زوايامختارات

ذو محاور أربعة.. نظرة على “تكتيك داعش 2021”

تغيرت بشكل واضح أساليب وتكتيكات داعش بعد الهزائم التي لحقت بالتنظيم وإعلان سقوط دولة الخلافة في مارس 2019 وانحسار نشاطه شيئاً فشيئاً، حتى تلقى ضربة قوية مع مقتل زعيمه “أبو بكر البغدادي” في أكتوبر من العام نفسه.

وقد أعلن تنظيم داعش طريقه نحو مقاومة المتحالفين ضده، واتّبع استراتيجية مختلفة عن تلك التي انتهجها حين تمددت “خلافته المزعومة” في سوريا والعراق، وذلك بالتمركز في أطراف البلدان والقيام بهجمات “غير متكافئة” تعتمد على الاشتباك السريع والمباشر.

خلال الفترة ما بين مقتل البغدادي ونهاية عام 2020، حاول تنظيم داعش التعافي من الضربات التي تلقاها، خاصة من قِبل قوات التحالف الدولي. وبدأ إعادة البناء من الداخل وهيكلة إداراته وأجهزته، وكذلك إعادة تموضع قواته وانتشارها.

وقد استغل التنظيم ضعف الحكومتين السورية والعراقية، حيث جمود الوضع السياسي في العراق، واستمرار الصراع في سوريا، ليبدأ في حرب استنزاف جديدة، يسعى فيها -باستخدام ما تبقى من إمكانيات- لإرهاق القوى المحيطة به والتأكيد على قدرة التنظيم للاستمرار.

أسر داعش في مخيم “الهول” في سوريا

إثبات خطورة التنظيم رغم شتات مقاتليه

يهدف تنظيم داعش في هذه المرحلة إلى عودة نشاطه بشكل أقوى وأعمق، حيث تعتمد استراتيجيته وفقاً لكتاب “إدارة التوحش: أخطر مرحلة ستمر بها الأمة“، في مرحلة هزيمة وانحسار “دولة الخلافة” على استنزاف قوى أعداء التنظيم عسكرياً واقتصادياً، وذلك من خلال الاستمرار في تنفيذ استراتيجية “شد الأطراف“، سعياً منه إلى استنزاف القوى العسكرية للقوات المعادية له في سوريا والعراق. وقد بدأ تنظيم داعش مع مطلع العام الجديد (2021) بضربة مباشرة في قلب بغداد باستخدام عبوة ناسفة نتج عنها مقتل وإصابة العشرات، وهو الهجوم الأعنف منذ عام ونصف العام، وقد أكد التنظيم في إصدار بعنوان “غزوة بغداد” أن التفجير يعتبر انتقاماً مما أسموه “ممارسات قوات الحشد الشعبي ضد المسلمين السنّة في العراق”.

وفي سوريا، تم استهداف قوات النظام السوري، حيث تركزت هذه الهجمات على الطرق الرئيسية العابرة للبادية، والتي تصل محافظات الشمال والشرق السوري مع محافظات الوسط والعاصمة، وكانت إحدى تلك الهجمات استهداف حافلة لجنود سوريين بجنوب دير الزور من خلال نصب كمين لهم، الأمر الذي يكشف وجود عناصر التنظيم بشكل غير مُركز في أطراف جنوب دير الزور والرقة وبادية حماة وبادية حمص.

تلك العملية تكشف عن استمرار داعش في تكتيك حرب العصابات الذي يعتمد على اختيار الأهداف ومواجهتها بشكل مباشر بأعداد قليلة، ذلك بجانب استخدام العبوات الناسفة لإثبات استمرار خطورته ومحاولة فرض سيطرته في المنطقة التي تتمركز فيها المجموعات التابعة له.

تتركز قوات داعش في مناطق صحراوية (البادية) داخل سوريا وفي غرب وشمال غرب العراق، حيث توفر لهم الحماية من ضربات قوات التحالف الدولي وكذلك قوات الجيش العراقي وقوات سوريا الديمقراطية من ناحية، ومن ناحية أخرى محاولة لترتيب القدرات وحشد الأفراد والعتاد العسكري للعودة مرة أخرى والسيطرة على المدن.

وتتركز عمليات داعش في سوريا عن العراق، بسبب تعدد أطراف الصراع ومن ثَمَّ سهولة المواجهة وكسب الأرض، وتستهدف تلك العمليات مناطق كريف حماة ودير الزور وحلب، يضاف إلى ذلك استغلال داعش للخلايا النائمة والتي تنتشر في عمق المناطق الريفية والمدن السورية.

تهدف هجمات التنظيم على القوات المحلية وقوات الجيش في سوريا والعراق، عبر المناطق الحدودية وغير المأهولة، إلى تزويد عناصر داعش بالتموين العسكري من معدات وذخائر وصقل قدراتهم القتالية، فمثل هذه الطرق يسلكها قوات قليلة في العدد وذات تسليح خفيف، الأمر الذي يعطي قوات داعش الأفضلية عبر زرع عبوات ناسفة وتقليل احتمالات مقتل أفراد التنظيم.

داعش في البادية السورية

إعلام داعش وتكثيف جهود التعبئة

تعتبر الأداة الإعلامية أحد أهم السمات التي يتميز بها تنظيم داعش بين نظرائه من التنظيمات، وهي الأداة التي لم يستطع التنظيم الاستغناء عنها، بل سعى إلى استعادة تأثيرها بشكل أكبر، خاصة في ظل جائحة كورونا.

ويبدو واضحاً أن داعش يسعى في المرحلة المقبلة إلى استخدامها لتعبئة عناصره بشكل أوسع وجذب عدد أكبر من الأفراد للانضمام للتنظيم ودعم صفوفه بعد خسائره الكبيرة. ومن الملاحظ عدم ظهور الخليفة الجديد “أبو إبراهيم الهاشمي”، لذا، ربما يشهد عام 2021 ظهوره الإعلامي الأول، في محاولة لتأكيد ثبات الهيكل التنظيمي والقدرة على استيعاب ما لحق بداعش من هزائم.

يعمل داعش على لفت الأنظار عن حالة الضعف التي أصابته، وقد تبيّن ذلك في الفيديو الذي ظهر فيه المتحدث باسم داعش “أبوحمزة المهاجر القرشي”، بالتركيز على كونه صاحب المنهج الإسلامي الأصيل، وصاحب العقيدة الصحيحة، وإظهار ضعف عقيدة التنظيمات الجهادية الأخرى، وكذلك يركز إعلام التنظيم على زيادة البيعات وتحديداً في إفريقيا وآسيا الصغرى، ومهاجمة الدول الإسلامية التي تتركز فيها ولايات داعش لزيادة انضمام عناصر جدد.

في الإطار نفسه يحاول التنظيم، من خلال الأداة الإعلامية والرقمية، إلى مد مشروعه لتكوين “خلافة سيبرانية“، تهدف من ناحية إلى توسيع الجهاد الإلكتروني وعمليات القرصنة، ومن ناحية أخرى استقطاب جمهور جديد بتكثيف الخطاب المعادي والمُكفِّر للشيعة، مُستغلاً بذلك الوجود الشيعي داخل الجيش العراقي وصعوبة انخراط المسلمين السنّة فيه، مما قد يدفع البعض إلى الانضمام للتنظيم، الذي استغل المنهج ذاته في سوريا، مُستغلاً انخراط جماعات عدة في الصراع بسوريا، وهي قوات سوريا الديمقراطية، والأكراد، فضلاً عن القوات التركية وقوات النظام السوري.

عناصر لتنظيم داعش

تكتيك من أربعة محاور

يمكن القول إن تكتيك داعش خلال الفترة المقبلة سيتعمد على أربعة محاور أساسية:

  1. التركيز على المجاهدين المحليين

كانت إحدى نقاط القوة لدى داعش هي قدرته الواسعة على جذب الأجانب وتجنيدهم من دول العالم كافة، وزاد إيمان هؤلاء الأفراد بالتنظيم حين استطاع السيطرة على الأرض وتأسيس “الخلافة”، وشجعهم على الهجرة وترك بلادهم. يفتقد داعش تلك الميزة لأسباب عدة أهمها انقطاع طرق الإمداد ومحاصرته، فضلاً عن الإجراءات الأمنية التي تتخذها الدول لوقف هجرة مواطنيها إلى داعش، ويؤدي ذلك إلى عودة نهج التنظيم في الاعتماد على المجاهد المحلي، حيث يتم التركيز على تجنيد أبناء العراق وسوريا، ودعوتهم للجهاد ضد جماعات كافرة أو مرتدة كالشيعة في العراق أو نظام الأسد والأكراد في سوريا.

  1. إعادة السيطرة على الأطفال داخل مخيمات سوريا والعراق

تتوزع أسر الدواعش بين سوريا والعراق؛ حيث تُسيطر “قوات سوريا الديمقراطية” على عدد من المخيمات التي تأوي نحو 35 ألف من عائلات داعش من نساء وأطفال، وهناك مثلهم في العراق خاضعون لحكومة “مصطفى الكاظمي”.

ويسعى التنظيم حالياً إلى تكثيف جهوده للتجنيد داخل هذه المخيمات مُجدداً، بحيث يستعيد الأطفال ما تم غرسه فيهم مُسبقاً، بحيث ينشؤون في هذه المخيمات وهم موالون لداعش ولفكرة “الخلافة الإسلامية”، ليصبح كل منهم مقاتلا محتملا في صفوف التنظيم.

  1. تحرير سجناء التنظيم

نشر تنظيم داعش إصدارا مرئيا بعنوان “ما نسيناكم ولن ننساكم“، والذي تضمن تسجيلاً صوتياً للمتحدث باسم التنظيم “أبو حمزة القرشي” يعد فيه أسرى التنظيم بالعودة وفك أسرهم قريباً.

وتحوي السجون التابعة لقوات سوريا الديمقراطية ما بين 8000 إلى 9000 سجين، بينهم أكثر من 5000 سجين سوري ونحو 3000 سجين عراقي، والبقية من جنسيات مختلفة، وقد شهد عام 2020 محاولات عدة لتهريب سجناء داعش في مناطق كالحسكة والرقة، وهو الأمر الذي ينذر باعتماد داعش في المستقبل على عناصره الأسيرة ومحاولة تهريبهم، أو حثهم على الهرب وانتظار عودتهم مرة أخرى للتنظيم.

  1. تكتيكات جديدة للتعبة

رغم عدم قدرة داعش على الاستفادة ممّنْ يتم تجنيدهم من الدول الأوروبية، فإنه يمكن تجنيدهم وحشدهم من خلال شبكة الإنترنت، ودفعهم إلى القيام بعمليات إرهابية فردية في بلادهم، كما حدث في باريس ونيس وفيينا، حيث استغل التنظيم أحداث الرسم الكاريكاتوري المسيء بفرنسا في حشد البعض ليؤكد -لأعدائه قبل أتباعه- مدى قدرته على التأثير، ويُضاف إلى ذلك تكثيف نشر المواد الإعلامية المُحفِّزة عبر الإنترنت، والتي تحوي مشاهد وموسيقى مؤثرة وحججا دينية تدفع الفرد للإيمان بما تطرحه المادة الإعلامية للتنظيم من أفكار.

عناصر داعش

يمكن تلخيص أهداف داعش خلال الفترة المقبلة في نقطة مُحددة، وهي إثبات أن التنظيم مستقر ولا يزال خطراً على الأرض، بجانب قدرته على استهداف “العدو البعيد” واستقطاب عناصر جدد.

ورغم التوقعات بأن عودة التنظيم كما كان، مُسيطراً على رقعة كبيرة من الأرض تسمح له بإقامة دولة، هو أمرٌ يصعب تحقيقه في المستقبل القريب، فإن ذلك لا ينفي استمرار خطورته وصعوبة القضاء عليه كلياً.

إسلام أحمد حسن

باحث في العلوم السياسية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى