"راس السنة" و"يوم وليلة"

بين مصر التي لا نراها.. والتي لا ترانا

تتعدد أوجه التشابه بين فيلمي “راس السنة” و”يوم وليلة”، فكلاهما تجري أحداثه في يوم وليلة، وهي ثيمة معروفة استُخدمت في أفلام عديدة كـ”الفرح” و”ساعة ونص” و”كباريه” وغيرها. في “راس السنة” تدور الأحداث في اليوم الأخير من عام 2009، ولم نجد أي دلالة لاختيار هذا اليوم تحديدًا، ويتناول حياة الطبقة بالغة الثراء، مع تقاطعات بسيطة مع أفراد من الطبقة الكادحة، وإشارات إلى الصراع الطبقي وإن بدت مباشرة يشوبها التبسيط.

بينما في “يوم وليلة” نرى معاينة عن قرب لقطاع من طبقة المهمّشين -الذين يمثلون غالبية الشعب- في حي السيدة زينب، وكيف تجري الأمور في اليوم الذي يسبق الليلة الكبيرة.

"راس السنة".. مصر التي لا نراها

في “راس السنة” يطلعنا المؤلف “محمد حفظي” من خلال العمل الأول للمخرج “محمد صقر” على خصوصيات الطبقة التي تتمتع بالنفوذ والثروة، وتغرق في حياة الملذات التي يعكر صفوها بقية بالية من منظومة أخلاقية لم تعد حاضرة إلا على سبيل المكايدة والزراية بالآخرين، فيما يشبه “الشيزوفرينيا”.

بوستر الفيلم

يتسبب ذلك الحضور الأخلاقي (الناتئ) في أزمة لم تستطع الطائرات الخاصة التي يمتلكها أبطال الفيلم أن تحلق فوقها، كما لم تفلح اليخوت المعلقة فوق المياه اللازوردية في أن تقدم لها حلولًا، وتظهر لنا أولى المشكلات أثناء وصول “حسن” و”مريم” وطفلهما إلى المنتجع بالطائرة الخاصة، وتظهر العلاقة بين الزوجين على حافة خطرة بعد تغير الزوج واتجاهه نحو التدين بعد الوفاة المفاجئة لشقيقه، وتلميحه لزوجته برغبته في ارتدائها الحجاب، وهو الأمر الذي ترفضه ربما كرد فعل لعزوف الزوج عنها، ما جعلها تدخل في حالة من الشبق ستنتهي بها إلى الخيانة.

ومن خلال معاناة الشاب “شريف” الذي يصطحب معه إلى الحفل صديقته “سيرين” وصديقتها “يارا” سنكتشف حالة أخرى من “الشيزوفرينيا” بعيدًا عن الدين هذه المرة، إذ يتعلق الأمر بسمعة أخته الكبرى “رانيا” التي يتهمها زوجها بخيانته في بيروت، ولا يوجد نفي قاطع أو إثبات أو حتى محاولة لتبين حقيقة الأمر الذي يواجه بالصمت من أفراد الأسرة، بينما يجد فيه مجتمع النميمة المخملي وجبة دسمة لا يتوقف عن تناولها.

وبالرغم من أن “شريف” شاب متحرر يتعاطى المخدرات، إلا أن مسألة الشرف تمثل له هاجسًا قويًا، فعندما يحاول تبرير اختفاء صديقته “سيرين” مع صديقه “تيمور” للعامل البسيط “عادل” الذي يقود عربة التنقل الداخلي، يتهاوى منطقه بسرعة، ويقبل بوجهة نظر “عادل” التي تصم الطبقة بالسقوط نتيجة التخلي عن الأصول، ما جعل الأمور كلها رمادية لا تعرف الحدود الواضحة.

شخصية (الديلر) “كمال” التي يمكننا اعتبارها الشخصية الرئيسة في العمل، تتعامل بذكاء حذر مع المزاج العام للطبقة التي كان ينتمي إليها في الماضي، وهو يرتضي الآن بحكم الظروف أن يكون الوسيط بين الطبقة العليا والدنيا، بعد أن ضاع كل ميراثه من أبيه الطبيب الشهير، ولم يبق له سوى سيارة إسعاف يستخدمها في ترويج المخدرات؛ لكنه لا يخفي نقمته عليهم بسبب نظرتهم الدونية له.

يُصارح “كمال” “شريف” ببغضه الشديد واشمئزازه منه ومن طبقته؛ فهم يتعاطون المخدرات في حفلات جماعية، إلا أنهم يعتبرون “الديلر” مجرمًا، كما يحرصون على عدم الكسب من البارات التي يفتتحونها في فنادقهم وقراهم السياحية، ويعتبرونها من الضرورات التي تبيح المحظورات، ويتصورون أن هذا –حسب تفسيره- كافٍ لنجاتهم من الجحيم.

يقع “كمال” في المأزق نفسه، إذ لا يعدم مبررًا حين يستغل الفتاة البسيطة “نهى” في تجارة المخدرات، قبل أن تكتشف أن أخاها الذي يرعاها ولا يقبل أن تعمل ليلًا يبيع نفسه لنساء تلك الطبقة مقابل المال، وإن كان يكرر طوال الوقت أنه يفضل العمل مع الأجانب لأن العمل مع المصريين يجلب المتاعب دائمًا، وهو ما حدث بالفعل.

مع تصاعد الأحداث وتداخلها ينتقل إلى المشاهد الإحساس بأن صناع العمل تورطوا بطريقة ما فيما لا قبل لهم به، وأن هناك محاولات تجري للخروج بأقل الخسائر، وكما ظهر في أكثر من مشهد أن العلاقات بين الطبقتين تدخل كثيرًا في مناطق التوتر، ولا بد من حسمٍ ما لتلك الإشكالية، الأمر الذي سيجعل صناع العمل يُلقون بالتبعة على طبقة المهمشين وهو حل على بساطته وربما سذاجته يبدو الأقرب إلى فض هذا الاشتباك في أقل وقت ممكن.

من خلال مشهد صلاة الجمعة يعود طرح الدين من جديد كمظلة تسع الجميع، مع التسليم بأن الله قد رفع أقوامًا وخفض آخرين لحكمة يعلمها، ثم كمن يحاول إخفاء الشمس بإصبعه ينهي “حفظي” و”صقر” فيلمهما بسرقة الحذاء غالي الثمن بواسطة السائس البائس “عماد” حتى يهديه لطفله المولع بكرة القدم، لكن الحذاء واسع جدًّا ما يجعل الطفل يتركه ليعود للعب حافيًا، وكأن هذا هو الوضع الطبيعي، في تذكير لنا بأن المشروع القومي في مصر قبل ثورة يوليو 1952 كان مكافحة الحفاء.

وفي محاولةٍ شبه يائسة يقدم لنا “حفظي” و”صقر” على استحياء شديد شخصية والد “تيمور” الذي ما زال مغرمًا بالتراث الموسيقي الشرقي، كما يبدو كريمًا مع خادمه العجوز ومسارعًا إلى إنقاذه. لكننا نراه يداوم على الزواج من الفتيات الصغيرات، ويترك ابنه “تيمور” يعيش حياة المجون، ويستضيف الفتيات في المنزل دون ضابط أو رابط.

لا يمكن أن نطلب من صناع العمل أن يمنحونا حلولًا ناجعة لمشكلة الصراع الطبقي، فالمشكلة أكبر من أن نتصدى لها بعمل سينمائي، لكن يبقى التساؤل مشروعًا حول ما يُلمح إليه الثنائي (حفظي، وصقر) من أن الأوضاع مستقرة جدًا على هذا النحو وغير قابلة للتغيير على الرغم من وجود حالة ما من الارتياب توشك أن تعصف بكل شيء. فالكل غارق في الفساد والرذيلة بدرجة ما، ولا يجب أن يكون الصراع الطبقي ذا جانب أخلاقي لأن الكل متورط في ذات العفن بطريقة ما.

"يوم وليلة".. مصر التي لا ترانا

من خلال مجموعة من الشخصيات المكتوبة بشكل جيد والتي ترتبط بشبكة من العلاقات، ينسج لنا الكاتب “يحيى فكري” خيوط عمله الذي يوحي في بدايته بالثراء، لكنه ما يلبث أن ينتهي بخيبة أمل بعد أن أراد صناع العمل أن يقولوا فيه كل شيء، وأن يناقشوا فيه كل الموضوعات، بداية من موضوع ذوي الاحتياجات الخاصة، والبلطجة، ومشاكل الأقباط مع الكنيسة بخصوص الطلاق، والرشوة في المصالح الحكومية، وتردي الخدمة في المستشفيات العامة، والعلاقة بين المسلمين والأقباط، والتطرف، مرورًا بأساليب الأمناء داخل الجهاز الشرطي وما يكتنفها من بعض التجاوزات، واستغلال الإعلام في تزييف الحقائق وتضليل الرأي العام، والتدين الشعبي، ليقترب الفيلم كثيرًا من مفهوم المولد، وهو هنا ليس مولد السيدة زينب (المناسبة الرئيسة في الفيلم)، بل فوضى الشخصيات والعلاقات والأحداث التي تنتهي إلى لا شيء بطريقة صادمة.

بوستر الفيلم

في سابقة لم تحدث في السينما المصرية من زمن يقدم صناع الفيلم شخصية أمين الشرطة “منصور الدهبي” بشكل إيجابي، بالرغم من أن البدايات كانت تشي بغير ذلك لتذكرنا بشخصية الأمين “حاتم” في “هي فوضى”، لكن تتابع الأحداث يكشف الجانب الإنساني للأمين “منصور” مع وجود طفلة متلازمة داون الجميلة “فرح” ابنته التي يسعى لتوفير مصروفات التحاقها بالمدرسة.

يدير الأمين “منصور” العمل داخل القسم وخارجه من خلال مجموعة من الخارجين على القانون؛ لكنه يحكم السيطرة عليهم ويجعل شرورهم داخل الحدود الآمنة مع تحقيق استفادة تعم الجميع بعيدًا عن النظرة الأخلاقية القاطعة للأمور، وهو ما يعتبر الرابط الرئيس بين الشخصيات.

فشخصيات العمل لديها جوانب إيجابية، لكنها تبرر الانحراف لنفسها من أجل البقاء، كشخصية الموظفة “إيريني” التي ترعى والدتها المريضة وتتعفف عن الانحراف الجسدي، ولكنها لا ترى في الرشوة ما يعيب، بينما نجد الممرضة “ميرفت” التي تكافح من أجل تربية أبنائها الذين تخلّى عنهم أبوهم المدمن تستحل سرقة الأدوية من المستشفى، ولا تتردد في تقديم نفسها كوجبة سريعة –ما دون العلاقة الكاملة– لأطباء المستشفى نظير مبالغ مالية. بينما نجد المدرس البخيل “ميشيل” الذين يعاني من اضطهاد زميله السلفي له، لا يتورع عن تفريغ غضبه بضرب تلاميذه ضربًا مبرحًا.

ربما كان أكثر الشخصيات إقناعًا هي شخصية “حودة” الشاب البلطجي الذي يستخدمه المعلم “بجاتي” في أعماله الإجرامية، و”حودة” شخص بائس بالكلية، لديه شهادة ومن أصل طيب بسيط، إلا أنه من ناحية أخرى عاطل، ما يجعله يسلك طريق الإجرام لكنه لا يحصل على ما يكفيه من “بجاتي”، وهو من ناحية أخرى مولع بأخت صديقه الممرضة “ميرفت” لكنها لا تعيره انتباهًا، ولا سبيل لديه للخروج من بؤسه؛ ليقع في يد الأمين “منصور” الذي سيفرض عليه العمل كمرشد داخل حجز القسم.

بدا تداخل الشخصيات مفتعلًا في مشاهد كثيرة من الفيلم، دون تبرير مقنع، وربما كان ذلك يهدف إلى ربط هذا العالم الذي يقاسي كل تلك الويلات بطريقة تجعله مسئولًا بشكل كامل عن تأزماته دون الحاجة لإلقاء التبعة على أحد، وإلا فما الداعي لأن تكون الفتاة المحجبة “وفاء” التي تصادق الشاب القبطي “بيتر” شقيق الموظفة “إيريني” هي أخت الأمين “منصور”، ثم نفاجأ بأن المهندس صاحب السيارة التي يسرقها “محمود” هو المسئول عن الموقع الذي يعمل فيه أخو الممرضة “ميرفت” وهو الذي سيفصله من العمل لتزداد الأمور سوءًا. بينما سنجد ابن الممرضة “ميرفت” التي تتقاضى الرشوة من “إيريني” للاهتمام بوالدتها تلميذًا عند المدرس “ميشيل” شقيق “إيريني”. وغير ذلك من تشابك في العلاقات بين الشخصيات بدا -في أحيان كثيرة- كلعبة لطيفة يقوم بها صناع العمل باستمتاع.

وفي مشهد يكشف عمق المأساة وانسحاق أبطال العمل أمام صعوبة الحياة، نرى البلطجي “محمود” يتعقب الممرضة “ميرفت” محاولًا الاعتداء عليها تحت تهديد السلاح، في تلك اللحظة يتذكر أنه لا يستطيع الإفلات من قبضة الأمين “منصور” الذي سيستخدمه كجاسوس داخل الحجز، فينهار، بينما تستر الممرضة نفسها وتمضي في هدوء.

وفي مشهد لا تخفى دلالته، تنتقل الكاميرا بين “ميرفت” التي تتضرع للسيدة زينب أن تقف بجانبها، و”إيريني” التي تتضرع للسيدة العذراء لتساعدها وتشفي أمها وتنهي مأساتها، في استحضار مباشر للدين كملجأ آمن عندما ينقطع الأمل في تلمس أسباب النجاة.

وتحمل نهاية الفيلم صدمة للمشاهد بعد أن يلجا المخرج “أيمن مكرم” للنهاية النمطية التي يقدم فيها المعلم “بجاتي” ككبش فداء بعد أن دبر مكيدة للأمين “منصور” الذي ينجو ببركة السيدة زينب حين يجتمع الكل في الحضرة قبل النهاية في مشهد بدت دلالته هزلية إلى حد ما.

يقدم لنا الفيلمان حالة من التباين الحاد لا بد أن تكون باعثًا لنا على التأمل لأنها تستدعي سؤال “أحمد فؤاد نجم” الشهير: “مصر العشة ولّا القصر؟”، يعني: عن أي مصر تتحدثون؟ وهل هذا الواقع المتباين التعيس -كل على طريقته- مستقر تمامًا حد الركود مستعصٍ على التغيير؟ أم إن ثمة بارقة أمل علينا أن نبحث عنها بعيدًا في واقع تتعاظم معاناته يومًا بعد يوم حتى أصبح على حافة الانفجار؟!

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

ماهر الشيال

كاتب مصري

مشاركة

أحمد بيكا

غُلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram