وجهات نظر

دين السعداوي على عبد الله رشدي

المسألة أبعد من الريفية الموصومة أحيانا بشيء من الجلافة، فأن يعلق الداعية عبد الله رشدي لحظة وفاة نوال السعداوي بأنها “انتقلت للإله الذي كانت تطالب بتغيير قرآنه وتنتقد منهجه”، فهذا أمر يجاوز عدم مراعاة الآداب العامة، خاصة مع تواتر مثل تلك المواقف للداعية الشاب.

في محاورة ألسيباد يبدي سقراط ملحوظة، أننا عندما ننظر إلى أحد أمامنا فإن بصرنا يتركز على حدقة عينيه، لأنها الجزء الذي نرى أنفسنا فيه، مثلما يحدث مع المرآة حينما تعكس صورة من ينظر إليها.

ينبه الفيلسوف الإغريقي بذلك إلى ضرورة الآخر، على اعتبار أننا نتعرف على أنفسنا من خلاله، لكن المعنى المسكوت عنه في محاورة سقراط أن الصورة في عين الآخر بقدر ما تعرفنا إلى أنفسنا بقدر ما تسيّرنا إلى نوع من الاستلاب، فأنا لا أكون بعدها ما كنت أحسه قبل إبصاري نفسي في تلك الصورة.

المعنى أن نموذج مثل عبد الله رشدي لا يكون مدفوعا إلى خرق الآداب العامة وربما القيم الدينية بدافع من جلافة ريفية مزعومة، (فأهلنا في الريف كثيرا ما يكونون أشد حرصا على العرف وإن اتسم طبعهم ظاهرا بالخشونة)، بل بتحريض من صورته المنعكسة في عيون “الهمج الرعاع” الملتفين حول حساباته التواصلية باعتبار صاحبها حامي حمى الدين، المدافع عن حرمه ضد العلمانيين.

واستعمال تعبير علي ابن أبي طالب هنا ليس من باب النيل منهم، إنما من قبيل الدقة في الوصف، فالنزوع إلى التعامل مع الآخر بوضعه خارج نطاق الإنسانية، هو نزوع يخص العصور البدائية، حينما كانت الإنسانية تنتهي عند حدود القبيلة أو أصحاب اللسان الواحد أو حتى القرية الصغيرة، ففي اللحظة التي يُنتهك فيه حق إنساني بدعوى مخالفة الآخر للمعتقد “نكون سلكنا طريق البربرية” بتعبير الفيلسوف والأنثربولوجي الفرنسي ليفي شتراوس.

وبالتأكيد من يسلك هذا الطريق يغيب عنه المعنى، الذي نبه إليه سقراط، أن المرء مدينٌ بوجوده للآخر، فهو لا يوجد إلا من خلاله، نحن نحيا في عالم نشترك فيه معه، والوجود “هو وجود في العالم مع..”، معنى صاغه الشاعر والكاتب الفرنسي بول إيلوار في عبارة بليغة “لقد اخْتَرَعْنا الغير كما اخْتَرَعَنَا الغير لأن كل منا كان في حاجة إلى الآخر”.

هذه الحقيقة لا تحجز عبد الله رشدي والمتحلقين حوله عن الاستمرار في إطلاق سيل حقدهم وعنفهم، ليس تجاه نوال السعداوي فقط، بل تجاه مخالفيهم كافة، على اعتبار أن الحقيقة، بسيطة وبديهية، والشك حولها خطأ فادح، مثلما أشار الداعية الشاب في مناظرة له حول آراء “السعداوي” بُعيد وفاتها، ولأن الحقيقة بديهية، فهذا يدفع أصحابها إلى ممارسة العنف تجاه من يخالفها، حتى وإن كان عنفا رمزيا، فالبداهة عنف ـ يخبرنا رولان بارت ـ بما تمارسه من سد لمنافذ الشك، وقطع لطرق النظر، ليمتنع التبصر مفضيا للعمى والضلال حسبما نبه أبو حامد الغزالي.

وتشرف مقولة الغزالي على معنى مهم، أن الحقيقة لا تمر إلا عبر بوابة الشك حتى يبلغ المرء مبتغاه في فضح الأوهام وتصحيح الأخطاء، أما أن يُعد الشك خطأ فهذا يشجع على التعصب والتشنج ويمهد لقمع المخالف وعدم الاعتراف بحقوقه ويحرض على العنف الرمزي الذي يتحول إلى عنف فعلي إذا واتته الظروف.

وهناك معنى آخر تصرح به مقولة الغزالي، أن من يحاذر الشك ويعتبره خطأ يسد منافذ الحقيقة إليه قبل أن يسدها على غيره، وفي حديث بمناظرة فضائية رفض “رشدي” شك “السعداوي” في حقيقة إيمانها وخطئه، مستشهدا بآية قرآنية تؤيد قوله، في إشارة لدور رئيسي للمُقدّس لعبه على مدار تاريخنا الإسلامي، تمثل في تمويه وإخفاء وحجب وتزييف الحقيقة أكثر مما فسر وكشف وأظهر وتنبأ بها.

هذه الدوغمائية أو الوثوقية تحجز أي شخص يعتنقها ـ ظانا أنه يملك الحقيقة ـ عن أن تتكون لديه حساسية تجاه أخطاء معتقداته، لذلك تُبصره ولا حُرمة لديه لكل من شكك أو انتقد أو كشف زيفا أو خطأ بها.

محمد السيد الطناوي

كاتب مصري Mohamed.altanawy1@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى