رُبّ رقصةٍ نافعة

كيف نعبر بالفن أوقاتنا الصعبة؟

على الرغم من أن الفنون قديمة قدم الإنسانية، كالرقص أو الرسم أو النحت أو المسرح، فإن استخداماتها في حياتنا قد تقتصر على جانب المتعة والترفيه، ولا يستطيع الكثيرون معرفة ما يمكن لتلك الفنون أن تفعله من أجلنا، وكيف أن النشاط الفني الذي قد تكون شارك فيه للتو قد غيّر بداخلك الكثير.

هاجر مجدي

“لم أشعر بأن كل هذا الوقت مضى”

“الفن أحيا أشياء بداخلي لم تكن حيّة من قبل”.. تتحدث “هاجر مجدي”، 33 عامًا إلى “ذات مصر” عن رحلتها مع الفن، بداية من كونه هواية لديها ومجال دراستها، إلى أن صار علاجًا لما كانت تمر به من ظروف نفسية ضاغطة خلال فترةٍ ما في حياتها، فتقول إنها ترسم باستمرار منذ الصغر وكانت تجد تشجيعًا من أهلها للاستمرار في الرسم.

لكن على الرغم من أن الرسم هو ما كان يُشعرها بالإنجاز والتميّز خلال مرحلة المراهقة، لم تجد بغيتها فيه خلال دراستها في كلية الفنون الجميلة، فقد كانت تبحث عن معنى أكبر للفن من كونه مجرد أسلوب لإنتاج لوحة جميلة بأساليب فنية صحيحة كما كانت تلح عليها متطلبات الدراسة.

تقول هاجر: “أول ما دخلت الكلية حصل لي مشكلات نفسية واكتئاب لفترة طويلة. الكلية كانت بتطلب منا نعمل الحاجات بشكل معين، وأنا ماكنتش قادرة نفسيًّا أعمل الحاجة بالشكل المطلوب مني..كنت محتاجة حاجة أوسع شوية أقدر أعبّر من خلالها عن اللي جوايا بطريقة مش محددة ومش مقيداني بالشكل ده”.

ومع شعورها بضغط انحصار دراستها وحبها للفن في منهجا أكاديمي لا يروي ظمأها، ويحصرها في عمل أشياء محددة بأسلوب محدد للحصول على درجة النجاح، استطاعت أن تجد متنفسًا مؤقتًا في البداية في صنع عرائس الماريونت، لتسرد قصصًا من خلالها. فكانت تلك النقطة التي بزغ عندها ضوء باهر للفن ومعنى جليّ له.

رسوم هاجر مجدي

فبعد أن قضت فترة في مسرح العرائس، لم تكن توصلت بعد للشيء الذي تريده في التعبير عما بداخلها بحرية، بدأت أناملها في توجيهها للرسم في كل وقت وكل مكان وعلى أي شيء كان، ورق أو منديل أو غلاف كتاب، كانت الساعات تمر في بعض الأيام وهي ترسم دون أن تشعر بأن كل هذا الوقت قد مضى.

كانت ترسم وتشعر أن الفن لم يعد شيئًا أكاديميًّا، بل بدأ في تحريك شيء بداخلها، تقول هاجر: “بدأت أحس إن الرسومات في الفترة دي بتعمل جوايا حاجة، وبتعبّر عن اللي جوايا. وكنت محتاجة أعرف ليه لما ببص للرسومات دي ببقى شايفة نفسي. عرفت بعدها إن الفن بيشتغل على الحياة اللي في جسم الإنسان”.

دائمًا ما كانت علاقة الإنسان بالفن تشغل هاجر، إلى أن عرفت بمصطلح “العلاج بالفن” وبدأت في دراسته، فأصبحت المفاهيم التي كانت تبدو غير واضحة في ذهنها تظهر لها بجلاء، ووجدت أن الفن طريقة للنظر للحياة وليس مجرد شيء للتعلّم.

“تغيّر كل شيء” تقول هاجر، وتضيف: “بدأت أعرف حاجات عن نفسي أكتر وأشوف حاجات في نفسي ما شفتهاش قبل كده. بدأت أحس بوجود جسمي وحضوره وبإن حواسي بقت مفتوحة وأقدر أستقبل كل حاجة بوضوح بعد ما كنت مش قادرة أستقبل كل حاجة للآخر”.

ومن خلال صفحتها “فينا فن” على موقع التواصل الاجتماعي، تقدّم هاجر حاليًّا ورش في العلاج بالفن، وتعمل على اختيار موضوعات موجهة للفتيات والسيدات وكذلك علاقة الآباء بالأبناء، وغيرها.

سمير رائف في محاضرة عن العلاج بالفن

ليس مهمًّا أن تكون فنانًا

سمير رائف، أستاذ متفرع بكلية التربية بجامعة حلوان، وأحد متخصصي العلاج بالفن، يقول إن “العلاج بالفن هو نوع من أنواع التنفيس يساعد على الاتزان النفسي والانفعالي، بالإضافة إلى كونه وسيلة من وسائل الإسقاط والتعبير عن اللاشعور للفرد”.

ويضيف رائف لـ”ذات مصر”: “العلاج بالفنون التشكيلية في مجالاتها المتعددة: رسم، نحت، أعمال الخزف والتصميم، هو من العلاجات الناجعة ووسيلة تشخيصية وعلاجية ووقائية. كذلك فالعلاج بالفن لا يستدعي أن يكون الفرد رسامًا، فالشخص لا يجب عليه سوى التعبير عما يشعر به من عن طريق رموز، مثل الخطوط والدوائر وغيرها، ويتمكن المعالج من خلالها تشخيص الحالة والتعرف على الكوامن الداخلية والتراكمات”.

ويؤكد أن تلك العملية الفنية تساعد في امتصاص الصدمات، لذلك فهو مناسب جدًّا لمن مروا بصدمات مثل الحروب والتهجير، أو صدمات اجتماعية مثل الاغتصاب، وكذلك الاكتئاب.

وعن تلك الأساليب المستخدمة في جلسات العلاج بالفن للإلمام بتفاصيل الصدمة أو الحدث المؤلم للتمكن من علاجه يقول رائف: “قد يُعبِّر المريض عن مشاعره برسم بعض الرموز، أو أن يعرض المعالج صورًا لأعمال فنية جاهزة موجّهة، فيبدأ يحدث للمريض نوع من الرجع ويستطيع أن يعبّر عمّا مر به.

ويضيف: “بعد ذلك، يعمل المعالج على إخراج المريض من هذا الحدث المؤلم شيئًا فشيئًا، وخلال تلك المرحلة، يلاحظ من كثب الرموز التي يرسمها، وطريقة رسمه لها؛ كيف بدأ وأنهى الرسم، كذلك يلاحظ انتقاؤه للألوان، وطريقة إمساكه للقلم، وغيرها. من هنا يبدأ المريض في تنفيس الشحنات السلبية بداخله ويستطيع المعالج أن يحوّل هذه الشحنات إلى نواحٍ إيجابية.

ويتابع: “في حالات الاكتئاب مثلًا أو من يمرون بإحباطات، نجعلهم يستخدمون الألوان المضيئة مثل اللون الأحمر الذي يساعد على تنشيط الدورة الدموية وبالتالي نساعدهم على الخروج من تلك القوقعة التي يحاولون العيش بداخلها. وفي حالات ما بعد الصدمة، يحتاج ذلك جهدًا أكبر من المعالج، حيث يعمل ما يشبه بعملية تشريح بسيطة كي يستطيع أن يُخرج المكنونات حول الصدمة”.

عمل فني لهاجر مجدي

الآن أستطيع أن أروي حكايتي

لم يكن هيّنًا على السيدة سامية أحمد (اسم مستعار) 47 عامًا، من السودان، أن تتجاوز ما مرّت به من مصاعب أدت لتركها بلدها السودان والمجيء لمصر عام 2016، تقول لـ”ذات مصر”: “كنت من المهتمين بقضايا المرأة في السودان وكنت أعمل في جمعيات تنادي بوقف قهر المرأة، لكن المسؤولين كانوا يرون أن المرأة عورة، فتعرّضت لكل أنواع العنف. كنا نعمل على توعية الأطفال بحقوقهم وكان ذلك الأمر لا يروق لهم.كانوا يرون أننا نندفع الأطفال للتمرد. كنا بالنسبة إليهم أفرادًا يريدون تخريب المجتمع ويجب إسكاتنا”.

شكّلت تلك الظروف عبئًا نفسيًّا كبيرًا على سامية، لكنها كانت تواصل عمل ما تؤمن به، إلى أن أتت تلك اللحظة التي وجدت فيها ألا مفر من قطع تلك الرحلة الشاقة من بلدها إلى مصر، تقول: “تصاعدت الأمور. وكلما زاد ضعفهم ورأوا أن حاجز الخوف بدأ ينكسر داخلنا، كانوا يضيقون علينا الخناق. حاجز الخوف تكسّر بداخلي ولم يكن التهديد يخيفني. لكن لما طال التهديد أولادي خفت، لم يكن هناك إمكانية للاستمرار في العيش بالسودان”.

شارت السيدة سامية مؤخرًا في ورشة للحكي والرقص المعاصر، والتي استطاعت من خلالها تفريغ الضغوط التي تعرّضت لها خلال السنوات الأخيرة، إضافة إلى الضغوط الناتجة عن توقّف العمل لفترة طويلة بسبب تفشّي فيروس كورونا، والتي أضافت عبئًا نفسيًّا لا يحتمل عليها، خصوصًا أنها تميل للحركة والعمل بطبعها.

وحاليًا تعمل سامية في إدراة مركز مجتمعي متخصص في تقديم خدمات دعم نفسي للسيدات السودانيات، وكذلك الشباب والأطفال. وتؤكد لـ”ذات مصر” رغبتها في المشاركة في عروض حكي ورقص معاصر أخرى. 

رسمة لهاجر مجدي

إعادة إحياء المشاعر

يتطلّب حل المشكلات المتعلّقة بالمشاعر السلبية في البداية فهم مدى تأثيرها فينا، وأنها لا تنتهي بانتهاء الموقف، بل إن أثرها يظل قابعًا داخلنا، وقد يكون ذلك من دون دراية منا، لكنه يؤثر سلبًا فينا.

تتحدث إيمان جابر، الاختصاصية النفسية، والمتخصصة في العلاج بالفن والسايكودراما، لـ”ذات مصر” قائلةً: قد يمر بعض المواقف الصعبة مثل فقدان شخص عزيز، أو التعرّض لصدمة، أو اكتئاب، لكننا من شدة صعوبتها لا نستطيع استيعابها، كما أن المشاعر التي تنتج عنها تختلط بداخلنا وكذلك أفكارنا، وقد نبدأ في تكوين صورة غير صحيحة عن أنفسنا. قد يكون الشخص قد نسي تفاصيل الموقف بالفعل، لكنه لا يزال يعاني من آثاره النفسية السلبية.

وتضيف إيمان: “نعمل من خلال السايكودراما، وهو أحد أنواع العلاج النفسي الذي يجمع بين الدراما كنوع من أنواع الفنون وعلم النفس، على إعادة إحياء الموقف كي يستطيع الشخص أن يعبّر عن المشاعر التي كُبتت ويعاود مرة أخرى الوعي بها والتعامل معها، لذلك، فهذا الأمر لشد حساسيته يتطلب معالج متخصص، لأن اشتغال عدم المتخصصين به يؤدي إلى آثار سلبية وخيمة”.

وتشاركها في الرأي خلود عيسى، المخرجة المسرحية والمتخصصة في المسرح التفاعلي ومدربة الرقص المعاصر، والتي تجد بدورها ضرورة الاستعانة باختصاصي نفسي في العروض التي تقدمها والتي تتناول قضايا كالعنف ضد المرأة واللاجئين والتحرش وغيرها، وغالبا ما يكون المشاركون/ المشاركات فيها قد مرّوا بظروف صعبة تتطلّب الاستعانة باختصاصي نفسي كي يستطيعوا أن يتجاوزا تلك المرحلة ويعبروها لمنطقة أكثر أمانًا. 

وعن أكثر أشكال السايكودراما استخداما تقول جابر: “أسلوبًا (الكرسي الفارغ) و(تبادل الأدوار) هما الأكثر شيوعًا. ويستخدم (الكرسي الفارغ) على سبيل المثال في المشكلات التي يكون فيها الشخص معلّقا في علاقة مع شخص ما على الرغم من انتهاءها سواء بالوفاة أو السفر أو ما إلى ذلك، كذلك يساعد (تبادل الأدوار) على خلق التعاطف، وذلك لأننا حينما نعيش في أدوار الآخرين نستطيع أن نتعاطف معهم ويكون التواصل أكثر فاعلية”.

ولأن للمسرح سحره الخاص، فهو يُلبي بعضًا من الاحتياجات أكثر من غيره من الفنون، منها زيادة الثقة بالنفس، والشعور بالتقدير من الآخرين، مما يلبّي حاجة الإنجاز والدعم، وكذلك الشعور بالانتماء للمجموعة. كل ذلك يساعد الشخص على تحقيق احتياجات قد لا تكون مشبعة من قبل. ولا يحدث ذلك دائمًا بوعي من الشخص، بل قد يشعر فقط بأن أشياء عديدة تغيّرت للأفضل لكنه لا يعلم ماهيتها ولا كيفية هذا التغيير، حسب ما تقول جابر.

رسمة لهاجر مجدي

للجسد لغته الخاصة أيضًا

خلود عيسى، المخرجة المسرحية، تتحدث عن علاقتنا بأجسادنا والتي قد تشي في بعض الأحيان بما يعتمل بداخلنا حتى لو حاولنا السكوت عنه، قائلةً: “أُفضّل استخدام الرقص المعاصر في العروض التي يكون المشاركين فيها سيدات، ربات منزل متزوجات، أو ناجيات من العنف، وذلك لسببين: الأول أننا لدينا مشكلة في التعامل مع وفَهَم لغة أجسادنا، وذلك ليس مرتبطًا بالحشمة أو بالعري، فنحن في كثير من الأحيان نتعامل مع جسدنا كأنه شيء منفصل عنا ولا علاقة لنا به”.

وتضيف: “السبب الثاني هو أن آثار العنف والسنين تترك أثرها بوضوح في الجسد، ونحن نتجاهل ذلك في كثير من  الأحيان”.

وعن تطبيق ذلك في العروض التي تقدمها تقول عيسى: “أول حاجة بنشغل مزيكا والناس تتحرك عليها. تمشي أو ترقص. وبفضّل الموسيقى تبقى لايف. الحاجة التانية بنستخدم الموسيقى بشكلين مختلفين: أول حاجة إنهم يسمعوا الموسيقى ويشوفوا جسمهم هيعبر عنها إزاي. وبعدين بنوقفها وهم اللي بيطلعوا من جسمهم الإيقاع الخاص بيهم”.

وتستطرد قائلةً أنها تطلب من المشاركين أن يتحركوا من دون أن يفكّروا في كيفية ولا وجهة الحركة وذلك بوضع قاعدة “خلي جسمك يفكّر”. مضيفة: “بالطبع لا يستجيب كل المشاركين بسهولة لذلك، فقد يحدث (صد) أو منع الجسم من أن يتحرك، لكن بعد ذلك تكون النتائج رائعة”.

في بداية مشاركتها في عرض الرقص كانت سامية أحمد خائفة بشدة، لأنها كانت تجد الحركات الراقصة لشخص تعدى الأربعين أمرًا صعبًا، لكنها وجدت أن الفرد يستطيع أن يفعل أي شيء في أي عمر، فالأمر فقط يتطلب إرادة. فلقد ساعدتها الحركة على تفريغ الضغوط، كما وجدت في الحكي متنفسًا من نوع آخر.

“كنا جايين متخشبين.. بعد كده كان فيه طاقات سلبية بتخرج من جوانا حقيقي من خلال الحركة مع سماع إيقاع الموسيقى. وفي بعض الأحيان كنت بقول مش هاقدر أعمل كده وكنت أتردد وأقول مش هاجي تاني”.

تشير سامية إلى مدى راحتها بعد مشاركتها في العرض، وتقول: “كان فيه مواقف كنت كل ما أتذكرها أتعب نفسيًّا.. تفاصيل مش باقدر أتجاوزها وبتطلع فجأة في أي لحظة. لكن لما حكيت حكايتي حسيت إني مرتاحة. شعرت إني قادرة أعبّر عن الحاجات اللي قاعدة جوايا”.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

إيناس عيسى

صحفية مصرية

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram