةً في مسألة تمويل العمليات الإرهابية، فقد اعتمد “داعش” على مصادره وموارده الداخلية، ولم يكن بحاجة إلى تحويل أموال من الخارج، واعتمد التنظيم على مصدري تمويل أساسيين، هما الضرائب التي يفرضها على الأهالي في مناطق سيطرته، إضافة إلى تجارة النفط في السوق السوداء، وعندما واجه مشكلات في استخراج وبيع النفط، لجأ إلى زيادة الضرائب، وتمكن من “التكيف التشغيلي” -الاستمرار في مهامهم دون خفض إيرادات النفط- ليثبت أنه “أغنى تنظيم إرهابي عالمي”.

عناصر تنظيم داعش

في التوقيت نفسه، ظهرت شبكات كبيرة داعمة للتنظيم في دول عدة، منها الولايات المتحدة، بحسب دراسة جديدة أصدرها برنامج مكافحة التطرف في جامعة جورج واشنطن الأمريكية بعنوان “دولارات من أجل داعش.. تحليل شبكات تمويل مناصري داعش الأمريكيين“.

كانت شبكات “داعش” تعمل بفاعلية كبيرة في الدول التي تنشط بها، وتمكنت من تنفيذ نحو 80 عملية إرهابية وفقًا للدراسة، لكن غالبيتها كانت عمليات صغيرة لا تحتاج إلى تمويلات ضخمة، ومُوّلت في الغالب عن طريق الرواتب الشخصية لمنفذي الهجمات، وهو الأمر الذي يمثل تهديدًا إضافيًّا لجهود مكافحة الإرهاب العالمي.

واعتبر بعض المتخصصين أن إستراتيجية التضييق وقطع الدعم المادي عن التنظيمات الإرهابية “غير مجدية” وأنها صارت بلا معنى، بسبب إيجاد مناصري “داعش” مصادر تمويل بديلة، لكن المؤيدين لإستراتيجية “الخنق المادي” يرون أنها مفيدة حتى لو أسهمت في جعل حياة “الإرهابيين” أكثر صعوبةً فقط.

أمريكا ثانيًا

ووفقًا للدراسة، فإن غالبية أنصار “داعش” يحصلون على التمويل بطريقة شخصية، لكن بعضهم ما زال يحتاج إلى الدعم المادي لتنفيذ الهجمات، وهو الدور الذي تقوم به شبكات الدعم المالي للتنظيم.

شبكات التمويل

ففي أوروبا مثلاً اعتمد أنصار التنظيم على طرائق غير مشروعة في الحصول على التمويل، خاصةً أن معظمهم لديه خلفيات إجرامية، ويستفيدون من استخدام شبكات الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي في هذا الغرض.

وتنشط شبكات التنظيم على نحو كبير في القارة العجوز، وحلت أمريكا ثانيةً من ناحية النشاط الداعشي، فمنذ 2013 حتى الآن اعتقلت السلطات الأمريكية 2019 شخصًا بتهمة القيام بأعمال لها علاقة بالتنظيم، في حين سافر نحو 300 آخرين إلى معاقل التنظيم في سوريا والعراق.

وأجرى برنامج مكافحة التطرف تحليلاً لحالات المتهمين الأمريكيين، لمعرفة كيفية حصولهم على التمويل للقيام بالأنشطة الإرهابية، وذلك في إطار السعي لتقديم صورة موضوعية لصانع القرار الأمريكي وغيره، لتعينه على مكافحة الإرهاب.

ووفقًا للتحليل، فإن معظم أنصار “داعش” لم يحتاجوا إلى تمويل إضافي لتنفيذ الهجمات، لأنهم ركزوا على القيام بعمليات صغيرة وكانوا يموّلونها عبر مدخراتهم الشخصية، في حين احتاج نحو 30% منهم إلى تمويل، في الفترة من 2012 إلى 2013، وكانوا يحصلون عليه بطرائق قانونية وغير قانونية.

وحصل 23% من أنصار “داعش” على التمويل بالفعل عبر 5 طرائق قانونية تشمل جمع التبرعات؛ 39 شخصًا جمعوا تبرعات واستخدموها في تمويل الإرهاب، إضافة إلى بيع الممتلكات الشخصية. وكانت الطريقة الثالثة هي زيادة الحد الائتماني الممنوح لهم من البنوك، واعتمدت الطريقة الرابعة على رفع دعوى إصابة واستخدام التعويض في أنشطة إرهابية، والطريقة الأخيرة كانت استخدام عائد ضريبة الدخل في تمويل النشاط الإرهابي.

كانت نسبة تمويل الأنشطة الإرهابية بطرائق غير قانونية محدودة جدًّا، لم تتجاوز 6%، فأنصار “داعش أمريكا” لم يكونوا من ذوي الخلفيات الإجرامية.


بخلاف ذلك، توجد 6 طرائق لتمويل الأنشطة الإرهابية على نحو غير قانوني هي: التزوير، والسحب من المساعدات المالية المخصصة لأمور كالتعليم أو العلاج، وبيع السلاح والسرقات المسلحة وتجارة المخدرات والاحتيال المصرفي والاختلاس.

تكتيكات نقل الأموال

استخدم أنصار “داعش” في الولايات المتحدة وسائل عدة لنقل الأموال والأدوات المختلفة، سواء داخل أمريكا وخارجها، وذلك بغرض إيصالها إلى التنظيم، وهي: التسليم يدًا بيد، وتستخدم هذه الطريقة لنقل أو تسليم المبالغ الصغيرة، وكانت الطريقة الثانية هي التحويل البنكي، لكنها لم تكن آمنة بسبب نظام الأمن في المنظمات البنكية الأمريكية.

الطريقة الثالثة استُخدمت في نقل الأموال غير البنكية وخدمات تحويل القيمة، والتي استُخدِمت فيها شركات مثل “موني جرام، وويسترن يونيون”.

ويُفضل أنصار التنظيم الطرائق السهلة وغير المعروفة، كما حاولوا أيضًا استخدام العملات المُشفّرة كـ”البيتكوين” عبر وسائل التواصل صاحبة الشفرة مثل تليجرام، لكن هذه الطريقة نجحت الولايات المتحدة في تتبعها بسهولة نسبية، كما حاول أنصار التنظيم استخدام غسل الأموال وشحن المبالغ المالية والأدوات لأشخاص سافروا بالفعل إلى دول أخرى.

شبكات الدعم

قسّمت الدراسة أنصار التنظيم طبقًا لشبكات الدعم المادي إلى 4 فئات هي: الأنصار غير المدعومين من أي شبكة والذين يعملون في عزلة أو داخل شبكة ولكن لم يحصلوا على دعم، وخُصصت الفئة الثانية للأشخاص الذين كانت لديهم شبكات دعم سابقة مثل العائلة أو الأصدقاء، وهؤلاء لهم دور كبير في تكوين الإرهابي ودعمه المادي، وضمت الفئة الثالثة المدعومين من شبكات جديدة، والتي انضموا إليها غالبًا عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي، وعادة ما تكون كلها داخل الولايات المتحدة، وكانت الفئة الرابعة للمدعومين مباشرة من التنظيم، والذين وُكلت إليهم مهمة تجنيد عناصر جديدة.

وبحسب مصدر وصفته الدراسة بـ”الموثوق”، فإن 8 متهمين أمريكيين فقط تورطوا في تحويلات مالية مباشرة مع تنظيم “داعش”.

الخلاصة

من خلال التحليل السابق، يمكن استنتاج أن طبيعة التهديد الإرهابي وتمويل العمليات الإرهابية داخل الولايات المتحدة “منخفضة وتمت في حيز ضيق”، فأنصار “داعش” داخل الولايات المتحدة يستخدمون طرائق بسيطة لجمع ونقل الأموال، كما أنهم لا يقومون بعمليات تحتاج إلى مبالغ كبيرة.

ويعتبر تمويل “داعش” في أمريكا أضعف مقارنة بـ”القاعدة” و”حماس” و”حزب الله” رغم تفوقه عليهم عملياتيًّا، ويرجع ذلك إلى طبيعة تأسيس “داعش” في أمريكا، والتي تختلف عن “القاعدة” و”حزب الله”، اللذين وضعا خططًا وآليات واضحة للحصول على تمويل أنصارهم داخل البلاد ونقل هذه الأموال إلى خارج أمريكا أيضًا.

أما بالنسبة إلى تنظيم “داعش” فكانت شبكاته المؤسسة جماعات متفرقة وتابعة لتنظيم “القاعدة”، سابقًا، في سوريا والعراق، ولم يهتموا بتكوين قاعدة صلبة من الأنصار في الولايات المتحدة، وحين تعافى التنظيم بحلول 2013 و2014 لم يكن يسعى لتكوين شبكات دعم كبيرة في الغرب، بل ركز على محاولة تنفيذ عمليات استعراضية، وبالتالي فلم يتمكن من إنشاء وتأسيس آلية واضحة لجمع ونقل الأموال، كما أن الأمر صار أصعب حاليًّا بعد التشديد الأمريكي المفروض لمواجهة الإرهاب.

وتتوقع الدراسة ألا تؤدي عملية “خنق داعش ماليًّا” في الولايات المتحدة إلى نتائج كبيرة، خاصةً أن أنصار التنظيم يمتلكون مهارات عالية في استخدام التكنولوجيا والتخفي عبر شبكة الإنترنت، ومن المتوقع أن يعتمدوا عليها في مسألة التمويل في المستقبل القريب، لذلك على صناع القرار دائمًا العمل على وضع إستراتيجيات متطورة لمنع تمويل الإرهاب، على أن تتواكب مع سرعة تطور طرائق التمويل لدى الإرهابيين.

 

سارة رياض

باحثة مصرية مساعدة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى