ذباب وميليشيات

أسرار كتائب الإخوان على الفضاء الإلكتروني

كان لشبكة المعلومات الدولية “الإنترنت”، التي دخلت مصر في نهاية تسعينيات القرن العشرين، نصيب من استثمار جماعة الإخوان، حين اقترح “خيرت الشاطر” و”حسن مالك”، القياديان بالجماعة، ضرورة الاستفادة القصوى من هذه النقلة التكنولوجية الكبيرة، وهو ما تحقق بشكل كبير في السنوات التالية في صورة ما سُمي بـ”الكتائب الإلكترونية”، أو الذباب أو اللجان الإلكترونية، وتبلور الأمر بشكل مركز وخطير بعد ثورة يناير 2011، وازداد خطرًا بعد الإطاحة بحكم الجماعة في يوليو 2013، وتشكلت كتائب الجماعة الإلكترونية المنظمة، وحصل أفرادها على امتيازات مالية، ورُسمت لها سياسات لتنفيذ تعليمات محددة منتصف 2015.

كانت حاجة الجماعة في ذلك العام لكتائب فضائية تزداد، بحسب مصادر مقربة ومطلعة على ملف المعركة الإلكترونية داخل الجماعة، فتم تكوينها ودعمها بشخصيات محل ثقة، وذلك بعد انحسار تواجد الجماعة على الأرض في أنحاء مصر المختلفة عقب إلقاء القبض على القيادات الفاعلة وقادة المظاهرات والمنظمين لها، ما جعل وتر الرأي العام هو الهدف الاستراتيجي للجماعة لصنع حالة سخط شعبية تنفجر في وجه نظام الحكم الجديد في مصر ما بعد حراك يوليو الشعبي الثوري، ولم يكن هناك أسرع من الفضاء الإلكتروني أداة لتحقيق ذلك الهدف.

خيرت الشاطر

تزامن ذلك مع صراع شديد احتدم داخل الجماعة أدى لانقسامها إلى جبهتين: جبهة القيادات التاريخية ويمثلها “محمود عزت”، القائم بأعمال مرشد الإخوان، والذي ظهر وجوده في مصر بعد اختفاء لمدة عام ونصف العام منذ فض اعتصام رابعة العدوية، والجبهة الثانية تخص “محمود حسين”، أمين عام الجماعة والمسئول التنظيمي عنها في تركيا، والمسئول عن أموال الجماعة “إبراهيم منير”، أمين عام التنظيم الدولي للإخوان في لندن.

كانت بداية محاولة السيطرة على الفضاء الإلكتروني سبقت ذلك بكثير، فقد أطلقت الجماعة مواقع إلكترونية لها مثل: الشاهد، وإخوان أونلاين، ونافذة مصر، وأعقبها حركة التدوين الإخوانية في 2005، والتي استغلت وجود المدونات على الإنترنت، فأطلقت الجماعة شبابها ليؤسسوا مدوناتهم، مثل: عبدالمنعم محمود صاحب مدونة “أنا إخوان”، ومحمود سعيد، وعمرو مجدي، وعبدالرحمن عياش، وأسماء ياسر، وأروى الطويل، بالإضافة إلى أبناء محمد مرسي وعصام العريان، ثم بعد ذلك استغلال السوشيال ميديا، التي صعد نجمها في مصر بعد 2011، ولكن طوال تلك السنوات كان العمل في إطار التنظيم بمعنى أن يكون هناك توجه عام يعمل الجميع في إطاره مثل الموافقة على التعديلات الدستورية في مارس 2011، أو تأييد مرشح الإخوان في الانتخابات الرئاسية 2012 وطوال عام حكمه، أو حتى في محاولة السعي لاستعادة حكمه بعد 2013 حتى 2015، وتعمل جميعها من داخل مصر.

الكتائب الإليكترونية - صورة تعبيرية

وفي منتصف 2015، وبتكليف من إبراهيم منير، بدأ محمود حسين السعي لتشكيل اللجان الإلكترونية خارج مصر، وذلك بعد ضعف تأثير قنوات الجماعة، وضعف الحراك في الشارع وحالة الانقسام داخل الصف الإخواني، ووكل “حسين” إلى عضو مجلس شورى الجماعة المقرب منه “همام علي يوسف”، القيام بتلك المهمة، وهو ما استجاب له “همام” ووضع الخطة ورصد الميزانية المطلوبة لإتمام ذلك، وتحديد العناصر التي ستدير اللجان وتقوم بتشكيلها، شريطة أن تكون من الشخصيات الموالية له وللقيادات التاريخية بشكل كامل.

كان الغريب أن “همام” اقترح اسمًا لقيادة تلك الكتائب الإلكترونية من المحسوبين على الجبهة المعارضة لمحمود حسين، وفسر ذلك برغبته في ضرب تلك الجبهة، وعرض اسم هذا الشخص وإمكانية استمالته، وذلك عن طريق توفير فرصة عمل متميزة له بعد فشله في الحصول عليها وتردي وضعه المعيشي، وبذلك يضرب عصفورين بحجر عن طريق إحداث تصدع داخل الجبهة المناوئة للقيادات التاريخية بأن يتحول أبرز المعارضين لها إلى مؤيد، وكذلك الاستعانة بزوجة هذا الرجل لتنفيذ المهمة ذاتها بين سيدات الجماعة، والتي تتمتع بنفوذ وثقة بينهن.

همام علي يوسف

كان هذا الشخص هو “أحمد ريدي”، أحد مؤسسي التيار المعارض لقيادات الجماعة التاريخيين حتى 2015، واستطاع “همام” استمالته ووفر له فرصة عمل براتب خيالي في إحدى شركات البترول الكبرى بهولندا، ووافق “ريدي” على العرض، وارتحل إلى هولندا، ومنها أعلن ندمه على مهاجمة القيادات التاريخية، وولاءه لهم، وبدأ تشكيل وقيادة الكتائب الموالية لقيادات الإخوان.

خرج “ريدي” من مصر بعد فض اعتصامي رابعة والنهضة في أغسطس 2013، واستقر به الحال بعد ترحاله بين دول مختلفة في هولندا، التي يمتلك الإخوان شركات تجارية بها، ولديهم علاقات في عديد من الشركات الأخرى.

بدأ الرجل وزوجته “إيمان الجارحي”، في تشكيل مشروع الكتائب الإلكترونية، وكان أغلب أعضائها من المقيمين في قطر، وأُسندت مهمة الإشراف على مجموعة قطر إلى أحد شباب الجماعة، ويدعى “الدفراوي ناصف”، والذي شكل مجموعة من شباب الإخوان في قطر لهذا الغرض، وكان يدير اجتماعات معهم ويتلقى التعليمات ويوزعها عليهم لتنفيذها.

في السياق ذاته، تولت “إيمان الجارحي” (زوجة ريدي) التنسيق مع عدد من سيدات الجماعة لتشكيل كتائب نسائية تتولى كتابة تدوينات تحت تسميات وهمية للتأثير في الإخوان وتوجيههم ناحية الالتفاف حول القيادات التاريخية، وكذلك مهاجمة النظام السياسي في مصر وتنفيذ التعليمات التي تصل لهن من القيادات، وكان من بين أبرز أعضاء هذه اللجان النسائية سيدة عرفت باسم “أم عمارة”، وهو اسم وهمي، وإيمان بدوي، واستطعن ثلاثتهن استقطاب الآلاف من المتابعات من نساء الجماعة، ونفذن التكليفات المسندة لهن.

محمود حسين

في المقابل، اختار “همام” شخصًا في تركيا يتولى إدارة كتيبة إلكترونية بها لكثرة عدد الإخوان هناك، فضلًا عن حرية الحركة المكفولة لهم، وهو من شباب الجماعة، ويدعى إبراهيم فودة، ووفر له فرصة عمل في قناة “وطن” التي يرأس مجلس إدارتها “محمود حسين”.

كان دور تلك الكتائب متنوعًا ما بين مهاجمة النظام في مصر والصفحات الموالية للحكم والمؤيدة للرئيس عبدالفتاح السيسي والشخصيات السياسية والإعلاميين المحسوبين على الدولة، وكذلك الهجوم على قيادات الجبهة الشبابية في الإخوان، والمعارضين في الخارج ذوي الآراء المناوئة لقيادات الجماعة، وكانت وسائلهم في ذلك مختلفة ما بين تأسيس “جروبات” احتوت آلاف الأعضاء، بعضها لا يحمل اسمًا سياسيًّا، ولكن تمرر خلاله الرسائل السياسية في صورة مواطنين غاضبين، وبعضها يحمل اسم الرئيس الراحل محمد مرسي أو قيادات الإخوان، وكذلك الهجوم على الصفحات المختلفة عن طريق عمل إبلاغات لغلقها، أو كتابة تعليقات تشكك في مصداقية أصحابها، سواء المنتمين للدولة المصرية أو المنتمين للجبهة الشبابية داخل الجماعة.

وخلال الأشهر الماضية بدأ رموز الإخوان في كشف النقاب عن نشاط الإخوان الإلكتروني، ومنهم عصام تليمة، الذي هاجمهم بضراوة، وكذلك سليم عزوز الذي هوجم منهم بعد تسجيله برنامجًا حمل اسم “الشهادة” لتوثيق شهادات بعض رموز الإخوان عن فترة 2013.

سليم عزوز

وشمل عمل ميليشيات الجماعة في الفضاء الإلكتروني التأثير في صنع الهاشتاجات على موقع تويتر، وكذلك نشر محتويات مختلفة على موقعي إنستجرام وتليجرام، إلا أن تأثيرهم ومحيط عملهم الأبرز يتركز على موقع فيسبوك الأكثر شهرة في مصر.

ورغم استقرار تلك الكتائب في عملها طوال الأعوام الماضية، فإنها عاشت حالة تخبط لأيام بعد إلقاء القبض على محمود عزت في 28 أغسطس الماضي، ونشوب الخلاف بين محمود حسين وإبراهيم منير، وتوقف الدعم لها من “منير” بسبب تنفيذها تعليمات محمود حسين، ولكن سرعان ما عاد ضخ الأموال لها بعد أن حوّل قادة تلك الكتائب دفة ولائهم لـ”منير”، الذي سيطر على الجماعة، فباركوا خطوته التي أطاحت بمحمود حسين من منصب الأمين العام للجماعة، وعادوا للعمل تحت قيادة “إبراهيم منير”، وإدارة “همام علي يوسف” كما كان الحال.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

عبدالخالق بدران

صحفي مصري

مشاركة

أحمد بيكا

غُلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search