زوايا

“دولة السلطان”: قراءة تاريخية في ظهور كتب الآداب السلطانية

على الرغم من كثرة وتعدد الكتب والمصنفات التي أنتجتها الحضارة العربية الإسلامية في شتى العلوم والمعارف عبر القرون، فإن كتب الآداب السلطانية –تحديداً- تحظى بمكانة متفردة، وذلك لما في مادتها من تمازج ثقافي- سياسي فريد من نوعه.

يمكن القول إن هناك مجموعة من السمات العامة المميزة لكتب الآداب السلطانية، من أهمها أنها قد وجهت إلى الملوك والأمراء والسلاطين تحديداً دوناً عن غيرهم من طبقات المجتمع، فعلى سبيل المثال صنَّف الوزير نظام الملك الطوسي كتابه الشهير “سير الملوك” للسلطان السلجوقي محمد بن ملكشاه، وكذلك كتب أبو حامد الغزالي كتابه “التبر المسبوك في مناصحة الملوك” للسلطان نفسه. من بين تلك السمات أيضاً أنها قد مزجت بين الثقافة الإسلامية من جهة، والموروثات الثقافية القديمة -كاليونانية والفارسية والسريانية- من جهة أخرى، هذا فضلاً عن اهتمام تلك الآداب بتشكيل نوعاً من أنواع التدابير السياسية- الاجتماعية، والتي اعتمدت في جزء كبير منها على التاريخ، واهتمت بتقديم مضامينها في صور فنية أدبية.

في كتابه “دولة السلطان: جذور التسلط والاستبداد في التجربة الإسلامية”، يتعرض الباحث المصري الدكتور أحمد سالم للظروف التاريخية التي أنتجت كتب الآداب السلطانية، ليوضح كيف أسهم التلاقح الثقافي الفارسي- العربي في ظهور ذلك النوع المميز من الكتابات.

الآداب السلطانية
غلاف كتاب دولة السلطان

جدلية الوحي والتاريخ

في الفصل الأول من كتابه، يطرح الدكتور أحمد سالم سؤالاً مهماً عن حدود التفاعل بين الوحي والتاريخ في الإسلام، كما يتساءل عن حدود العلاقة بين الدين الإسلامي ودولة الخلافة، وإذا كان الإسلام قد قدَّم نظرية سياسية متكاملة عبر القرون الماضية؟

في سياق مناقشته لتلك الأسئلة المهمة، يعمل المؤلف على الرجوع للبيئة الجغرافية الحاضنة للإسلام المبكر، فيؤكد على أن الإسلام الذي ظهر في شبه الجزيرة العربية في بدايات القرن السابع الميلادي، قد عرف بوادره الأولى في مجتمع القبيلة. بحسب المؤلف كانت القبيلة هي “الرحم الذي يحمي مجموع الناس المنتمين إليها من إغارة الآخرين عليها، فاستمرار حياتهم كان مرتبطاً بانتماء الفرد للقبيلة، والإنسان عندهم يقوى بأبنائه وأبناء عمومته والأقربين، ولهذا لم يكن للدولة أي معنى لدى العربي إلا أنها دولة القبيلة”.

في هذا المجتمع، كان لشيخ القبيلة سلطات واسعة، ذلك أنه كان من المعتاد أن يعلن عن الحرب وأن يقوم بتوزيع الغنائم بين المقاتلين. من جهة أخرى، كان من المنتظر أن يتحلى هذا الشيخ بمجموعة من الصفات الإيجابية، ومن بينها الشجاعة، والكرم، والحلم، والثروة، وجودة النسب.

مع ظهور الإسلام، عمل الرسول على إحلال الدين محل الروح القبلية، فكان الإسلام هو الرابطة الجديدة التي جمعت العديد من القبائل في نظام سياسي واحد. على الرغم من تمكن الدين من اجتذاب قلوب وأفئدة المسلمين، إلا أن القبلية ظلت مسيطرة وقائمة، وهو ما ظهر بشكل جلي في أحداث سقيفة بني ساعدة، عندما تنافس المهاجرون والأنصار فيها بشراسة على كرسي الخلافة، ولم يلبث الهاشميون أن دخلوا إلى ساحة التنافس بعد ذلك، عندما شعروا باغتصاب حقهم في ولاية الأمر من قِبل عشائر بني تيم وبني عدي، وهي العشائر التي انتمى إليها كل من أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب.

اتساع الدولة الإسلامية في عهد عمر بن الخطاب، تسبب في تعرف المسلمين على العديد من الثقافات القديمة، الأمر الذي ظهرت نتائجه في الخطوة المهمة التي أقدم عليها الخليفة الثاني عندما دون الدواوين في مصر والعراق والشام وبلاد فارس، وحافظ على استخدام اللغات الأصلية في تلك الدواوين، مخافة أن تختل أعمالها إن استبدلت لغاتها باللغة العربية.

ويرى المؤلف أن حادثة مقتل الخليفة الثاني عمر بن الخطاب في 23ه على يد الفارسي أبي لؤلؤة المجوسي، ترمز إلى أن “هناك أجناساً وألواناً جديدة أصبحت فاعلة في مسار الحكم في الدولة الإسلامية”، وأن الفرس الذين شعروا بالغضب من تفوق العنصر العربي قد عملوا على التعبير عن ذلك الغضب من خلال الاشتراك في تلك المؤامرة.

الصراع القبلي سيطفو على السطح مرة أخرى إبان الثورة على الخليفة الثالث عثمان بن عفان في 35ه، ذلك أن الثوار -المنتمين إلى قبائل شتى- قد سائهم تسلط بني أمية وتحكم رجالها في شؤون الدولة، فثاروا ضد الخليفة وقتلوه، وبعدها بايعوا علي بن أبي طالب ودخلوا معه في حربه الضروس ضد قوات والي الشام القوي معاوية بن أبي سفيان، المطالب بثأر عثمان بن عفان.

الآداب السلطانية
شهدت فترة الخلافة الراشدة قلاقل واضطرابات

 

اقرأ أيضا: كيف تم إقصاء الآخر المذهبي في الفكر السُّني؟

الدولة الأموية: المنطق النفعي للسياسة

بعد أن تعرض المؤلف لبعض الأحداث السياسية المهمة في عصر دولة الخلافة الراشدة التي أنتجت كتب الآداب السلطانية، عمل على المرور على أهم الأحداث السياسية في الدولة الأموية، والتي كان معاوية بن أبي سفيان أول خلفائها.

يقول الدكتور أحمد سالم، موضحاً أهم اختلافات الدولة الأموية عن الدولة الراشدة “على يد معاوية تحولت الخلافة إلى ملك عضوض، ووراثة لأمور الحكم في عائلة واحدة، وتحول نظام الحكم تحت إمرة بني أمية إلى نظام للحكم الكسروي”.

من المؤكد أن هذا التحول الكبير –من الخلافة إلى الملك- قد أكد على الصبغة السياسية في منصب الخلافة، ومع ذلك فأن الأمويين قد استخدموا الكثير من الطرق بغية الحفاظ على مكتسباتهم السياسية والمادية، ومن أهم تلك الطرق توظيف الدين، إذ “وظف بنو أمية المفاهيم والمعتقدات الدينية من أجل تبرير وجودهم السياسي، ولهذا روجوا أن توليهم لأمور الحكم جاء وفقاً لقضاء الله وقدره، وبالتالي فعلى المسلمين بشتى فرقهم ومذاهبهم قبول ذلك، وألا يخرجوا عليهم…”.

من أهم الروايات التي يسوقها المؤلف للتأكيد على النزعة الجبرية التي عمل ملوك بني أمية على نشرها بين المسلمين، ما نقله ابن المرتضى في كتابه “المنية والأمل في شرح الملل والنحل”، نقلاً عن معاوية “لو لم يرني ربي أهلاً لهذا الأمر ما تركني وإياه، ولو كره الله ما نحن فيه لغيره”، وقوله في موضع أخر “أنا عامل من عمال الله أعطي ما أعطى الله، وأمنع ما منعه الله”.

الأمويون عملوا في السياق نفسه على استخدام الغنائم والأعطيات لترسيخ حكمهم وسلطتهم، إذ كانت الأموال تفرق لشراء بيعة الناس لولاية العهد، وكثيراً ما مُنع المعارضون من التحصل على أموالهم وحقوقهم بهدف إجبارهم على البيعة، في حين لجأ الخلفاء الأمويون إلى السيف والقوة في الكثير من الأحيان، فرسخوا قيم الطاعة والولاء بين الرعية، وفي ذلك يذكر المؤلف القول المشهور عن الحجاج بن يوسف الثقفي “لو أمرت الناس أن يخرجوا من باب المسجد فخرجوا من باب أخر لحللت دماءهم وأموالهم”، ومما لا شك فيه أن عصر الحجاج قد شهد الكثير من عمليات القتل والإرهاب، والتي راح العشرات والمئات من المعارضين ضحية لها، حتى قيل إن عدة من قُتل في عهده مائة وعشرين ألفاً.

المؤلف أشار بعد ذلك لتطور الصراع القبلي- الشعوبي في العصر الأموي، إذ أكد على تعصب بني أمية للعنصر العربي على حساب بقية الأجناس، فاعتبروا أن “تزاوج الموالي والعرب جريمة لا تغتفر”، وفرضوا الجزية على الموالي رغم إسلامهم، وضيقوا عليهم في أمور الرئاسة والقيادة، وفي ذلك يذكر ابن عبد ربه في كتابه “العقد الفريد” أن الحجاج بن يوسف قد أصدر أمراً بعدم تصدي الأعاجم لإمامة الصلاة، كما أن الأمويين قد فرضوا أن يكون زواج نساء الموالي بيد أوليائهم من العرب، دوناً عن أقاربهم. ومن هنا يمكن القول إن الأمويين قد نظروا للأعاجم بنظرة مترفعة، وعاملوهم بشكل مهين ومزري، مما تسبب في ظهور الحركة الشعوبية المعادية للعنصر العربي.

مع ذلك كله، يجادل المؤلف بأن الظروف السياسية والفكرية التي تواكبت مع عصر السيادة الأموية، قد سمحت بظهور جيل جديد من الموالي المسلمين، الذين أجادوا لغاتهم الأصلية، وأجادوا العربية في الوقت نفسه، وكان لهم دوراً مهماً في عملية تعريب الدواوين ونقل الثقافة الفارسية إلى العرب، ومن أبرز هؤلاء كل من عبد الحميد بن يحيى الكاتب، والذي كان يكتب للخليفة الأموي الأخير مروان بن محمد، وعبد الله بن المقفع، الذي ظهر في أواخر الدولة الأموية، ولعب دوراً محورياً في نقل الآداب الفارسية والتاريخ الساساني إلى اللغة العربية.

 

الآداب السلطانية
غلاف كتاب العقد الفريد

الدولة العباسية: انصهار القومي والثقافي

كان لتعصب الأمويين للعرب دوراً مهماً في إثارة الأحقاد لدى الأعاجم، ولا سيما أهل خراسان، أولئك الذين انخرطوا في حركة ثورية شيعية غامضة نوعاً ما، وكان الهدف المُعلن لها هو مبايعة “الرضا من آل محمد”.

تلك الثورة التي ستنتشر بسرعة في الناحية الشرقية من دولة الخلافة، سيتمكن قادتها من البيت العباسي من الإطاحة بالحكم الأموي في سنة 132ه، وسيصبح أبو العباس السفاح أول خليفة عباسي يصل إلى كرسي الخلافة عقب قتل الخليفة الأموي الأخير مروان بن محمد في صعيد مصر.

العباسيون عملوا على الانتقام من الأمويين بكل وسيلة ممكنة “فلم تأخذهم رأفة بأطفال الأمويين، ونسائهم وشيوخهم، وقتلوا حتى من أستأمن منهم، وبحثوا عنهم في كل حدب وصوب، واجتثوا أصولهم وفروعهم…”.

التغير الذي لحق بدولة الخلافة عقب الانتصار العباسي في بعض كتب الآداب السلطانية، لم يقتصر على تغيير الأسرة الحاكمة فحسب، بل وصل للمنظومة الفكرية السياسية السائدة كذلك “لأن تغيير مركز الخلافة من دمشق إلى بغداد جعل الخلافة على مقربة من التركة الفارسية في كل شيء، في الثقافة السياسية والدين والتقاليد”. الموالي الفرس –الذين مثلوا وقود الثورة العباسية- سرعان ما وصلوا للمناصب الكبرى في الدولة، وتولوا شؤون الوزارة والدواوين وغيرها من أمور الحكم “حتى أصبح نظام الحكم عند العباسيين مماثلاً لما كان عليه في بلاد الفرس أيام آل ساسان”، وكان من نتائج ذلك التغيير أن العباسيين تأثروا بالفكرة الفارسية التي تذهب إلى أن الشاه يحكم بتفويض من الله، الاعتقاد الذي ظهر في القول المنسوب إلى الخليفة العباسي الثاني أبو جعفر المنصور “أنا ظل الله في الأرض”.

في ذلك العصر، ظهر منصب الوزارة للمرة الأولى في تاريخ المسلمين، فكان الداعية أبو سلمة الخلال هو أول من سُمي بالوزير، وذلك في بدايات الدولة العباسية، ومما ينبغي ملاحظته ها هنا أن معظم الوزراء العباسيين كانوا –بالأساس- كتاب ديوان ثم ترقوا إلى مناصب الوزارة، وكان السبب الرئيس في ذلك هو “عجز العرب عن إدارة شؤون الدولة على المستوى الإداري بمفردهم، وعدم دراية العرب بشؤون الدولة السياسية”.

التقارب العباسي- الفارسي سيصل إلى الذروة مع وصول عبد الله المأمون إلى السلطة، فالخليفة الذي كانت أمه جارية فارسية عند هارون الرشيد، سيستعين بأهل خراسان في حربه ضد أخيه محمد الأمين، المؤيد من العنصر العربي، وعقب انتصاره، سينقل عاصمته لفترة إلى مدينة مرو، وسيطلق يد أخواله من الفرس في إدارة شؤون الدولة.

الآداب السلطانية
حدث تقارب كبير بين الفرس والعرب في عصر الدولة العباسية

 

حالة امتزاج الأجناس والثقافات في العصر العباسي، ترتب عليها مجموعة من النتائج المهمة، ومن بينها “حدوث تزاوج على المستوى المادي بين الأعراق المسلمة، وحدوث أيضاً تزاوج على المستوى الثقافي… وكان من ضمن عمليات النقل، نقل الفرس لنظم الإدارة والحكم، وآداب الملوك، أو مرايا الأمراء… فكانت أعمال ابن المقفع، وعبد الحميد الكاتب تمثل نقل تراث السلطة والملك من الدولة الفارسية إلى الإسلام، بينما مثلت أعمال ابن سلام والشيباني، وأبي يوسف جهود الفقهاء لتنظيم شؤون الدولة، أما أعمال الماوردي وابن جماعة والطرطوشي فهي جهود لدمج التراثين في صياغة موحدة، لم تستطع أن تنفي التناقض بين المصدرين المعتمدين”.

بعد ذلك يُفرد المؤلف مساحة واسعة من كتابه لعرض نماذج واقتباسات من كتب الآداب السلطانية المشهورة في الحضارة العربية الإسلامية، ومنها على سبيل المثال، كل من بدائع السلك في طبائع الملك لابن الأزرق، وآداب الملوك لابن رزين، والجوهر النفيس في سياسة الرئيس لابن الحداد، وسلوك المالك في تدبير الممالك لابن الربيع، وسراج الملوك لأبي بكر الطرطوشي، والأحكام السلطانية لأبي الحسن الماوردي.

ويخلص المؤلف من هذا العرض الموسع إلى أن كتب الآداب السلطانية قد اهتمت بثلاثة مستويات -السلطان والحاشية والرعية- وبينما أسبغت صفات القداسة والاحترام والتبجيل على السلطان، باعتباره ظل الله في الأرض، وحددت الواجبات والالتزامات المفروضة على الحاشية المصاحبة للسلطان، فأنها قد أهملت الرعية باعتبارهم كماً مهملاً، فهم لا يتدخلون في صناعة القرار السياسي، ولا يؤثرون في معادلات السلطة والحكم.

محمد يسري أبوهدور

كاتب وباحث مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى