رجال منقَّبون.. الموت وراء سُلطة الملامح

علاء خالد

في شهور العزلة الممتدة تحولت الكمامة إلى ما يشبه النقاب، يخفي ملامح الوجه في الشارع، ويستبقي شخصية الدين.. كلنا الآن موحَّدون وراء شخصية المرض، لا يتعرف بعضنا على بعض.. هذه الوحدة لا تصنع لُحمة، كما في الدين، بين الوجوه وما وراءها، لكنها تخفي الشخصية وتكسر هذه اللحمة، لأن وحدة الوباء، أحد الأقارب الشموليين للموت، العنصر الهادم لأي وحدة.

 جاء الوباء ليكسر مفهوم الشخصية في أكثر حالاتها تفردًا والتباسًا، في أثناء السير في الشارع وسط الجموع أو “القطيع” من وجهة نظر الوباء.. بمجرد أن أدخل البيت أخلع الكمامة.. أستعيد تنفّسي.. أصبح للكمامة مكان في كل خطوات يومي وتفاصيله.. أحيانًا أسهو وأنزل إلى الشارع دونها.. أشعر للحظات بحرية داخلية واستعادة شيء مفقود، وسرعان ما يحيلني هذا المفقود، أو هذه الحرية الداخلية، لفقْد آخر أهم، فأضع يدي على وجهي وأضبط وجهي متلبسًا دون كمامة، فأعاود الصعود إلى البيت سريعًا لاسترداد هذا العضو الناقص.

أتحسّر على حرية مفقودة.. أن أتنفس الهواء بلا رجعة، أما مع الكمامة فإنني أعيش على الهواء الذي يخرج مني، ثم يعود ويدخل فيَّ مرة أخرى، كأنها حالة تسمم ذاتي، مع استراق السمع إلى صوت تنفسي ونهَجَاني، كأنني عدت جنينًا يتغذى على دورة كاملة من الهواء مُصنّعة ذاتيًّا.. أين الهواء الذي يخرج ولا يعود؟ هذا جزء من شروط الحرية، أن يخرج الهواء ولا يعود، تخرج النظرة إلى هذا الآخر ولا تعود، أو تنعكس من مسافة بعيدة في الخارج، أما الآن فالنظرات والهواء مُجمّدان، يخرجان من باب خلفي.. كل شيء أصبح يُحمَّل على نظرة عين.

أتكلم.. أتنفّس الكلام الذي يخرج من فمي مع الهواء، ثم يعود فأكرره من جديد.. لو أحصينا كلامنا من وراء هذا النقاب، لوجدنا ربما أننا نكرر كلامنا كما نكرر الهواء ونعيد تنفسه من جديد.. هذا النقاب هو سبب هذا التكرار، لأنه أوجد مرآة نفسية تعزلنا تمامًا عما حولنا فيعود كل شيء إلينا، ويعزلنا عن الخارج.. كل منا يسير داخل مرآة أنفاسه المتصاعدة.. لا يرى غيره، ولا حتى نفسه، بسبب هذا البخار الكثيف.

نتنفس ونتكلم من وراء نقاب، كما يفعل رجال قبائل الطوارق.. يلبسون اللثام ليخفوا به الوجه والفم ولا يظهر سوى العينين، لأن الفم عورة في ثقافة الطوارق، فهو “مصدر الإثم” بالنسبة إليهم، كما في رواية “المجوس” للكاتب الليبي إبراهيم الكوني، فإن لم يُحفَظ، أي الفم، ستخرج منه كلمة السوء.. هذا الإخفاء للعورة يوحّد -رمزيًّا- بين عالَمَي الرجال والنساء عند قبائل الطوارق، فللمرأة عندهم حق اختيار زوجها، ورجالهم يتكحّلون في هذا الجزء الظاهر منهم من أجل أن يحوزوا إعجاب النساء.. ربما الكمامة، في نسخة أخرى معاصرة، في سياق مختلف، أصبح لها هذا التأثير من توحيد وجوه الرجال في الشارع، وإلغاء التمييز الفردي الذي يمنحهم السلطة.. أو على أقل تقدير يجردهم من سلطة ملامحهم في الشارع.

أصبح عندي -مثل الجميع- قائمة بالكمامات، مثل المقتنيات التي نحتفظ بها للذكرى ونحافظ عليها لنُدرتها، ولكن المقتنيات هذه المرة هشة ولن تعيش كثيرًا، بسبب الاستعمال السريع، كأي موضة تدخل حياتنا فجأة ثم تخرج كما دخلت.. ننساها تمامًا ولا نعرف بالتحديد متى تسرّبت من باب خلفي في حياتنا آخر نسخة منها.

في أي مكان آمن لا أخلع الكمامة مباشرة.. أتركها تحت ذقني ومعلقة على أذنيَّ -مستعدًّا لأي هجوم مفاجئ- كما أعلّق النظّارة على رأسي في لحظات الفراغ أو الاستراحة من القراءة.. كلَّ حين أتحسّسها كي أطمئن لقدرتي على الرؤية.

أتشمّم رائحة الكافور كي أدحض أي شك بالعدوى.. تتسل إلى خلايا أنفي.. تقطع الشك باليقين.. ما زلتُ أملك حاسة الشم.. أحيانًا ألجأ إلى ترمومتر الحرارة.. سريعًا أسحبه من فمي وأدقق في الشرطات الصغيرة بين رقمين كبيرين..

يقفز الوسواس: “قد أكون مصابًا”..

أرد عليه: “ولكن الآخرين لا شك درجة إصابتهم أفدح”..

هذا “ديالوج” يومي مكرر ومغلق..

مصطلح “مناعة القطيع” صحيح تمامًا، نتحوّل إلى قطيع أمام قطعان الوباء.. هو في ناحية ونحن في أخرى.. خفاؤه، ديكتاتوريته، سطوته، قوته الشاملة، هي التي جعلتنا قطيعًا نتقوّى بأنفسنا بتشابه مرضنا.. نفرز مناعتنا بإلغاء فرديتنا، ثم نعود لنكتسبها في زمن مقبل أو لا نكتسبها.

أنظر إلى هؤلاء الذين يموتون بكورونا.. يدخلون في أنفاق ملغقة.. ويخرجون منها مباشرة إلى القبر.. أشعر أن الموت بكورونا “موت فطيس” سُرِّبَ صاحبه من وراء ظهر الحياة وخرج من باب خلفي حتى لا يراه أحد ولا يرى هو أحدًا.. في موته شيء ناقص، حَجْر على هذا الموت، انتقاصٌ منه، كأن صاحبه صعد مثل “الإمام الغائب” وقد يعود يومًا، لأننا لم نوفِّ موته حقه وطقوسه اللازمة، اختصرناها على عجل كي نهرب منه ويهرب منا.

منذ سنوات قضيت فترة في العناية المركزة.. كنت أنتظر بقعة الشمس التي تظهر من بعيد في ساعة محددة، وتنعكس عبر عدة واجهات معدنية حتى تصل إلى طرف بعيد في الغرفة، فأرى الضوء منسوخًا ومعكوسًا عبر بعض الزوايا حتى يصل إلى عينيّ.. هذه البقعة من الضوء كان لها أثرها الشافي.. كانت تشعرني بأن في الخارج حياة عكس هذه الأضواء الصناعية الصفراء التي تحجب الحياة، وتحول غرفة العناية المركزة إلى نفق أصفر طويل طويل بلا نهاية.

يحدثني أصدقاء أصيبوا بكورونا عن شعورهم بالعزلة، والرغبة الملحة في البكاء وهم معزولون في بيوتهم، رغم أن عائلاتهم في الخارج تنتظر خلف هذا الباب المغلق، ولكن كورونا عزلت “الخارج” تمامًا عنهم.. جعلته بعيدًا جدًّا..

تفرَّغ الزمان والمكان من حولهم ووضعهم داخل مجرة أخرى تدور بعيدًا عن مجرة العائلة.. أصبحوا يعيشون داخل فقاعة الفيروس، داخل عزلة داخلية يكررون فيها أنفاسهم، أفكارهم، بكاءهم، مخاوفهم.. لقد انقطعت صلتهم بالخارج القريب، وهو أحد علامات الموت المجازي التي يصدِّرها الوباء، فيشعرون بأن قواهم قد خارت، رغم أن الأعراض لم تكن بهذه القوة.. ربما بكاء العزلة هذا جزء من إفرازٍ ذاتي لتعويض هذا الخارج المفقود، التئامٌ ذاتي للجرح الذي فتَحَه كورونا للوحدة الداخلية التي نرى بها أنفسنا في الحياة، قبل أن يدخل كورونا ويقف في هذا المكان الحميمي بيننا وبين أنفسنا.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram