سياسة

“رئاسي ليبيا”.. خطة “الإخوان” للهيمنة على السلطة الجديدة

تقف ليبيا على عتبة تشكيل سلطة انتقالية جديدة، اقتربت معالمها من الاكتمال، لتأتي بتحالفات تضم أشخاصا بارزين كانوا يقفون على مسافات متابعدة

تقف ليبيا على عتبة تشكيل سلطة انتقالية جديدة، اقتربت معالمها من الاكتمال، لتأتي بتحالفات تضم أشخاصا بارزين كانوا يقفون على مسافات متابعدة، بل وفي المواجهة بين بعضهم قبل شهور قليلة.

وفي هذا التوقيت تسعى جماعة الإخوان لانتزاع أكبر مكاسب ممكنة من أجل أن يكون لها حضور كبير في المرحلة المقبلة داخل هيكل السلطة الانتقالية التي من المقرر أن تستمر حتى 24 ديسمبر فقط، حين ستعقد الانتخابات العامة.

ويعيش المشهد الليبي على وقع ارتباك كبير وخلط للأوراق من جميع الأطراف، وهو ما يعقد وضع البلاد المتأزم منذ سنوات عديدة.

الفرقاء الليبيون

المشري و”خدعة” جويلي

وفي إطار سعيهم لحل الأزمة اجتمع 75 عضوًا من الفرقاء الليبين (يمثلون تياري الغرب والشرق الليبي) في جنيف، في ملتقى الحوار السياسي الليبي، الذي يشهد عملًا مكثفًا، ينتهي بحلول غد الجمعة، وذلك لاختيار أعضاء المجلس الرئاسي وحكومة الوحدة، حيث تبدو حظوظ رئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري هي الأكبر لحصد مقعد في “الرئاسي” عن المنطقة الغربية.

ويناقش ملتقى الحوار بجنيف قائمة المرشحين لعضوية المجلس الرئاسي الجديد، وانتخاب السلطة التنفيذية الجديدة من بين الأسماء المرشحة، وسيتم الإعلان عن السلطة الجديدة بعد غد الجمعة.

ويرى مراقبون أن المشري، الذي فاجأ الجميع باكتساحه التصويت الأولي للكتلة الغربية في الملتقى، لم يخض منافسة حقيقية، رغم أنه ليس المرشح الوحيد المدعوم من جماعة الإخوان إذ إنها وقفت أيضا في صف وزير الدفاع في حكومة الوفاق، صلاح الدين النمروش، والقيادي الميلشياوي أسامة جويلي.

ويربط مراقبون بين الدفع بـ”جويلي” وحالة التفكك التي شهدتها جماعة الإخوان في ليبيا خلال الشهور الماضية، حيث شهدت انقساما حادا بين بعض فروعها في المدنة ورأس الجماعة، في حين يذهب آخرون إلى أن الغاية من الدفع بـ”جويلي” هو تفتيت الأصوات التي قد تذهب لمرشحين آخرين منافسين لـ”المشري”.

أما “النمروش” فالوضع مختلف، إذ تمكن من حصد عدد كبير من الأصوات، وفق المراقبين، الذين يؤكدون أن الجماعة أدارت المشهد عبر الدفع بجميع أوراقها، من أجل أن تضمن اقتناص مقعد الغرب في الرئاسي.

خالد المشري هو ابن مدينة الزاوية، درس الاقتصاد بجامعة بنغازي، وترأس المجلس الأعلى للدولة منذ العام 2018، ورغم إعلانه الاستقالة من جماعة الإخوان في العام 2019، إلا أنه مازال على علاقته بالجماعة وقيادتها، ويتفق مع أهدافها وفي جوهرها، وإن كانت الخلافات “تتعلق بأمور تنظيمية وهيكلية”.

أسامة الجويلي

الرهان على “باشاغا”

وإن كان الحديث لا ينتهي عن دعم الجماعة الكبير لـ”المشري” في سباق “الرئاسي”، فمع باشاغا تلقي “بثقلها” من أجل توليته رئاسة الوزراء، وهو الهدف الذي ظل يداعب خيال “الإخوان” منذ أن خاضت حكومة الإنقاذ، المدعومة منهم، حربا في طرابلس عام 2018، لإسقاط حكومة الوفاق في حينها، قبل أن يتم الصلح بينهما بصفقة أتى فيها “باشاغا” وزيرا للداخلية.

وترى مصادر مطلعة، في حديثها إلى “ذات مصر”، أن هناك توافقا بين أعضاء الملتقى على تحقيق توازن يمكن أن “يرضي الكل ويغضبهم في ذات الوقت”، إذ سيتم التوافق على الدفع بالمستشار عقيلة صالح إلى رئاسية المجلس الرئاسي، مقابل أن يكون باشاغا هو رئيس حكومة الوحدة الوطنية.

وترى المصادر أن الأمر مرتبط بتحقيق توازن “دقيق” داخليا وأيضا خارجيا، إذ إن قيادة عقيلة لـ”الرئاسي” سيضمن رعاية مصر للاتفاق، كما أن القاهرة كانت منفتحة على حكومة الوفاق خلال الشهور الماضية وبالتحديد “باشاغا”، الذي استقبلته في نوفمبر الماضي، كما أجرى معه وفد مصري رفيع المستوى محادثات خلال زيارة إلى طرابلس في ديسمبر الماضي.

فتحي باشاغا

وسيكون وجود “باشاغا”، والحديث للمصادر، ضمانا لتجنب إفساد تركيا المرحلة الانتقالية الجديدة، إذ يعتبر حليفا تقليديا لها، كما أنه سيتولى مهمة السيطرة على الميليشيات التي ستخرج لرفض الاتفاق ومحاولة إفشاله.

وترى المصادر أن تغييرا قد يطرأ على تلك المعادلة، يتمثل في استبدال “باشاغا” بنائب رئيس المجلس الرئاسي أحمد معيتيق الذي يمتلك حظوظا كبيرة للوجود في السلطة المقبلة.

وأبرز ما يدعم ذلك الرأي أن معيتيق كان الطرف الذي أبرم مع الجيش الوطني الليبي اتفاق استئناف إنتاج وتصدير النفط في سبتمبر الماضي، وتوضح المصادر في هذا الشأن أن معيتيق “صاحب شخصية براغماتية قريبة من أوساط الأعمال بعلاقات جيدة مع روما، والقاهرة وموسكو”، وفق المصادر.

والملاحظ أن المرشحين المدعومين من جماعة الإخوان تفادوا خلال تقديمهم في ملتقى الحوار، الحديث عن ميولهم السياسية، لكن استشعار بعض أعضاء الملتقى الخطر من وصولهم إلى السلطة، دفعهم لمطالبتهم، وجميع المرشحين الآخرين، بتحرير “إقرار مكتوب” بتسليم السلطة إلى الذين سيجري انتخابهم نهاية العام، وفق ما كشفت مصادر مطلعة على جولات الملتقى.

الحرب في ليبيا

الإخوان “لا عهد لهم”

في هذا السياق، حذر الكاتب والمحلل السياسي الليبي محمود المصراتي من “عقد صفقات” أو الدخول في تفاهمات مع الجماعة، إذ إنهم يسعون في النهاية إلى السيادة والسيطرة على المشهد.

وقال إن سعي ممثل الإخوان للوجود في السلطة الجديدة، وهم المشري وباشاغا وجويلي والنمروش، ما هي إلا محاولة لتكرار ما حدث مع حكومة الوفاق، وإعادة “سنوات الفشل السابقة”، التي عصبوها في النهاية برأس فائز السراج رئيس المجلس الرئاسي، و”كأنهم ليسوا شركاء معه”.

وتابع: “عندما حذرنا السراج قبل سنوات طويلة من خطورة التحالف مع هذا التنظيم، الذي لا يمثل حتى 1% من الليبيين، ومن خطورة تسوية وضع عائلة (عبدالحميد) دبيبة القانوني (مرشح آخر مدعوم من الجماعة)، كان السراج يتحدث عن ضرورة احتواء الجميع ونبذ الإقصاء”.

وأكمل: “مرت السنوات وها هُم اليوم الذين جاء بهم السراج ومنحهم حقائب ومناصب ورتبا عسكرية مجانية يضعون رأسه على المقـصلة ليتحالفوا مع آخر سينتهي هو لذات المصير بعد سنة او سنتين، وما زال الحديث يتواصل عن الاحتواء وعدم الإقصاء” للإخوان.

ويتقق مع تلك الرؤية أيضا المحلل السياسي الليبي عادل خطاب، الذي اتهم الأمم المتحدة برعاية محاولة تمرير حكومة يطغى عليها التابعون لجماعة الإخوان، في مشهد يعاد فيه استنساخ حكومة الوفاق الوطني التي تأسست عام 2015، ووافقت على أعضائها بعد التوصل إلى الاتفاق السياسي المعروف باسم “الصخيرات”.

ولاحظ “خطاب” أن الجماعة سعت خلال الأيام الماضية إلى منع استبدال “ستيفاني ويليامز” كمبعوثة خاصة بالإنابة في ليبيا بالدبلوماسي السلوفاكي يان كوبيس، وهو المبعوث الأممي الجديد، معللا ذلك بأن “سياسة ويليامز متطابقة مع خطط الإخوان”.

ستيفاني ويليامز

وعاد إلى المحادثات الليبية التي انعقدت في مدينة بوزنيقة المغربية، قائلا إنها شهدت “اتفاق ممثلي الأمم المتحدة وحكومة الوفاق على تولي إقليم طرابلس مناصب المفوضية الوطنية العليا للانتخابات والنائب العام وديوان المحاسبة، فيما يمنح إقليم برقة منصبي مصرف ليبيا المركزي وهيئة الرقابة الإدارية، وأما إقليم فزان فيمنح منصبي المحكمة العليا وهيئة مكافحة الفساد”.

وأشار إلى أن الأمم المتحدة تلتزم باستراتيجية التوزيع الإقليمي في اختيار المرشحين الذين يمثلون الحكومة المؤقتة في ليبيا، حيث يتسبب تبني مثل هذه القرارات المتسرعة في موجة من السخط بين الليبين، مؤكدا أن حل الأزمة الليبية في أيدي الليبيين أنفسهم، ولا يمكن أن يكون إلا بالعمل المشترك على استقرار الوضع في البلاد.

السيد نجم

صحفي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى