رجل وامرأة.. صديقان؟! التقاليد تقول لا.. والسوشيال ميديا: شرعية

هدير جمال

كاتبة مصرية

على الرغم من القيود التي وضعتها العادات والتقاليد على العلاقة بين الرجال والنساء في المجتمع، تُستثنى قضية العلاقة بين الرجل والمرأة تحت اسم “الصداقة” أحيانًا من هذه الصرامة، بل تحظى بقدر من المرونة والتعامل اللين ولو بنحو خفي، خصوصًا في أوساط الطبقة الوسطى.

وقد أثّر الاهتمام البالغ بقضية الصداقة عبر الأعمال الأدبية والفنية العربية في تفهّم المجتمع (أو على الأقل الطبقة المخملية، والشرائح العليا والوسطى من الطبقة المتوسطة) لهذه القضية. فمن خلال الممثلين، الذين يقتدي بهم الشباب، أصبحت هذه القضية الشائكة محل نقاش وأخذ ورد، مقارنةً بقضايا اجتماعية أخرى تندر فيها هذه المرونة، بل يرفضها المجتمع جذريًّا.

وقد باتت الأسرة المصرية تتسامح مع كون ابنتها لديها مجموعة مشتركة من الأصدقاء (فتيات وشباب) على الرغم من الطابع المحافظ الذي تفرضه الأعراف والتقاليد والدين على مسامّ الحياة الاجتماعية ككل.

في البحث عن إطار

منذ أن خُلقت حواء من ضلع آدم، ارتبطت كينونة المرأة بالرجل ارتباطًا عميقًا، قد يكون محركًا قويًّا ودافعًا لحاجة كل منهم إلى الآخر على نحو مباشر وغير مباشر، إلا أن مجتمعاتنا العربية تجهل، في معظم الأحيان، أهمية تسليط الضوء على ما وراء القضايا الإنسانية والبحث عن جذورها وأساس إلحاحها.

لذا، كان الشكل الكلاسيكي للمسألة هو اللجوء إلى فصل الذكور عن الإناث تمامًا قبل بلوغ كل منهما، دون محاولة تبرير الدوافع النابعة من العادات والأعراف والدين، ودون محاولة فهم احتياج كل منهم إلى الآخر، فيصبح طرح قضية الصداقة بين الرجل والمرأة محض مسألة عفوية لا يجري التفكير فيها، ودون مبادئ واضحة أو فلسفات عميقة تحركهم لتبني هذه القضية.

ففكرة الصداقة متكونة داخل الأفراد ليست بدافعٍ فكري، بل، فقط، كاحتياج ملح يحاول المجتمع منذ صغرهم طمسه دون مبرر منطقي، فيكبر احتياج وفضول كل طرف منهما إلى الآخر، فينجح بعض العلاقات ويفشل بعضها، وبعض آخر قد يؤدي إلى مشكلات لا حصر لها تأخذ منحنى انحرافيًّا، وسرعان ما يخرج الأمر إلى الجمهور بعد أن أصبحت حياتنا الاجتماعية مشاعًا على “فيس بوك”، فيرفض الجمهور المحافظ رفضًا قاطعًا العلاقة بين الجنسين، وتبقى القضية تدور في دائرة مفرغة دون معالجة أو معايير تُرسِيها على بر.

الصداقة من السينما إلى الإنترنت

يقتص الفرد حقه من الوعي والمعرفة -إذا لم يتلقَّ هذا مباشرة من الأهل والمدرسة- من خلال السينما والتليفزيون اللذين يجتاحان حياتنا دون مجهود كبير، لذلك يُلقي المجتمع دائمًا مسؤولية ما يُطلق عليه “ضياع الأخلاق” على صُنّاع الأعمال الفنية، وإن كان جوهر صناعتها ليس من مهامِّه حمل رسالة أخلاقية ما.

فالسينما العربية والتليفزيون، في الأزمنة كافة، تناولا القضايا التي تواجه كل جيل في جميع مجالات الحياة السياسية والاجتماعية والدينية والظواهر الجديدة، وكل ما يحمل اسم “موضة العصر”.

وهكذا، فقضية صداقة الرجل والمرأة تزامنت مع بداية صناعة السينما، ومثلما وقف الرفض المجتمعي لها بالمرصاد، في السابق، كانت موجودة في العديد من الأعمال السينمائية، حتى وقت قريب، بوجه يُنفِّر من علاقة الرجل بالمرأة خارج إطار الزواج. وكانت تسلط الضوء على النتائج الوخيمة التي تحدث لمن يخرج عن الإطار الشرعي، مهما كانت ظروفه أو أخلاقه أو أطباعه، لترسخ داخل كل فتاة أن عليها أن ترفض صداقة الرجل، واحتمالية تسبب هذه الصداقة في خراب حياتها، بداية من إفساد سمعتها إلى حد الاعتداء عليها ووضعها في مأزق البحث عن أبٍ لجنينها، وأحيانًا تقدم قصصًا تجسد إفساد الفتاة للرجل وتخريب بيته وتضييع مستقبله.

كانت مقاربة هذه الأعمال تتلخص في أن أي علاقة بين الرجل والمرأة خارج إطار الزواج هي علاقة مهلكة، دون التطرق للأسباب الحقيقية التي أدت إلى هذا، فضلاً عن التعمق فيها. وكان فيلم “الثلاثة يحبونها” يحمل معضلة حقيقة، عندما طرح خطورة علاقة المرأة بالرجال وما يترتب عليها من إدانة، لكونها غير محافظة وتقترف فعلًا غير أخلاقي.

وبالمثل، لم يقتصر الكثير من الأعمال الأدبية القديمة على تجريم علاقة المرأة بالرجل، بل تطرقت إلى تجريم ولوم الرجل الذي يسمح لصديقه بالدخول إلى بيته والتعرف إلى زوجته، وعلى رأسها رواية فتحي أبو الفضل “الثوب الضيق” والتي عولجت فيما بعد بفيلم يحمل اسم “فضيحة في الزمالك”.

وتوالت الأعمال الفنية والأدبية في هذه الحقبة متبنية نفس الفكرة باختلاف معالجاتها، حتى مطلع الألفينات وبداية انتشار الإنترنت، التي وصلت بالمجتمعات كافة إلى آخر أشكال الانفتاح والاطلاع على الثقافات المتباينة.

“فريند ليست” لكن واقعية

أصبح استخدام “فيس بوك” وجميع مواقع التواصل الاجتماعي طقسًا يوميًّا تزداد حصته اليومية باطراد، لتقريب المسافات وإذابة الاختلافات بين الشعوب، وخلق إيمان لدى الشباب بفكرة “افتراضية ما يحدث” أي أن العلاقات هنا تبدأ وتنتهي على “فيس بوك” لأنه ببساطة موقع وليس شيئًا حقيقيًّا، ولأن الأمر في الواقع عكس ذلك تمامًا.

هذه مجرد بداية لتوطيد العلاقات، لذا نجد أن كثيرًا من الفتيات والشباب الذين يرفضون إقامة صداقات مع غير جنسهم في الواقع، لا يرفضون صداقات الإنترنت، ثم تتحول صداقات الإنترنت إلى صداقات حقيقية، وهذه نتيجة طبيعية لتأقلم وارتياح بعضهم لبعض، بعد التحدث ساعات طويلة ومتابعة بعضهم لبعض عبر مواقع التواصل، بالإضافة إلى إيمان بعضهم بأفكار ومفاهيم جديدة ينشرها رواد المواقع و”اليتيوبرز”، الذين يمثلون القدوة للجيل الجديد، فينتهي الأمر بأنهم يُكوّنون مفاهيمهم ومبادئهم بناء على أفكار الذين يحبونهم ويمضون معهم معظم أوقاتهم.  

وبالتزامن مع ذلك، بدأت أعمال فنية وأدبية من جديد تأخذ منحى آخر عكس الذي كانت تعرضه قبل أقل من ربع قرن، عمّا يترتب على صداقة الرجل والمرأة، فنجد عدة أعمال تحتفي بهذه العلاقة وتروّج لها اليوم، لأنها أصبحت جزءًا من الحياة الاجتماعية لا يمكن تلافيه، وإن كان لا يزال غير مقبول عند البعض، فتهاجِم أقليةٌ هذه الأعمالَ، ولكنها تمر على الآخرين مرور الكرام لكونهم يعيشون هذا في الواقع بكل أريحية.

من هنا ارتفع بعض الأصوات الداعية للانتباه إلى أن مفهوم الصداقة أصبح يحمل وجوهًا كثيرة غير التي ظهرت عليها في السابق، إذ أخذت تنتشر بين الجنسين مفاهيم جديدة تندرج تحت لافتة الصداقة يتربع على هرمها مفهوم “الصداقة بمنافع” وهي علاقة بين رجل وامرأة قائمة على منافع جنسية أو مادية، مغلَّفة بحرية اختيار كلاهما للآخر، وصراحة دوافعهما، فتعود هذه المفاهيم مشوهة لفكرة الصداقة، ولو على نحو تدريجي وخفي حتى على بعض مؤيديها، خصوصًا حين يُبرَّر بعض العلاقات “اللا أخلاقية” في نظر المؤيدين أنفسهم، مثل هوس الرجل بغير زوجته والزوجة بغير زوجها وانجذابهما للآخرين عاطفيًّا وجنسيًّا، وقضاء وقت طويل برفقتهم أمام أعين الجميع، ووصف هذه العلاقة “غير الواضحة” بكونها نوعًا من أنواع الصداقة، ليصبغاها اجتماعيًّا بصبغة القبول، من أجل التحدث عنها وممارستها أمام الجميع بكل بساطة.

وبموازاة ذلك، باتت تُعرض من جديد هذه الأفكار على الجمهور من خلال السينما والتليفزيون والأدب وبرامج التوك شو، فيطمئن لها البعض لكونه يشعر أنه ليس الوحيد الغارق في مثل هذه العلاقات، وأنها أصبحت أمرًا واقعيًّا في حياتنا.

ويثور البعض برفض هذه الفكرة، بل ويتجاوز ذلك ليهاجم الفكرة الأم وهي صداقة الرجل بالمرأة من الأساس، بصرف النظر عن شكلها، حتى لو كانت لا تسعى للانتفاع الجنسي والانجذاب الجنسي.

على حافة “العار”

لا نستطيع إنكار أهمية الصداقة ودورها في حياة كل منا، بين نفس الجنس أو بين الجنسين، ولكن المخاطر التي أصبحت تترتب، شئنا أم أبينا، على ذوبان قيود العلاقة بين الجنسين اليوم هي مخاطر وخيمة، فالاحتياجات النفسية والجسدية وصعوبة الحياة والظروف الشخصية لكل فرد ومقدار اتزانه النفسي والعقلي متفاوتة، ولا يمكن منح أو منع فكرة بناء على قاعدة ثابتة في ما يخص طبيعتنا كبشر، ولكن هل تحتمل مجتمعاتنا العربية المخاطر التي تترتب على مثل هذه العلاقات أحيانًا؟

ما يترتب على علاقة البشر بعضهم ببعض من مخاطر، قاعدة يندرج تحتها كل إنسان، لكن بالتأكيد معالجتها وتقبلها يختلف، فيعتبر الكثيرون أن فكرة الصداقة بين الرجل والمرأة هي فكرة أجنبية جاءت من الغرب، ويبررون رفضهم لها -بالتحريم الديني والرفض العرفي- بالحفاظ على الأمان النفسي والسلام المجتمعي.

وفي هذا الإطار يجري عقد مقارنة بين الصداقة في الغرب، الذي تختلف المفاهيم وتطبيقها فيه عن الشرق، نظرًا إلى فارق التغير الاجتماعي بين الاثنين، بالإضافة إلى تحمل المجتمعات الغربية مخاطر مثل هذه العلاقات، وبالأخص حين تشوه وتستخدم على نحو خطأ بناءً على حالات فردية لها ظروفها الخاصة، فهناك نجد تقبُّلاً حقيقيًّا لأي نتيجة محتملة لعلاقة الرجل بالمرأة، لكن هذا لا يتوافر في بلادنا العربية، فخطأ واحد، وإن كان صغيرًا، قد يُلحِق بأصحابه العار مدى حياتهم، فيلجأ البعض إلى تجنب هذه التجربة بتحريمها أو رفضها من الجانب الديني والعرفي والأخلاقي، واعتبار أن كل من يفعلها شخص منحرف أو سينحرف لمجرد وجود حالات فردية أساءت لهذه العلاقة المفترض أنها مقدسة.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram