دولة حسن البنا المقدسة

أحمد الشوربجي

كاتب إسلامي

تنطلق الجماعات والتنظيمات الإرهابية المسلحة نحو مشروعها الدنيوي على الأرض حاملة معها الموت والقتل بوحي ديني متخيل، متوعدة كل من يقف في طريقها بالذبح، مسترخصة في سبيل الوصول لهدفها كل شيء حتى لو كان هو الإنسان ذاته الذي كرمه الله ونفخ فيه من روحه.

لدى هذه الجماعات وفي القلب منها الإخوان اعتقاد راسخ أنها تمثل الإله على أرضه، وأن مشروعها هو دين أمرهم الله أن يقيموه حتى لو أدى ذلك لسحق كل البشر أو تدمير الأوطان وضياعها، فكل شيء لا يهم، لأن تصوراتهم أن الله أمرهم “أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ”، وإقامة الدين تسلتزم إقامة الدولة التي تحكم بما أنزل الله، والحكم والدولة ليس لهما سوى صيغة واحدة مثالية منصوص عليها دينًا، ومفروضة فرضًا: إنها الخلافة والخليفة الذي يتولى سدة الحكم في هذه الدولة، ومن ثم يجب السعي لتنصيب الخليفة المسلم، وإعادة هذه اليوتوبيا الزمانية الأثيرة المفتقدة مرة أخرى.

من هنا نفهم ما فعلته – ومازالت تفعله – “داعش” التنظيم الإرهابي الأكثر دموية حينما سارع بإعلان خلافته المزعومة وتنصيب البغدادي أميرًا للمؤمنين؛ فصرف الأنظار عن تلك الجماعة الأم لهذه التنظيمات والأفكار كلها، جماعة الإخوان المسلمين، التي أسست ونظّرت لهذه المعتقدات من خلال المؤسس الأول “حسن البنا” الذي وضع هذا الشعار المدمر “الإسلام دين ودولة”.

في رسالة المؤتمر الخامس يقول: “الإسلام عقيدة وعبادة، ووطن وجنسية، ودين ودولة، وروحانية وعمل، ومصحف وسيف”.

كلمات تعبر عن منهجية الرجل وخلاصة فكره، لذا لم يكن مستغربًا أن تعلن الجماعة بكل وضوح أنه إما المصحف حسبما يرون وحسبما يفهمون، وإما السيف للجميع، شعار جعلوه خلاصة منهجهم الذي سيحاربون عليه بالسيف، فالإسلام دين ودولة.. شعار حولته آلة الاختراق الإخوانية للفضاء العام بل والثقافي في أكبر عملية غزو فكري لعقيدة راسخة تلهج بها ألسنة العوام، بل وتنطق به ألسنة علماء وقادة يشار إليهم بالبنان، بعدما تسلل بكل بساطة للمؤسسات الدينية الرسمية ليأخذ مكانته بين الضروريات التي يكافح وينافح عنها، وغابت الحقيقة، حقيقة أن الإسلام “دين” هذا هو الأصل.

الإسلام وخاصية الارتباط بالمقدس

الإسلام دين له قدسيته وقداسته، حتى وإن تناول الدولة في بعض أحكامه وتوجيهاته، لكنه دين، والدين مقدس لا يُلصق به أي شيء، فحينما نلصق به كلمة “دولة” فنحن نسحب هذه القدسية ونعطيها للدولة، فتتحول الدولة والحكم والسياسة لدين مقدس، يعادى عليه ويصالح، ويرتهن إيمان الناس ومدى تدينهم بالولاء لهذه الدولة والبراء مما سواها، ثم تتسلسل على ذلك حبات هذا العقد الفكري لهذه الجماعات من ولاء وبراء وتكفير وخروج وقتال وإراقة للدماء.

لمّا مر عبدالله بن خباب بن الأرت الصحابي وابن الصحابي الجليل على سرية للخوارج أرادوا أن يتأكدوا من إيمانه وإسلامه فسألوه عن الخليفة أبي بكر، وعمر، وعن علي بن أبي طالب قبل التحكيم، وعن عثمان بن عفان في مدة ست سنوات من حكمه، والساسة وسياساتهم وفترات حكمهم هو معيار الإيمان والإسلام عندهم، فلما وجدوه مؤيدا لهؤلاء الرؤساء حكموا عليه بالردة عن دين الله، وأخذوا منه مصحفه الذي كان في عنقه وقالوا له: إن هذا الذي في عنقك يأمرنا أن نذبحك واقتادوه مكبلا هو وزجته الحامل غير مبالين بصراخها إلى شاطئ النهر، وأمام زوجه أرقدوه ووضعوا السيف على عنقه وكبروا فجرت مياه النهر بدمه، ثم أخذوا امرأته المعذبة كليلة فذبحوها وبقروا بطنها واستخرجوا ولدها في مشهد تعجز الكلمات عن وصفه.. إراقة الدم في خشوع تام.

البنا وتقديس السياسة

من أجل هذه الدولة المقدسة.. من أجل هذا الحكم.. من أجل هذا الدين، أو من أجل هذه الأشياء كلها بلا فارق بينها تكاملت أركان جريمة تقديس السياسة في العقل الجمعي المسلم المعاصر، وعدنا به تقريبا لنظرية الحكم الإلهي، ومن ثم تكون الحروب الدينية والخراب والدمار والذبح المقدس في بلادنا نتيجة طبيعية يتقرب بها الجميع لله الواحد القهار.

حسن البنا كان قاصدًا لهذا التقديس، لذا أكده في رسائله المتتالية، قال للذين يرفضون هذا المنهج ويفرقون بين ما هو دين وما هو شأن سياسي دنيوي: فمن ظن أن الدين – أو بعبارة أدق الإسلام – لا يعرض للسياسة، أو أن السياسة ليست من مباحثه، فقد ظلم نفسه، وظلم علمه بهذا الإسلام ولا أقول ظلم الإسلام فإن الإسلام شريعة الله لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.. وجميل قول الإمام الغزالي رضي الله عنه: (اعلم أن الشريعة أصل، والملك حارس، وما لا أصل له فمهدوم، وما لا حارس له فضائع).

البنا يمضي نحو هدفه فيقول: “قلما تجد إنسانا يتحدث إليك عن السياسة والإسلام إلا وجدته يفصل بينهما فصلا، ويضع كل واحد من المعنيين في جانب، فهما عند الناس لا يلتقيان ولا يجتمعان، ومن هنا، سميت هذه جمعية إسلامية لا سياسية، وذلك اجتماع ديني لا سياسة فيه، ورأيت في صدر قوانين الجمعيات الإسلامية ومناهجها (لا تتعرض الجمعية للشؤون السياسية)”.

“البنا” لم يترك فرصة إلا أكّد علي هذه الحقيقة فنراه يقول: حدثوني بربكم أيها الإخوان، إذا كان الإسلام شيئا غير السياسة وغير الاجتماع، وغير الاقتصاد، وغير الثقافة، فما هو إذن؟.

يجيب البنا باذرًا بذور التكفير بناءً على السياسة والعمل السياسي فيقول: “أستطيع أن أجهر في صراحة بأن المسلم لن يتم إسلامه إلا إذا كان سياسيا”.

البنا يقول: إن على كل جمعية إسلامية تهمتم بالثقافة الدينية فقط أن تضع في رأس برنامجها الاهتمام بشؤون أمتها السياسية وإلا كانت تحتاج هي نفسها إلى أن تفهم معني الإسلام.

البنا عمل على إزالة الحواجز بين الدين والسياسة والجماعة والدولة حتى لا ندري ما هو المقدس وما هو غير المقدس فقال: “علم الله أيها السادة أن الإخوان ما كانوا يوما من الأيام غير سياسيين، ولن يكونوا يوما من الأيام غير مسلمين، وما فرقت دعوتهم أبدا بين السياسة والدين، ولن يراهم الناس في ساعة من نهار حزبيين (وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ)، ومحال أن يسيروا لغاية غير غايتهم أو يعملوا لفكرة سوى فكرتهم أو يتلونوا بلون غير الإسلام الحنيف: (صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ)”.

غير أن الدليل الأقوى والأصرح على كون البنا يسعي متعمدا نحو هذا الخطر المقدس هو قوله في هذا الصدد: إن الإسلام الذي يؤمن به الإخوان المسلمون يجعل الحكومة ركنا من أركانه، ويعتمد على التنفيذ كما يعتمد على الإرشاد.. والحكم معدود في كتبنا الفقهية من العقائد والأصول، لا من الفقهيات والفروع”.

الدين لله والسيف للجميع

في تقرير لم يقل به أحد من السلف ولا يشبه كلام أهل السنة من قريب أوبعيد ذهب “البنا” هذه المرة بعيدًا عن مرمى أهل السنة والخوارج معًا إلى المذهب الشيعي يقتبس منه رؤيته تلك ويجعلها منهجًا له ولجماعته.

فأهل السنة لا يؤمنون بأن الحكم أو الولاية أو الإمامة من العقائد أو من أصول الدين، في حين يراها الشيعة من أصول الدين وركنًا من أركان الإسلام تمامًا كما يراها “البنا”، فكل من كتب في الإمامة من أهل السنة قرر أنها من الفروع وليست من الأصول، لكنهم اضطروا أن يتحدثوا عنها في آخر كتب العقيدة للرد علي الشيعة، وليس لكونها من مسائل العقيدة وتواترت على ذلك كتاباتهم، فكره من جاء بعدهم الخروج عن هذا النظام المتوارث، يقول عضد الدين الإيجي المتوفى سنة 756 هجريًا حينما تحدث عن الإمامة: وهي عندنا من الفروع وإنما ذكرناها في علم الكلام تأسيا بمن قبلنا.

وقد أجمع كل أهل السنة أن الإمامة من الفروع والفقهيات، وليست من الأصول والمعقولات، يقول الجويني: “وليست الإمامة من قواعد العقائد، بل هي ولاية تامة عامة، ومعظم القول في الولاة والولايات العامة والخاصة مظنونةٌ في التأخي والتحري”. ثم أكد ذلك من بعده تلميذه الغزالي (505 هـ) فقال: “اعلم أن النظر في الإمامة أيضًا ليس من المهمات، وليس أيضًا من فن المعقولات، بل من الفقهيات، ثم إنها مثارٌ للتعصبات، والمُعرض فيها أسلم من الخائض فيها وإن أصاب، فكيف إذا أخطأ؟”.

لكن “البنا” وجماعته يذهبون غير مذهب أهل السنة فيقررون أنها من الأصول والعقائد ويمزجون بينها وبين الدين فيقول تلميذ “البنا” النجيب “عبد القادر عودة” (أعدم عام 1954م): الإسلام مزج الدين بالدولة، ومزج الدولة بالدين حتى لا يمكن التفريق بينهما، وحتى أصبحت الدولة في الإسلام هي الدين، وأصبح الدين في الإسلام هو الدولة”.

والحقيقة أن “البنا” ذاته كان صادقا ومتماهيا مع ذاته ومعتقداته فأعلمنا بوضوح إما دولته وإما السيف والنار حينما عد القعود عن طلب الحكم جريمة، وأنه يجب تحصيلها ولو بالقوة حينما قال: “إن قعود الإسلاميين عن المطالبة بالحكم جريمة إسلامية لا يكفّرها إلا النهوض واستخلاص قوة التنفيذ من أيدي الذين لا يدينون بأحكام الإسلام الحنيف”.

وقال أيضًا: “يتساءل كثير من الناس هل في عزم الإخوان المسلمين أن يستخدموا القوة في تحقيق أغراضهم والوصول إلى غايتهم؟ ولا أريد أن أدع هؤلاء المتسائلين في حيرة، بل إني أنتهز هذه الفرصة لأكشف اللثام عن الجواب السّافر لهذا في وضوح وفي جلاء، فليسمع من يشاء، وبعد كل هذه النظرات والتقديرات أقول لهؤلاء المتسائلين: إن الإخوان المسلمين سيستخدمون القوة العملية حيث لا يجدي غيرها، وحيث يثقون أنهم قد استكملوا عدة الإيمان والوحدة، وهم حين يستخدمون هذه القوة سيكونون شرفاء صرحاء وسينذرون أولا، وينتظرون بعد ذلك، ثم يقدمون في كرامة وعزة، ويحتملون كل نتائج موقفهم هذا بكل رضى وارتياح”.

لقد كان البنا هو المتن و”عبد القادر عودة” و”سيد قطب” هم شراحه الذين قرروا مبدأ الحاكمية وجعلوا الحكم هو الأصل الجامع والركن الركين، ومزجوا بينه وبين الدين فلا قيام للأخير بدونه، ومن ثم دارت آلة العنف والدم ولم تتوقف حتى الآن.

There are no reviews yet.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



Start typing and press Enter to search