ذهب الساحل الأفريقي

تمويل سخي في يد جماعات العنف

شهدت منطقة الساحل الإفريقي التي تضم كلًّا من: مالي، والنيجر، وتشاد، وبوركينافاسو، وموريتانيا، في السنوات الأخيرة، جملةً من التحولات على المستويات المحلية والإقليمية، سياسيًّا واجتماعيًّا واقتصاديًّا، دفعتها إلى أن تصبح بؤرة اهتمام عالمي، في مشهدٍ ساهمت فيه تداعيات الحرب الليبية والإطاحة بالرئيس “معمر القذافي” 2011، وبروز ظاهرة الإسلام الجهادي وانتقال تمركزها من منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى منطقة الساحل والصحراء وغرب إفريقيا.

وفيما تتصارع وتتنافس التيارات الإسلامية الجهادية، خاصة تنظيمي “القاعدة” و”داعش”، في جغرافياتٍ شتى، سواء على أماكن النفوذ والتمدد الجغرافي، أو على مستوى التعبئة الأيديولوجية كما جرت عليه العادة منذ ظهور تنظيم الدولة الإسلامية عام 2014؛ انتقل الصراع إلى جغرافيا جديدة، ووصل التنافس إلى أبعد مدى له في سبيل بحثهما عن مصادر للتمويل، بعد أن مُنِيَ التنظيمان بخسارات كبيرة في أماكن تمركزهما القديمة، فكانت الوجهة هذه المرة هي الساحل الإفريقي.

وعلى الرغم من أن تنظيم “القاعدة” أسبق في الحضور بالمنطقة؛ إلا أنه يمكن القول إن تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء ليس بالخصم السهل، حتى وإن كانت “القاعدة” بتمثلاتها الحاضرة في الساحل الإفريقي لا تزال تُمسك بزمام الأمور.

اضغط.. على كل محور يمين الصفحة للقراءة
اضغط.. على كل محور لقراءة مضمونه
الجهاديون ورحلة البحث عن الذهب

منذ ازدهار تعدين الذهب الحرفي عام 2012، واكتشاف عروق صحراوية تمتد من السودان إلى موريتانيا؛ أصبحت منطقة الساحل الإفريقي مطمعًا لكافة الدول الغربية الكبرى، ومن ثمّ صوّبت شركات استخراج الذهب العالمية أبصارها نحو مناطق تعدين الذهب في الساحل الإفريقي، وتحولت أسواق الخليج وشرق آسيا إلى سوق هامة لتلقي أطنان الذهب المستخرجة منه، الأمر الذي التفتت إليه أيضًا الجماعات المسلحة بتنويعاتها السياسية والعقدية المختلفة، خاصة الإسلامية الجهادية، فأضحت هدفها الأسمى وغايتها الكبرى في مسار توسعها الجهادي(1).

مع الوقت أصبحت مناجم الذهب في مرمى نيران الجماعات الجهادية، وساهمت زيادة وتيرة الأعمال الإرهابية المتعلقة بالسطو والقتل والخطف للعاملين في هذه المناجم، في زيادة الشعور بالقلق تجاه مستقبل الذهب في الساحل الإفريقي بعد دخول فواعل جديدة على خط التنافس العالمي حوله(2).

ومنذ عام 2016، صعّدت الجماعات الإسلامية الجهادية من نشاطاتها تجاه مناجم الذهب في كلٍّ من: مالي، وبوركينافاسو، والنيجر، واستولت على مواقع تعدينية هامة داخل تلك الدول، نظرًا لهشاشة السلطة وضعف الحوكمة في غالبية دول الساحل(3).

ومنذ ذلك الوقت، اتخذت هذه القضايا الأمنية بُعدًا جديدًا أكثر من أي وقت مضى بعد أن فرض الفاعلون الجهاديون واقعًا جديدًا وقدموا أنفسهم كمنافسين وشركاء أحيانًا لمناطق التعدين بالساحل(4) بعد أن فقدوا مصادر تمويلهم في أماكن نفوذهم القديمة، وتحديدًا في سوريا، حيث النفط، فكانت الحاجة إلى البحث عن بديل آخر تمثل في “الذهب”.

تنشط جماعات إرهابية في الساحل الإفريقي للسيطرة على مناجم الذهب

وفي سبيل الحصول على الذهب، عملت التنظيمات الجهادية على خلق إطار سياسي تفاوضي يسير جنبًا إلى جنب مع الآخر العملياتي العسكري، من خلال عقد شبكات مصالح وشراكة غير مباشرة مع عدد من رجال الساسة الحكوميين لغض الطرف عنهم، حتى أضحت سلطة بديلة تنازع سلطة الدولة، خاصة في أماكن ضعف سيطرتها التي تحتضن مناجم تعدين الذهب(5)، وحصد المقاتلون الإسلاميون من خلال ذلك الكثير من المال والنفوذ(6).
ويفسر هذا زحفهم إلى مناطق دول الساحل الإفريقي باعتباره ملاذًا مثاليًّا للسيطرة على مناجم الذهب في ظل مناخ الفساد المستشري في دول الساحل، فضلًا عن كونه وسيلة مادية يمكن تشكيلها بعد إذابتها وصهرها ما يسهل تهريبه، خاصة وأن دولًا مثل بوركينافاسو ومالي والنيجر تصدر ما قيمته 2 مليار دولار من الذهب سنويًّا، فيما تلعب السوق السوداء دورًا كبيرًا في مبيعات الكميات المتبقية من الذهب بعيدًا عن أنظار وسلطة الدولة(7). وحتى اللحظة لا يوجد حصر دقيق لعدد مناجم الذهب التي يمتلكها الإرهابيون في منطقة الساحل أو الذين يحصلون على قطع منها(8).
في خضم هذا، كانت دولة بوركينافاسو على رأس الأهداف الجهادية، نظرًا لاحتوائها على عدد كبير من المناجم الذهبية، وهو ما يفسر زيادة الأعمال الجهادية بها، وهي العمليات التي عززها ضعف السلطة المركزية، وانعدام الرقابة الفعالة، بموازاة تصاعد أعمال التهريب التي تُستخدم فيها قطعان الأبقار وتبن القش والحقائب والحافلات والسيارات لنقل وتهريب الذهب من مدينة “توغو” في بوركينافاسو إلى دول الخليج وآسيا حيث يتم فرزها ومعالجتها وتصديرها(9).

خريطة الجماعات المسلحة في الساحل

دفعت زيادة الاضطرابات في الساحل الإفريقي الناجمة عن تشظي الحالة الجهادية هناك إلى استنفار القوى الغربية، وخاصة الاتحاد الأوروبي الذي دفع بقوى عسكرية وما يقارب المليون يورو للتصدي للجهاديين هناك، خاصة الجماعتين البارزتين “القاعدة” و”داعش”(10).
وتتخلل المشهد الجهادي جماعات صغيرة، إما متحالفة مع إحداهما أو منضوية تحت لواء جماعة منهما. ويُعتبر تنظيم “القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي” المنبثق عن الجماعة السلفية للدعوة والقتال في الجزائر والمتمركز في مناطق الصحراء الكبرى “شمال مالي” التنظيم الجهادي الأقدم في المنطقة والأكثر خبرة أيضًا، ويرتبط بعلاقات قوية مع سكان المنطقة من الطوارق والعرب شيوخ القبائل(11). وتعددت عمليات التنظيم في اختطاف الرعايا الأجانب من أجل الحصول على فدية، فضلًا عن مهاجمة مواقع قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في شمال مالي(12).
ويسود اعتقاد لدى المتابعين للعمليات المسلحة في الساحل الإفريقي بأن تنظيم “القاعدة” هو الفاعل الأبرز من بين كل الفصائل الإسلامية المسلحة في مالي(13)، وتأتي جماعة “أنصار الدين” الجهادية أو “المدافعون عن الإيمان” بقيادة “إياد أغ غالي” والمتمركزة في شمال مالي منذ عام 2012 (14) في المرتبة الثانية بعد “القاعدة”.

وكان “إياد غالي” دبلوماسيًّا لدولة مالي في الخليج؛ إلا أنه تأثر بالتيار السلفي هناك، وانضم لاحقًا إلى التنظيمات المتشددة(15)، ومعظم المنتمين لـ”أنصار الدين” من أبناء الطوارق على عكس جماعات أخرى أغلب عناصرها من العرب(16).
ويُرجع بعض الباحثين تفوق “أنصار الدين” العسكري والمكانة الخاصة التي يحظى بها التنظيم إلى تحالفه مع تنظيم “القاعدة” الذي أمدَّه بالمال والرجال حتى بات يحظى بأقوى حضور ميداني بين التنظيمات الإسلامية في المنطقة(17)، ومع ظهور تنظيم الدولة الإسلامية حصل تنافس بينه وبين “القاعدة” على جذب “أنصار الدين”، غير أن الأخير حافظ على ارتباطاته بتنظيم “القاعدة”(18).

قيادات جماعات إرهابية يعلنون مبايعة “القاعدة”، يتوسطهم إياد أغ غالي

وفي عام 2017، اتّحدت جماعات جهادية عدة تحت راية جماعة “أنصار الدين” وكتيبة “ماسينا” (التي أسسها محمد كوفا عام 2015) وتنظيم “القاعدة في المغرب الإسلامي” (قاده عبدالملك دروكدال حتى مقتله في 3 يونيو في مالي على يد الجيش الفرنسي) (19).
والمراقب لمشهد الحالة التنافسية القائمة بالساحل الإفريقي بين التنظيمات الجهادية على مناجم الذهب، يجد أن تنظيم “القاعدة” لا يقبل مزاحمة “داعش” له، خاصة في ظل مساعي “داعش” التوسعية بالساحل، واعتباره جغرافيا المنطقة ضمن نطاق نفوذه فيما يسميه بـ”ولاية غرب إفريقيا”(20).
وفي حين تعمل التنظيمات الصغيرة التي تنضوي تحت “القاعدة” مثل “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” (جماعة دعم الإسلام والمسلمين) وتنظيم محلي آخر يطلق على نفسه “أنصار الدين” (المدافعون عن الإسلام) في الشرق، عملت الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى في الغابات بعد أن قضت على أوكار المهربين وقطاع الطرق والصيادين الذين كانوا يعملون بطرق غير شرعية، وكانت هذه المنطقة ملاذهم التاريخي(21).

التعدين والسياسة والجهاد في بوركينافاسو

تعتبر بوركينافاسو دولة غير ساحلية تحيطها 6 دول: مالي من الشمال، والنيجر من الشرق، وبنين من الجنوب الشرقي، وتوغو وغانا من الجنوب، وكوت ديفوار من الجنوب الغربي، وتبلغ مساحتها 274000 كلم مربع، ويقدر عدد سكانها بأكثر من 18 مليون نسمة(22).
وتعد بوركينافاسو من أهم دول الساحل الإفريقي في إنتاج الذهب، إذ تضم قرابة 2200 منجم ذهب غير رسمي، ما جعلها في مرمى نيران التنظيمات الجهادية(23)، كما تنتج ما يقرب من 50 طنًّا من الذهب بقيمة 2 مليار دولار سنويًّا وفقًا لتقديرات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) (24).
ويُعتقد أن البلاد لديها ما يصل إلى 800 منجم صغير آخر، حيث يتم تهريب الذهب وبيعه بطريقة غير مشروعة، وقدرت حكومة بوركينافاسو أن هذه السوق غير المشروعة تنتج أكثر من 400 مليون دولار من الذهب سنويًّا(25)، وينتج عمال المناجم الصغار في بوركينافاسو حوالي 15-20 طنًا من الذهب سنويًا، بقيمة تتراوح بين 720 مليون دولار إلى 960 مليون دولار، وفقًا لتقديرات الحكومة ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (26) وحتى اللحظة لم يتم تنظيم أو تسجيل أي من هذه المناجم رسميًّا(27).
ويعتقد أن ما يقرب من 1.5 مليون شخص يعملون داخل المناجم الصغيرة، الأمر الذي جعل بوركينافاسو أسرع منتج للذهب نموًّا في إفريقيا، وخامس أكبر منتج في القارة، وفقًا لتقرير لمجموعة البحث الألمانية GLOCON(28)، ويعني ذلك أن هذه المناجم تُدر دخلًا ليس بالهين، ما جعلها مطمعًا ومطمحًا لكافة الجماعات المسلحة بتنويعاتها المختلفة، وغالبًا ما يعمل عمال المناجم غير الرسميين بعيدًا عن أنظار السلطات(29).
وتطفو على السطح ظاهرة عمل الأطفال والصبية في مناجم الذهب في ظروف قاسية وساعات عمل طويلة في ظل تدنٍّ بالغ في مستوى الأجور، وتعمل التنظيمات الجهادية على استغلال معاناة الأسر الفقيرة التي ترسل أبناءها للعمل، وتوفر لهم أجورًا أعلى قليلًا وحوافز أكثر من الشركات الأجنبية والمعسكرات العادية(30)، ونجح الجهاديون في شقّ طريق عبر بعض أغنى حقول الذهب في بوركينافاسو.

بليز كومباوري الرئيس الأسبق لبوركينا فاسو

ومن العسير تحديد كمية الذهب التي تنتجها هذه المناجم والتي يتم تهريبها بشكل غير رسمي من “بوركينافاسو” إلى “توغو” لتجنب الضرائب على الصادرات، ومن هناك يتم نقلها إلى المصافي قبل تصديرها(31).
وعلى الرغم من مرور ما يقرب من خمسة أعوام على رحيل الرئيس المثير للجدل “بليز كومباوري” بعد قضائه 30 عامًا في السلطة إثر الاضطرابات المدنية الهائلة التي طالبت برحيله؛ إلا أن المشهد السياسي في بوركينافاسو لم يتغير كثيرًا، بل ازداد سوءًا، وبقي انعدام الأمن والإرهاب السمة الرئيسة للمشهد السياسي.
ولم تعد الحكومة الحالية قادرة على تحقيق الاستقرار السياسي وتحسين الوضعية الاقتصادية في بلد زاخر بالكثير من الموارد المعدنية الهامة وعلى رأسها الذهب، كما لم تعد مؤهلة لحماية المجتمع البوركيني من ضربات الجهاديين المختلفة وهجمات جماعات التهريب واللصوصية(32).
وساهم عدم قدرة الدولة على تحقيق الأمن وحماية أماكن التعدين، خاصة بمناطق الريف، في قيام الجماعات الجهادية بهذه المهمة، ومن ثمّ تولدت سلطة أخرى منافسة لسلطة ونفوذ الدولة التي أصبحت غائبة أو متوارية عمدًا، مما حقق للجماعات الجهادية أمران: القبول المجتمعي في أماكن سيطرتهم نتيجة لما يحققونه من الحماية والأمن المفتقدين، وخاصة بالنسبة لعمال المناجم الذين يعملون في ظروف صعبة وقاسية.
وثانيهما: زيادة النفوذ وترسيخ التموضع، بما أتاح لهم قدرة على البقاء فترات أطول، والحصول على أكبر قدر ممكن من الحكم الذاتي، وساهم ذلك بقوة في وضع الجماعات الجهادية منذ 2016 أياديها على عدد كبير من مناجم الذهب الصغيرة، وتحول الذهب إلى مصدر جديد للدخل ومورد يضاف إلى موارد أخرى تحوزها من أجل البقاء والتمدد والانتشار(33).

كريستيان كابوري رئيس بوركينا فاسو يتهم سلفه بالتعاون مع الإرهابيين

ويتصاعد الحديث عن رابط ناظم بين تشظي الحالة الجهادية وتصاعد أعمال العنف المسلح في بوركينافاسو ابتداءً من 2015، ويُشار إلى أن الرئيس البوركيني السابق “بليز كومباوري” كان على علاقة غير مباشرة بالجماعات المسلحة في الساحل الإفريقي، والتي بموجبها ضمنت له استقرار الأوضاع السياسية والمجتمعية في البلاد في السنوات الأخيرة من حكمه في مقابل غض الطرف عنهم، وهو ما أكده الرئيس الحالي “كريستيان كابوري” في أكثر من موضع(34).
وفهم الجهاديون بشكل سريع طبيعة المشهد بالساحل الإفريقي، وعملوا على توظيف المعطيات القائمة لصالحهم، فسارع المرتبطون بالقاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية نحو الانقضاض على مناجم التعدين، خاصة تلك التي تفتقر للحماية الأمنية، مثل منجم تامبورا، على سبيل المثال، وجرى إخضاع العاملين لسطوتهم، والعمل تحت إمرتهم، وجمعهم لما أطلقوا عليه “ضريبة الحماية” من المجتمعات التي تعيش في المناطق التي تتواجد بها المناجم. فضلًا عن إجبار عمال المناجم على بيع الذهب حصريًّا لهم، ومن ثم تهريبه وبيعه عبر الحدود إلى أماكن متفرقة مثل “بنين” أو “غانا” أو “توغو”(35)، مع الإشارة إلى أن ذلك يحدث في المناجم الصغيرة وغير المرخصة التي لا تخضع للرقابة. ولم تستطع الدولة في مواجهة ذلك سوى أن تغلق أعدادًا كبيرة من هذه المناجم في الشمال المضطرب وأخرى في الشرق للحيلولة دون وصول الجماعات الجهادية لها واستخدامها لتمويل المزيد من الهجمات(36).

خريطة أقاليم بوركينافاسو، مع الإشارة لمقاطعتين يقع على حدودهما منجم Essakane””
منجم Essakane

من المناجم الشهيرة والهامة في شمال شرق بوركينافاسو، ويمتد على حدود مقاطعتي “أودالان” Oudalan و”سينو Seno” في منطقة الساحل، ويبعد حوالي 330 كم شمال شرق العاصمة واغادوغو (Ouagadougou)، ويغطي مساحة إجمالية تبلغ 1،266 كم مربع، وبدأت الشركة الكندية IAMGOLD، وهي تدير عددًا من المناجم في بوركينافاسو، في تولي إدارته منذ عام 2009، وبدأ الإنتاج التجاري في يوليو 2010(37)، بيد أنه ومنذ عام 2015 تزايدت هجمات الجماعات الجهادية وتصاعدت وتيرتها بشكل كبير مما أثر على حجم الإنتاج، وعادةً ما تُنسب الهجمات إلى “أنصار الإسلام” وجماعات أخرى مرتبطة بتنظيم “القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي”(38).
وكثيرًا ما يتعرض الجيولوجيون والمهندسون العاملون في أماكن التنقيب للوقوع في أسر التنظيمات الجهادية كرهائن من أجل الحصول على فدية، أو القتل جراء رفض التعاون أو التعامل مع الجماعات في مناطق نفوذها، أو رفضهم إعطاء خبراتهم لها. ولعل أبرز هذه الوقائع حادثة مقتل الجيولوجي الكندي “كيرك وودمان” على يد تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء، والتي أثارت حينها اهتمام الدول الغربية بأنشطة الجماعات الجهادية في بوركينافاسو بشكل كبير(39).

خريطة بوركينافاسو محدد عليها موقع منجم “Essakane”

كما يُغِيرُ الجهاديون من حين لآخر على قوافل تنقيب الذهب، وينصبون كمائن لها والاستيلاء عليها، كما حدث مع شركة التنقيب الكندية سيمافو simafo، وهي الحادثة التي قُتل فيها ما يقرب من 37 من عمال التنقيب على بعد 40 كم من منجم “بونجو”، الواقع في مقاطعة “تابوا”(40).
وتهدف التنظيمات الجهادية من عملياتها المتنوعة والمختلفة ضد المناجم وعمالها والشركات العاملة في مجال التنقيب لوقف مجيء شركات التعدين الغربية والخبراء العاملين في هذا المجال من الخارج، حتى يتسنى لها الاستحواذ على أكبر قدر ممكن من المناجم، خاصة أن غالبية الشركات الأجنبية تخضع لقوانين الحماية الدولية، وهو ما تحاول تلك الجماعات عرقلته والاقتصار على عمال المناجم المحليين(41) تحاشيًا لتسليط الضوء من قبل القوى العالمية على ما يحدث في دول الساحل وخاصة بوركينافاسو.

تحالف معلن بين التنظيمات الجهادية وعمال المناجم

في إطار سعي التنظيمات الجهادية لترسيخ وجودها عملت على استقطاب عمال المناجم، وتوفير الأمن لهم، وتوظيفهم، في خدمة أطماعها التوسعية في مجال التعدين، خاصة في ظل تردي أوضاع الكثير من عمال المناجم الصغيرة، وضعف ما يحصلون عليه جراء عملهم.

ويسهم ارتفاع معدلات البطالة في إقبال الكثير من العمال على الجهاديين بحثًا عن الدخل، بالإضافة إلى انعدام التدابير الصحية والتأمينية، وكل هذه العوامل تثير لديهم مشاعر السخط، فضلًا عن الضعف العام في الثقافة الدينية نظرًا لأن غالبيتهم ينتمون إلى قطاعات ريفية وغير متعلمين، ما يجعلهم مادة خامًا للتوظيف والتعبئة(42).

ويُقبِل عمال المناجم على الجماعات الجهادية لامتلاكها السلطة على المستوى المحلي، وقدرتها على تحديد ظروف التعدين في ظل تراجع سلطة الدولة، حتى باتت التيارات الجهادية تمتلك اليد الطولى في الجغرافيا الحدودية لبوركينا والمناجم المترامية الأطراف، بالإضافة إلى أنهم -في بعض الأحيان- يقدمون العون لبعض العمال في استعادة السيطرة على مواقع التعدين المتنازع عليها، وينظرون إليهم على كونهم “الشريك الأوثق”(43) على غرار ما حدث في مقاطعة “سوم” عام 2016 حين تلقى الجهاديون دعمًا من قبل عمال المناجم ضد ميليشيات Koglweogo التابعة للحكومة الذين استولوا على موقع تعدين “Kereboulé”(44).

تحاول الجماعات الإرهابية استقطاب عمال المناجم لصفها

ويرجع السبب الرئيس في هذا الدعم إلى الممارسات العنيفة للميليشيا التابعة للحكومة تجاه عمال المناجم وسكان القرى المتاخمة للمناطق التعدينية، حيث تسبب ضعف الرقابة الحكومية والأمنية من قبل الدولة على أفراد هذه الميليشيا في تذمر عام واستياء شديد من قبل قطاعات لا بأس بها من المجتمع البوركيني بسبب أدائها وممارساتها، ما ساهم في اتساع الهوة وانعدام الثقة بين التركيبة المجتمعية بتنويعاتها المختلفة والسلطة السياسية(45) حتى أضحت مناجم الذهب -خاصة الصغيرة منها- بمثابة مفارخ ومخاضات لتوليد “مجاهدين” جدد. ونتيجة لذلك سيطر الجهاديون على ما لا يقل عن 20 موقعًا في شرق بوركينافاسو(46).

ولم تجد حكومة بوركينافاسو في 2018 سوى أن تُقدم على إغلاق عدد من مواقع التعدين الكائنة في المنطقة الشرقية لتحجيم سيطرة الجماعات الجهادية على مواقع التعدين الصغيرة، وصعّدت -في الوقت ذاته- من حملاتها الأمنية، حيث شهد عام 2019 نشاطًا ملحوظًا لقوى مكافحة الإرهاب المحلية، خاصة في مقاطعة سوم، ونجحت في الاستيلاء على معدات التنقيب عن الذهب بل والذهب نفسه، ما ساهم في زيادة سخط عمال المناجم على الممارسات الأمنية الحكومية والميليشيات التابعة لها، فسارعوا إلى إعادة فتح بعض هذه المناجم، مثل منجم كابونجا، ولجئوا إلى الجهاديين لحمايتهم من ردة الفعل الحكومية التي انتزعت مصادر رزقهم(47).

دولتا مالي وتشاد.. والصراع حول مناجم الذهب

تأتي دولة مالي في المرتبة الثانية بعد بوركينافاسو من حيث استهداف الجماعات الجهادية لمناطق التعدين داخلها، وقد بدأ التنقيب عن الذهب في “كيدال” بإقليم أزواد شمال مالي عام 2016، وعادة ما تستقطب هذه المناجم عمالًا من النيجر وتشاد والسودان والجزائر، ويصل سعر الذهب إلى ما يصل إلى 1300 فرنك إفريقي (2.19 دولار) للقيراط في العاصمة “باماكو”، ومع الوقت أصبح اكتشاف الذهب وجهة كافة الشباب المالي، وفي ظل انعدام الأمن وعدم الاستقرار تزايدت أعداد الجريمة واللصوصية(48).

وعلى غرار ما حدث في بوركينافاسو، سعت التيارات الجهادية إلى توظيف كافة السياقات القائمة في المشهد المالي لخدمة أغراضها، لكنها واجهت مقاومة ليست بالهينة من قبل تحالف أعضاء تنسيق الحركات الأزوادية CMA COALITION DES MOUVEMENTS DE L’AZAWAD (CMA) والذي يضم عشرات الجماعات المسلحة الموالية للحكومة، وتخضع لسلطته معظم مناجم الذهب الحرفي(49) مما خلق حالة من الصراع والتنافس حول مناطق التعدين في مالي عكس بشكل كبير الوضعية القلقة في المشهد السياسي بالبلاد(50).

وفي “تبيستي” أقصى شمال تشاد مع الحدود مع ليبيا والنيجر، تدور رحى المعارك حول مناطق التعدين(51) بين الدولة وعمال مناجم الذهب(52) الذين ينتسبون لمنطقة “التيدا”، وهم مجموعة بدو رحل يسكنون جنوب ليبيا، وكذلك شمال تشاد ولهم لهجتهم الخاصة بهم تسمى “التيداجا”(53).

ودائمًا ما تنظر الدولة لعمال المناجم من قبيلة التيدا على أنهم متواطئون مع المتمردين التشاديين في جنوب ليبيا. وفي المقابل، يرى السكان المحليون وعمال المناجم أن الحكومة راغبة في الاستيلاء على ما يرونه ذهبهم. ومنذ عام 2012 يعاني السكان المحليون من أداء السلطة السياسية العدواني تجاههم، ودائمًا ما تستفيد الجماعات الجهادية من هذا(54).

وكانت مدينة “مسكي” في إقليم تبستي شمال تشاد أرضًا خصبة للتمردات منذ استقلال تشاد في عام 1960. ومنذ اندلاع ما يُعرف بالربيع العربي بات يُنظر إلى الشمال كأداة في عدم استقرار البلاد، ساهم فيه القرب من الجنوب الليبي حيث الدولة التي ابتليت بعدم الاستقرار والصراع بين الأعراق منذ الإطاحة بالرئيس الليبي “معمر القذافي”، لتصبح المدينة ملاذًا آمنًا للمتمردين التشاديين(55).

ازدهار الذهب بمدينة “مسكي” شمال تشاد جعلها مطمعا للإرهابيين والمتمردين

واجتذب ازدهار الذهب في المنطقة التجار وعمال المناجم والجنود التشاديين والهاربين من الجيش والمتمردين التشاديين والسودانيين، الذين يسعون جميعًا للاستفادة من الأرباح الهائلة(56)، فضلًا عن الجماعات الجهادية المسلحة.

وفي النيجر، منذ اكتشاف وجود الذهب في منطقة “دجادو” في 2014 وأصبحت المنطقة ساحة صراع بين الجماعات المسلحة المختلفة والمُشكّلة من التشاديين المشتبه في صلتهم بجماعات “الزغاوة” أو “التبو المتمردة” من جنوب ليبيا، وسيطر هؤلاء الفاعلون على بعض مواقع الذهب، وتداولوا الذهب بشكل غير مشروع في الأراضي الليبية حتى عام 2016 على الأقل(57).

وفي عام 2017، أغلقت السلطات النيجيرية الموقع على الرغم من الالتزامات التي تم التعهد بها، مما اضطر عمال المناجم للتوجه نحو مواقع الذهب الأخرى (خاصة في منطقة آير) أو الاقتصاد الإجرامي، وجلب السخط للمجتمعات المحلية.

ومع ذلك، تستمر مجموعات قليلة من عمال مناجم الذهب الأجانب في استغلال الموقع بشكل غير قانوني، وأحيانًا بالتواطؤ مع قوات الدفاع والأمن المحلية(58). ويقول محللون إن المسلحين والمتمردين في شرق بوركينافاسو أعادوا فتح مناطق التعدين التي أغلقتها الدولة، وأتاحت للسكان المحليين الوصول إليها إذا حملوا السلاح في المقابل(59).

في 6 نوفمبر 2019، هاجم مسلحون مجهولون قافلة من Semafo، وهي شركة كندية تدير منجم Boungou للذهب في شرق بوركينافاسو. وبحسب ما ورد في الشهادات الأولى، قُتل ما لا يقل عن 40 موظفًا، بعضهم من مسافة قريبة. في حين تم تسجيل هجمات ضد رجال الدرك أو ضباط الشرطة الذين يرافقون مثل هذه القوافل في المنطقة. والعدد الكبير من الضحايا المدنيين يجعل هذا الأمر بارزًا(60).

خريطة بمناطق التعدين في بوركينافاسو
Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

دراسة

مصطفى زهران

كاتب وباحث مصري

مشاركة

أحمد بيكا

غُلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram