وجهات نظر

راهنْ على الملاكمة أو استمتعْ بالمصارعة

محمد السيد الطناوي

كاتب مصري

لي صديقان كلاهما يختلف عن الآخر بقدر تقاربهما، ومتشابهان بقدر تباعدهما، كلاهما متقاعد عن العمل، وإن كان أحدهما -سأسميه “ن”- لم يعمل طوال حياته، والآخر “ع” اشتغل بالمقاولات أزيد من عشرين سنة، وخاض تجارب سياسية عدة، ثم تفرَّغ لنشاط طوْعي عبر جمعية يقدّم من خلالها خدمات متنوعة لأهل مدينته بجانب تلبية شغفه في المعرفة، وهو ما يشاركه فيه “ن”، وإن اختلفت مجالات الاهتمام.

ينتمي “ن” إلى عصره، يعيش ذَرّة في نسيج ضخم لا تتوهم لنفسها مهمة أو فاعلية، ولا يشغله شاغل عن تحصيل المتعة، ومن أبلغها لديه سماع الطرب القديم والقراءة، وهو فوكوي النزعة لا يفصل بين الجسد والروح في متعهما، أما العقل عنده فمجرد وظيفة أو أداة لتحصيل المتعة.

أما “ع” فيحيا في عصر سابق اعتمد التفسير البطولي للتاريخ، أفعال المرء لديه ينبغي أن تجيء على شاكلة أفعال البطل صاحب الرسالة الذي كان عاملاً حاسمًا في مختلف التحولات التاريخية والطفرات الحضارية مثلما صوّره أرنولد توينبي ومن قبله كارلايل، لهذا يؤمن صديقي بأن له دورًا مكلفًا به ورسالةً يؤديها.

وفي محاولة لتحليل ما يمثله الصديقان من معنى، تخيلتُهما في موقفهما من الحياة -نسجًا على نول لرولان بارتـ لاعبَين لرياضتين مختلفتين، “ن” مصارع و”ع” ملاكم.

في الملاكمة يحتمل اللاعب كل معاناة قد يكابدها طوال المباراة من أجل النتيجة النهائية، وهذا ما لا يلتفت “ع” إلا إليه؛ يتحمل ضغوطًا ومشاقَّ هو في غنى عنها تأدية لدوره الرسالي، وحتى في نهمه للمعرفة لا يكتفي، مثل “ن”، بالقراءات الحرة، بل يغمس نفسه في الدراسة الأكاديمية غمسًا غير رفيق، فهو إلى جوار إعداده رسالة الدكتوراه حاليًّا، يدرس للحصول على الماجستير في تخصص آخر، ودبلوم في تخصص ثالث، حصل منه على 4 بتخصصات مختلفة.

في المقابل، لا قيمة للنتيجة النهائية لدى المصارع إلا من قبيل دلالتها الدرامية، حيث تقف أهمية المباراة، أو لنقل العرض (فهي أقرب للعروض المسرحية) عند عتبة اللحظي، كل حركة من حركاتها غاية في حد ذاتها، لهذا لا يكلف صديقي المصارع نفسه مشقة الحصول على شهادات أكاديمية مثل “ع”، فلا يطلب “ن” بقراءاته غير تحصيل متعة المعرفة، كما أن لعبته لا تسمح بأبعد من هذا، أما في الملاكمة فيوجد رابط يشد حركاتها وسكناتها ليصل إلى غاية (الفوز)، وفي هذا نزوع لإظهار التفوق، كل ضربة تسبب ألمًا، وكل مشقة يتحملها اللاعب لا معنى لها إلا في إطار الغاية أو الفوز.

تتسم المصارعة وفق هذه الصورة بالثراء والغنى؛ نعيش لحظاتها لذاتها دون انتظارٍ لنتيجة لاحقة، فـ”كل لحظة من لحظاتها قابلة للفهم مباشرة باعتبارها مشهدًا”، أما في الملاكمة فاللحظة جزء من السرد، والغاية هي النتيجة النهائية، لهذا إذا كان يمكن المراهنة  على مباريات الملاكمة، فهي لا معنى لها في مباريات المصارعة، وإنْ تميَّزت الأخيرة من الأولى بـ”الفرجة الباذخة”.

وتكريسًا للتباعد، تنطلق الرياضتان من منظور مختلف للمعقولية والعدالة، ففي الملاكمة تُفرض القواعد من الخارج، ليلتزم بها اللاعب، وصديقي “ع” مثل كل مؤمن ملزم بتعاليم وقيم يرى أنه مأمور باتباعها وإنفاذها إلى أرض الواقع، أما في المصارعة، وإن وجدت أعراف عامة، فالقواعد توضع لكسرها، لذلك لا يلتزم “ن” إلا بما يراه ملزِمًا، وإذا كان الملاكم ينفر من تجاوز المصارع لكل ضابط ويرى في ذلك فوضى ولا معقولية، فالمصارع يهزأ بكل قيد ويدرك الالتزام بالقواعد لا معقولًا.

المقابلة بين العالمين هي مقابلة بين حياة الثقل وحياة الخفة، بين من أسقط حملاً زوّده به مجتمعه، وألحت على ضرورته ثقافته، وبين من رأى في الحمل المعنى والغاية، وإن كان الثقل، ممثلاً في حياة “ع”، لا يخلو من خفة، فهو تخلى عن عمله من أجل متابعة غايته أو بالأحرى “غيّته” مثلما أن الخفة، ممثلة في حياة “ن”، لا تخلو من ثقل، فهو لا ينفك عن التحصيل المعرفي اليومي ليصير مرجعًا في مختلف ألوان الموسيقى القديمة والتراث عامة بأنواعه.

كذلك تفضح هذه المقابلة، بين الملاكم والمصارع، أسطورة صاحب المعنى والعبثي، فالأمر لا يعدو أنْ لكلٍّ لعبته التي يميل إليها بناء على تكوينه وشخصيته وظروفه الحياتية، فإن كان المستوى الأول للدلالة يقول إن للملاكم معناه وللمصارع عبثيته، فالمستوى الثاني يشي بأن لكُلٍّ لعبته وما يتوقعه منه محيطه أو جمهوره، بل إن حس اللعبة أعلى كثيرًا لدى الملاكم، فهو يلعب أخطر الألعاب.. المقامرة.

Mohamed.altanawy1@gmail.com

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

القصص المتعلقة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى