"رأفت الميهي"

مواجهة الواقع المجنون بالفانتازيا

مررت أمام التلفزيون منذ أيام لأجد فيلم “الأفوكاتو” في منتصفه، لكن حتى وإن كانت الدقيقة الأخيرة فسأجلس بهدوء الرهبان لأشاهد فيلم طفولتي المفضل. أنجذب له تمامًا حينما أصادفه يُعرض على الشاشة، أحيانًا أقتنص منه لقطات سريعة عبر اليوتيوب، أثناء أوقات فراغي من دوامات الحياة. لفترة طويلة كنت أظنها النوستالجيا وحدها سبب ولعي بالفيلم؛ إلا أنني كلما خطوت درجة نحو سن الحكمة، أدركت روعة العمل، وغناه بالدلالات والتفاصيل، واستشرافه المستقبل.

صديق على صفحتي بموقع “فيسبوك” لفت انتباهي مؤخرًا إلى “التيشيرت” الذي ارتدته “إسعاد يونس” في زيارة أسرة المحامي له في السجن، فقد رُسم عليه شعار مجلة “playboy” الشهيرة، إشارة إلى الكبت الجنسي الذي كانت تعانيه وزوجها (مع إيقاف التنفيذ) طوال مدة الفيلم.

أدركت مؤخرًا أن توغّلي في الزمن ومسئولياته، وليس العكس، هو محرك إيماني بفلسفة “الميهي”، أو نظرية حسن سبانخ الطبيعية، التي يذكرها بطل الفيلم للسجان في مونولوج عبقري:

“الحياة مقرفة جدًّا يا عبدالجبار، ولو رفضتها عشان مقرفة هتبقى مقرفة أكتر.

– طب والحل؟

– الحل بسيط.. إنك تعامل الحياة بقوانينها عشان تتمتع بجمالها يا عبدالجبار.

– مش فاهم!

– المجتمعات المتخلفة يا عبدالجبار متعرفش حاجه اسمها العلم، وأي محاولة لتغيير حركتها بقوانين علمية تُعتبر محاولة غير علمية في حد ذاتها..”.

عقود يوقّعها "الميهي" مع جمهوره

يتفاعل الجمهور مع الدقائق الأولى في الفيلم، إما باستمرار المشاهدة، أو الخروج سريعًا من صالة العرض لإشعال سيجارة، أو الذهاب بلا عودة. ليس كل مُشاهِدٍ من طراز “يوسف شاهين”؛ عَاِلم بزوايا الكاميرا، وجماليات الصورة، ويستطيع الصبر، ويغويه التأمل. الفيلم الفانتازي مهمته أصعب، المؤلف والمخرج هنا يؤسسان لعالم موازٍ، مفارقٍ للواقع تمامًا، فإذا لم يقتنع المتفرج تحولت كل حركة وصوت على الشاشة لافتعال يضرب أمعاء المشاهد بلا رحمة.

ولأن “الميهي” مخرج بارع بدأ حياته الفنية كسيناريست مع “كمال الشيخ” في فيلم “غروب وشروق” و”على من نطلق الرصاص” وغيرهما؛ يدرك أكثر من غيره من التجريبيين في السينما المصرية، ممن دقوا تحديدًا أبواب الفانتازيا، حقيقة أن المُشاهد عمومًا -والمصري خصوصًا- لا يبتلع هذا التصنيف بيسر.

يتمم “الميهي” لذلك الصفقة مع جمهوره بسرعة، يسحب المشاهد في الدقائق الخمس الأولى إلى أجواء الفيلم، يفصله تمامًا عن عالمه الواقعي، ويجلسه بين أبطاله غريبي الأطوار.

مُعلمة مصابة باللحمية، وأخت مكبوتة جنسيًّا لأن زواجها معلق على ورق، ومراهق يُذكّر والده دائمًا بحقيقة عمره، وأب لا يخلو من غرابة وطرافة، مجنون وذكي في الوقت نفسه، يهوى السبانخ طعامًا وفلسفة.

في مشهدٍ يقف فوق شعرة فاصلة بين الجد والهزل، يُخرجهم “الميهي” بشكل كاريكاتيري من جحرهم الصغير من جحور الإسكان الاجتماعي، التي كانت منتشرة وقتها، على طريقة الباليه المائي، لكن رقصتهم لا تكون فوق مسارح الأوبرا الفخمة، إنما فوق صخور متراصة لعبور المشاة بين المجاري والقمامة.

عقب هذه الدقائق المعدودة، التي ينجح خلالها “الميهي” -مخرج ومؤلف الفيلم- في تقديم كل أبطاله الرئيسيين؛ يأتي فصل الارتكاز، مفتاح الحبكة، المرافعة الهزلية التي يفضح فيها “الميهي” واقع مصر بداية الثمانينيات، بين انتهاء عالم قديم وبداية آخر، من خلال عكس حالته المزرية في مرافعة تحمل سؤال الفيلم الرئيسي “هل هناك قانون يا سادة يمنع الرقص؟” الجميع يرقص، فلماذا لا يرقص معهم “حسن سبانخ” وأسرته؟!.

بين عالَمَيْ "سليم أبو زيد" و"مصطفى محرم"

اعتاد المصريون على طرح القديم من قِبَل الجديد، فلِكي يكون النظام الجديد جديدًا عليه أن يصف النظام السابق بـ”النظام البائد”. فيلم “الأفوكاتو” المنتج عام 1983 جاء في حقبة تحوّل: انهيار عالم عبدالناصر والسرديات الكبرى، وصعود عصر السادات ومن خلفه حلم الثراء السريع. سارعت أقلام الأمر المباشر تكتب عن أسرار وخفايا سجون “ناصر”، وهذا إن كان حقيقيًّا فلم يكن مجردًا من مكاسب، ومعه مدح زمن الانفتاح و”تفتيح المخ”.

كان “الميهي” موضوعيًّا في نقده، يقظًا لزمنه، راصدًا تحولاته، فلم يتورط في بكائيات جيله على زمن “ناصر”، زمن الممانعة والفخار القومي، كما لم يشارك في إهالة التراب عليه، ليوهم الجمهور بجمال العصر الحالي؛ وإنما عرض أزمات المجتمع الجوهرية الممتدة تحت حكم العالمين، واختار لها قالباً يبدو هزليًّا، بينما تختبئ في داخله رؤية فيلسوف اقترب فرأى.

استبصر “الأفوكاتو” المستقبل لدرجة مبهرة في وضوحها، اختفاء رمز النظام البائد، تحوّل كامل للدولة لتصبح لعبة هشة وصغيرة في يد قلة، أو كما يقول “علي الشريف”، الذي قام بدور الصول “عبدالجبار”: “احنا خدامين لقمة عيشنا يا متر”.

في حين لم يتبقَّ في يد الأغلبية من أبناء المجتمع المقهور، إلا أحلام السفر إلى ليبيا ودول الخليج، وادخار أموال تغنيهم عن الشقاء في بلادهم، أموال احتال عليها حيتان توظيف الأموال الذين تُعبّر عنهم شخصية “حسونة محرم”، تاجر الأغذية الفاسدة.

زرع الرمزيات على مهل

وقف الفيلم على الشعرة الفاصلة بين الهزل والجد، فجعل من الأداء مهمة مستحيلة؛ إلا أن “الميهي” استطاع تحريك ممثليه، وضبط توقيت جملهم بشكل موفق جدًّا، فلا جملة متأخرة عن ميعادها أو متقدمة بلحظة. وربما اختياره “عادل إمام” لتجسيد الدور كان اختيارًا مثاليًّا، لأن نقطة تميز “الزعيم” خلال مسيرته الفنية هي قدرته على الانتقال من الجد إلى الهزل بسلاسة في المشهد نفسه. وجميع الممثلين في العمل وُفِّقوا إما في تفعيل الكوميديا، أو عكس كوميديا “عادل إمام” ومضاعفة أثرها.

لكنّ أروع ما في العمل هي رمزياته المختبِئة في الحوار، في عمق الصورة، وفي “الفوكس”. رمزيات كثيرة لا يسعها معجم سينمائي كامل، لذا سأذكر منها الرمزية الختامية، وهو مشهد ظهور دخان السيجار من خلف الصخرة التي يجلس بجوارها “عبدالجبار” (رمز الدولة) بعدما أشعل السيجار الذي تركه “سليم أبو زيد” (رمز السلطة البائدة)، كأنما يريد “الميهي” قول: “بينما يرث النظام الجديد القديم يحترق الإرث ذاته، الدولة والمجتمع”.

مرثية "الميهي" لوطنه وذاته

يفتنني الحوار في أي فيلم، الحوار الذكي، الملفت، والصادم في الوقت ذاته. “الأفوكاتو” متخم بالحوارات الفلسفية المربكة، ورغم عمق معانيها إلا أنها فُصِّلت على مقاس وخلفية كل شخصية: حوار البطل مع السجان عبدالجبار، مع سليم أبو زيد، مع القضاة، مع حسونة محرم؛ إلا أن حوارًا واحدًا خفيًّا هو ما صعقني بقوة عندما تبينت مراميه.
خلال الثلث الأخير من الفيلم يدخل الزوج “حسن سبانخ” والزوجة “عطية” في حوار متوتر، تستشف منه أن الزوج هو “رأفت الميهي” نفسه، والزوجة هي مصر:

“إنتي عارفة الناس بتخش سرايا المجانين ليه؟

– ليه؟

– عشان عايزين يفهموا كل حاجة حواليهم، عايزين يوزنوا كل حاجة بميزان العقل.

– عشان كده دخلوا السرايا الصفرا.

– اسم الله عليكِي.. أنا بقى معنديش استعداد أخش السرايا الصفرا.. صدقيني الدنيا مجنونة، وأنا مجنون، وإنتِي كمان مجنونة.

– خليك في حالك أنتَ.

– يا سلام.. إنتِي عايزة تفهميني إنك لما تقطفي ملوخية في الحصة ده شغل عاقلين؟.. سليم أبو زيد لما يعذب الناس ويقول إن ده لمصلحة الناس ده شغل عاقلين؟.. حسونة محرم لما ينهب البلد ويغرقها مخدرات وبعدين الجرايد تهلل له ده شغل عاقلين؟!
– بقيت فيلسوف يا فالح.

– طول عمري فيلسوف بس إنتِي اللي حمارة، بس برضو بحبك.. وده برضو مش شغل عاقلين”.

مهما اجتهدت في تطبيق نظرية سبانخ، زعيم الحياة الطبيعية، توجد لحظة تنهار فيها كل دفاعاتك، وتستسلم لمشاعرك، تحب ما لا يمكن حبه أبدًا بميزان العقل، وتأنف مما لا تأنفه حسابات المكسب والخسارة، لتجد نفسك أخيرًا منضمًّا لرابطة “شغل غير العاقلين”.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

معتز حجاج

كاتب مصري

مشاركة

أحمد بيكا

غُلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram