“أحمد الفاتح”.. الدعوة على طريقة الإغراء

مصطفى زهران

كاتب وباحث مصري

يشهد الفضاء الأزرق في الآونة الأخيرة بروز الجيل الثاني من الدعاة الجدد، أو ما يُطلق عليهم ظاهرة “دعاة السوشيال” الذين رافقوا بدايات الألفية الثانية، وهاهم يتسلقون العقد الثاني منها. وتُعايِش الظاهرة جملة من التحولات اختلفت بشكل كبير عما كانت عليه في طورها الأول، خاصة بعد أن أصبح هذا الفضاء نافذته المُثلى من أجل التمدد والانتشار، فيما يتسم أداء هذا الجيل من دعاة السوشيال بالرغبة الجامحة في تحقيق هدفين رئيسيين؛ أولهما: الصعود السريع الذي أسهم فيه بقوة تعدد الوسائط الإلكترونية وانتشارها بما سمح لهم بالتواجد من خلال منافذ عدة “اليوتيوب، المدونات، برودكاست، الفيسبوك، التيك توك” وغيرها. وثانيهما: التربح والتكسب المادي من الدعوة، ما أضفى عليها مسحة من البراجماتية النفعية، وجعلها في جزء كبير منها تنحرف عن الدعوة إلى الله بالشكل التقليدي المتعارف عليه.

وفي موازاة ذلك، لم يعد من المطلوب لداعية السوشيال ميديا قدر من العلم الشرعي الذي يعينه على الدعوة والوعظ، بل يكتفي بقدرته المهارية على الخطابة والتحدث بلباقة، مع قليل من المعلومات العامة، متكئًا على الاشتباك مع الأحداث من حوله، شارحًا لها ومعلقًا عليها، مستهدفًا بشكل أساسي فئة عمرية بعينها تفتقر للخبرة العلمية التي تُمكّنها من تمييز الغث من السمين. وعادةً ما تكون الفتيات المراهقات الجمهور الأكبر لدعاة السوشيال ميديا، حيث يجذبهن الخطاب الدافئ والناعم في بعض الأوقات الذي يصدر من هؤلاء الدعاة، خاصة وإن كانوا شبانًا، فيتحولن بعد ذلك كالألتراس أو المعجبين على غرار محبي نجوم الكرة والفن، توازيًا مع هواجسهن الحالمة بفتى أحلام أو شريك لهن يجمع بين التدين والهيئة اللافتة، وهذا أحد مخاطر توظيف الدعوة من قبل جيل دعاة السوشيال الجدد.

ومن بين هؤلاء يُطل علينا من هذه النافذة شاب في نهايات العقد الثاني من عمره يُدعى “أحمد الفاتح” بدأ مشواره الدعوي مع مطلع عام 2016 متأثرًا بقدر كبير في أدائه بالجيل الأول من ظاهرة الدعاة الجدد، وعلى رأسهم: عمرو خالد، ومعتز مسعود، ومصطفى حسني، وغيرهم. وانطلق نحو عمل مقاطع مرئية وبثها من خلال السوشيال، وأصبح له مع الوقت متابعون يتجاوزون الآلاف.

اللافت في متابعة المُنتَج الدعوي للداعية الشاب أنه من العسير تصنيفه ومعرفة ماهيته، فهو أشبه بأحاديث السمر منه بالخطاب الدعوي التقليدي، وأقرب إلى الدردشة الكلامية من الخطاب القيمي الذي يحمل قدرًا من الحكمة والقول الوازن.

ففي أحد مروياته الدعوية ينصح الداعيةُ الشاب الفتيات المقدمات على الزواج على النحو التالي: “تزوجي اللي يحترم عقلك وإنسانيتك، تزوجي اللي تحسي انه محاوطك زي بنته مش زي مراته بس، تزوجي اللي بيخاف على أحاسيسك ومشاعرك أكتر من إنه يغير عليكي، تزوجي اللي يقدر ذاتك قبل جسدك وجمالك، تزوجي اللي بيشوف نجاحك من نجاحه وفشلك من فشله، تزوجي اللي تكوني متأكدة إنه يبيع الدنيا وما فيها بس ميسبكيش مهما كان ما بينكم من زعل وخصام.. إلخ”.

ومن الموضوعات التي أثارت جدلًا كبيرًا داخل أروقة السوشيال ميديا، واستنفرت بشكل كبير قطاعات النسوية Feminism، تنمره بشريحة من الفتيات تَقَدَّم بهن العمر ولم يُقدّر لهن الزواج بعد، فتحت عنوان الأسباب التي تقف خلف “عنوسة الفتيات” يورد لنا التالي: “أول حاجة العند وتنشيف الدماغ والإصرار على تنشيف الدماغ والعصبية الجامدة في تنشيف الرأي، هاعمل اللي أنا عوزاه، فالنوع دا لا هايكون “أم” ولا هاتكون زوجة، الندية في التعامل مع الطرف الآخر، فاردة نفسها أوي، أنت بتشتغل أنا كمان بشتغل، أنا عندي صحاب أنا كمان عندي صحاب كتير أوي، وهاتلاقيها مش منكسرة كدا مع نفسها، هاتلاقيها عندها كبر، وقوة المرأة في ضعفها، والندية تفقد أنوثتها اللي بتكلم أولاد كتير السمعة مهمة جدًّا حاولي تقللي تعاملك مع الولاد لأنها تسيء لسمعتك”.

ومن الحديث حول العنوسة والشريك المناسب والتعليقات غير اللائقة في مشكلات مجتمعية مثل “العنوسة” كما أسلفنا إلى الإفتاء بغير علم في العلوم الطبية والصحية، وأثارت آراؤه تلك سخرية الكثيرين من المنتمين إلى مجال الطب البشري والمتخصصين.

ففي ربط عجيب قام به الداعية الشاب بين داء “سرطان الثدي” وأسباب انتشاره بين النساء، أرجعه إلى أن المرأة التي لا تبوح بما بداخلها من ألم وشكوى تكون أكثر عرضة له، وجمح به خياله إلى أبعد من ذلك من خلال التأكيد على أن كل 10 حالات سرطان ثدي فيها ثماني حالات على الأقل ترجع أسباب الإصابة بها لكون النسوة والفتيات يكتمن آلامهن في صدورهن ولا يُفضين بها إلى أحد”. اختلق الداعية المبتدئ هذه الفكرة في إطار سعيه الحثيث ورغبته الملحة في الإقناع، لكنه فيما يبدو أدمن الوقوع في المحظور بسبب ميكافيليته العنيدة، فتناول قضايا ومسائل لا أصل لها فقهيًّا وطبيًّا من أجل تحقيق قدر أكبر من اللايكات والفلولورز والشير، ما يدفعه مجبرًا إلى أن يختلق المزيد من القصص الوهمية، وسرد المزيد من الأحاديث التي لا أصل لها.

بيد أن السبب الرئيسي خلف هذا الكم من الإخفاقات لدى الداعية الشاب هو انعدام المرجعية وانتفاء المسئولية واختفاء الرقيب من ذوي التخصص الذي من شأنه أن يضبط إيقاع كافة تلك القضايا والمسائل التي يتناولها الداعية أو الواعظ الديني بشكل عام، والتي من المفترض أن يكون للمؤسسة الدينية الرسمية الحق في متابعة سير هؤلاء الدعاة الجدد، لأن التداعيات الكبيرة لتغول مثل هؤلاء من مراهقي الدعوة الذين لم يتلقوا علمًا شرعيًّا أو مُدارَسَة فقهية على أيدي علماء ومشايخ من الأزهر والأوقاف -المؤسستين العريقتين في مصر- من شأنه أن يُسهم بقدر كبير في التشويه غير المتعمد للدين، ويزيد من نفور الناس منه.

إذا دققنا النظر في أسباب الجرأة التي يتمتع بها الداعية المبتدئ لأن يخوض غمار مسائل وقضايا أكثر تعقيدًا على هذا النحو، ويفتي بغير علم فيما يفقهه أو تدارسه؛ نبصر الإشكال الحقيقي الذي دفع بكثير من هذه الوجوه إلى ساحة الدعوة دون تلقي العلوم الكافية التي تؤهلها لهذه المكانة التي هي مقام الأنبياء من الدرجة الأولى، ألا وهي العمل في دورات التنمية البشرية التي كانت وما زالت لها تداعيات كبرى على ساحة الدعوة والوعظ في المجال الديني المصري على وجه الخصوص، وكان دعاة السوشيال من إفرازاتها من حيث علاقة عرفية تجمع بينهما لتحقيق غاية التكسب والانتشار كما أسلفنا سابقًا.

ففي أحد منشوراته الترويجية للدورات التي يقدمها في مسقط رأسه بـ”المنوفية” (إحدى محافظات الوجه البحري المصري)، والتي جاءت على هذا النحو: “لأول مرة في المنوفية كورس كيف تصبح من أولي الألباب، والذي يساعدك على فهم الدين والقرآن بمنظور جديد يناسب الواقع الذي نعيشه الآن، والذي سيساعدك على التعرف على الله بشكل أعمق مما تتصور. ثم يقدم نقاط محاوره ومنها: مفاتيح البحث العلمي في آيات القران الكريم.. إلخ، ودورة أخرى يروج لها: كيف يمكن التخلص من المخاوف الذي ستساعدك على العيش بهدوء واستقرار وسلام داخلي مهما كانت الظروف المحيطة، إزاي حياتك تبقى سهلة وممتعة، وتتضمن محاور الكورس: الوضوء وتأثيراته على الصحة النفسية والجسدية، الصلاة وكيفية الاستمتاع بها، فلسفة مواعيد الصلاة وعدد الركعات والحركات، تأثير الصلاة على طاقة الإنسان.. إلخ.

بدا الشاب وكأن لديه القدرة الخارقة في تقديم الترياق لكافة الأمراض العضال في السياق المجتمعي الديني، وهو ما أهله بعد ذلك إلى أن يطل من شاشة التلفاز ليقدم برنامجًا دينيًا من خلال قناة ليبية “مغمورة” ليدلو بدلوه في مثل هذه القضايا الهامة بعد أن ذاع صيته وتكاثرت أعداد المتابعين له في الفضاء الأزرق، وساهم هذا التحول الجديد للداعية الشاب في مسيرته الدعوية إلى أن يتطرق إلى موضوعات أكثر جرأة ليقدم تفسيرات لها وأجوبة لأسئلة المشاهدين مثل “الأفلام الجنسية” وأثرها على المراهقين على سبيل المثال لا الحصر.

وينقل الداعية الشاب لمتابعيه رسالة من قبل إحدى المذيعات المحجبات على هامش تكريمها “ملكة الحجاب” ليقتدوا بها ويتمثلوا أمرها، حيث جاء فيها: الجمال الحقيقي هو البساطة في اللبس والميك آب والحياة الهادئة!

خلاصة القول، يفيدنا تناول المادة الدعوية للداعية الشاب أن ثمة خللًا في طرحه نتيجة ضعف تحصيله العلمي فيما يخص القضايا والمسائل الدينية، ما يستلزم ضرورة أن يعيد النظر في مجمل معلوماته، ومحاولة الالتحاق بأحد المعاهد الشرعية التابعة، إما لمشيخة الأزهر الشريف أو وزارة الأوقاف، لتتكون لديه قدرة معرفية تعينه على طريق الدعوة التي شق طريقها وأراد لنفسه مكانًا فيها، وأن يعي ضرورة الفصل بين دورات التنمية البشرية والدعوة إلى الله، وإن أراد الجمع بينهما فعليه أن يكون قد حصّل ما يؤهله لذلك، هذا من جهة، ومن جهة أخرى على المؤسسات الدينية الرسمية أن تقوم بدورها كمرجعية هامة لكافة الأفراد المعنيين بالحقل الدعوي، حتى يتم ضبط واقع المشهد الديني المجتمعي، ويقتصر الأمر على أهل الاختصاص فحسب.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram