ثقافة وفن

“العملية كيسنجر”: رحلة أبراهام (الحلقة التاسعة)

أحداث هذه الرواية “العملية كيسنجر” من خيال مؤلفها وأي تشابه بينها وبين واقع أشخاص أو أحداث هو من قبيل المصادفة الفنية غير المقصودة.

زرع كمال أفندي خطاب (ناحوم الابن سابقا) جذرا جديدا لعائلته في سنهوت، ورواه بإخلاصه للشيخ السنهوتي حتى تناسى الناس أصله وفصله وقصته، وعدّوه ابن شقيق الشيخ السنهوتي، فأسس فرعا لتلك العائلة يصل ويمد سيرة هذا الشقيق الغائب منذ رحلته إلى الحجاز، ويواري إلى حد كبير سيرة ناحوم الخطّاف بكل مغامراتها ومقامراتها وخيباتها.

منذ استجار بالسنهوتي عاش في جواره وصاهره وأنجب الولد، ونال ثقته وتولى إدارة أعماله كأفضل ناظر زراعة في دوائر المحروسة، وهو يشعر بأنه أفلت من لعنة ناحوم، واستطاع أن يحقق لعائلته حياة مستقرة كسائر الفلاحين وأهل الريف في مصر.

رواية العملية كسينجر (1)

لا خصومات حادة، ولا خلافات أو ثارات، ولا اقتراب من السلطة يفرض الرهانات والحسابات ويجعله يحمل رأسه على كتفيه، إما ينهال عليه غضبها أو يظفر برضاها.

صحيح أنه دفع ثمنا أيضا من أجل الوصول إلى هذا الاستقرار، وعلى درب عائلته عايش موجتَي هجرة، واحدة من عكا إلى مصر المحروسة، والثانية من المحروسة إلى سنهوت، لكنه اشترى كذلك هذا الاستقرار بثمن كبير، بدّل ديانته وقبع في منفى اختياري وابتعد تماما عن كل ما ناضلت عائلته من أجله، خصوصا محورَي المال والسلطة، على عكس أبيه وجدوده.

كل هذا التاريخ أصبح خلف ظهره

حاول ألا ينقله حتى إلى ولده الذي نما معتقدا أنه فلاح ابن فلاح ومن عائلة راسخة من أعيان سنهوت شرقية.. ظن أنه بذلك يحميه من مصيره ومصير أجداده، يُدخل في تركيبته الجينية جينات عائلة مصرية عربية مغروسة في طين الأرض.. ويشترى له مستقبلا غير مثقل بأعباء الماضي وفواتيره، فلا يجد نفسه ملزما بسداد تلك الفواتير أو تحمل ضريبة هذا الماضي.

لكنه ربما أغلق صفحة تاريخ ناحوم الأكبر، ليبدأ صفحة أخرى تحيط بها ملامح اللعنة إياها، ولا تخلو من دراما، وتدفعه وعائلته من جديد إلى دوامة الترحال والمقامرات، هذه المرة صفحة جديدة جدا فى أحداثها تحمل اسم وتجربة كمال خطاب.

***

مات الشيخ السنهوتي

ولم تمض أسابيع معدودة حتى ماتت أم إبراهيم، وفقد كمال خطاب مرة واحدة كل ما كان يسند إليه ظهره، صهره الذي أجاره، وزوجته التي دخل من بابها عالمه الجديد، ولم يبق في هذا العالم غير نجله إبراهيم كمال خطاب، ثمرة هذا الفصل الطويل من حياته، وهو فصل طويل في زمنه وإن كان سكونه وهدوؤه ليس فيه كثير مما يستحق أن يُحكى.

مات أيضا في ذات الفترة إبراهيم باشا، ابن الباشا الكبير محمد علي، وقائده وذراعه وولي عهده وصاحب جنده ومُحقق الكثير من مجده.

لم يكن موت إبراهيم باشا ذا تأثير كبير مثل موت الشيخ السنهوتي وابنته، فلم تكن لكمال خطاب علاقة بالباشا ولا أبنائه ورجال بلاطه، كل ما هنالك أنه سمّى نجله باسمه تيمنا بهذا القائد المظفر الذي كان قاب قوسين أو أدنى من فتح الأستانة، وفعل في عكا ما عجز نابليون بونابرت عن فعله، وربما كان هذا سبب افتتان كمال خطاب به، فلم تغادر ذاكرته -رغم كل المحاولات- لحظة هروبه وعائلته من عكا، فاختار أن يسمي باسمه نجله الذي جاء بعد سنوات من فقد الأبناء المتكرر وهم صغارا، أيضا كان اسم أبو الأنبياء إبراهيم حاضرا في ذهنه، ربما اعتبره تميمة ضد الموت الذي يخطف الصغار، وربما كان حنينا منه إلى تراثه الذي لم يجد فيه من العوامل المشتركة بين ماضيه اليهودي وحاضره المسلم أهم من

(أبراهام) الجد الأكبر للعرب وبني إسرائيل على السواء.

في تلك الأيام، التي اختطف فيها الموت سنده (السنهوتي وابنته) كان كمال خطاب ونجله الشاب إبراهيم على موعد مع صفحة أخرى في كتاب العائلة، صاغها هذه المرة أصهاره من أخوال إبراهيم.

***

سحب أبناء الشيخ السنهوتي من كمال خطاب كل ما حصل عليه من امتيازات من والدهم، سيطروا على الدفاتر وعزلوه من نظارة زراعتهم، وتسلموا منه كل ما في حوزته من أموال، حتى أمواله الخاصة التي حاول إقناعهم أنها عائد عرقه وأجرته في إدارة شؤون والدهم.. تحفظوا عليها بدعوى أنه حصل على بيت لم يدفع ثمنه، وتزوج أختهم الشريفة ولم يدفع مهرها.

وفوق ذلك حرموه ونجله من الإرث المستحق في تركة السنهوتي.

لم تنجح محاولات كمال خطاب مع أصهاره، كما لم يجد إبراهيم لنفسه خاطرا عند أخواله.

لا إقناع نفع، ولا توسُّل شفع.. ولا مجالس العرب وتدخل الوجهاء والأعيان.

أوقف الشكاوى للسلطة والقضاء الشرعى ومشايخ الأزهر، خوفه على نجله الذي غلبه حماس الشباب والنزوع للمواجهة، وهو بلا عصبية من أهل أو أنصار.

وسط كل تلك المداولات عاد التاريخ مرة أخرى لينفتح على مصراعيه، وعرف إبراهيم الكثير عن والده وجده وقصتهما ورحلتهما، ووجد أخواله يعيّرونه بهذا التاريخ.

رواية العملية كسينجر (3)

دخل إبراهيم الدوامة

وجد من أخواله من يتنمر عليه ويكيل لأبيه السباب

  • يا يهودي يا ابن اليهود
  • يا ابن الخاين
  • يا نخّاس يا ابن النخّاس

خسر كمال خطاب كل شيء في لحظة، تماما كما حدث لوالده ناحوم الأكبر في عكا.. رغم كل الفوارق بينه وبين والده، فإذا كان والده طمع في السلطة والأحلام الكبرى وسقط في صراع بين أباطرة الحكم في الشرق والغرب، فهو لم يطمع سوى في الاستقرار والستر، لكن بدا أنه هدف صعب ويكاد يكون مستحيلا، مثله مثل أهداف ناحوم الأب.

ها هو يفقد الستر ويخسر حصيلته كلها.. الصهر السند والزوجة والمال، ويعود إلى نقطة الصفر كما عاد أبوه في لحظة كأن ألم الصناديق التي ابتلعها أحمد باشا الجزار في خزائنه وأودت بحياة والده يعود علقمها إلى حلقه، وهذه المرة بطعم أشد مرارة.

مع كل تلك الحسرة، لم يبق له ما يستحق الحماية والخوف غير نجله الوحيد، والبقاء في سنهوت وكل زمام منيا القمح معناه أن يخسره، وهو كل شيء قد بقي معه.

*** 

عاد كمال خطاب ليجد نفسه في لحظة اختيار..

هذه المرة في اختيار المنفى الجديد الذي يلجأ له ضامنا إبعاد نجله عن بؤرة الغضب في سنهوت ومشاعر الانتقام والثأر.

لم يكن أمامه كثير من الخيارات..

فكر في الرحيل شرقا إلى سيناء أو فلسطين، ليكون قريبا من شقيقه الذي عاد إليها واستقر، خصوصا بعد موت أحمد باشا الجزار.

هناك يمكن أن يجد نجله عصبة من حوله.. لكن ما يُدريه أن أحوال شقيقه بخير وقد انقطعت أخباره منذ سنوات؟

كذلك لم تكن صحته تتحمل هذا السفر البعيد.. بالكاد يصلب طوله.. فصدمة مصادرة حصاده كله في سنهوت أصابت قلبه في مقتل.. ولولا الخوف على مصير نجله وعدم اطمئنانه عليه لأنهى حياته كما فعل أبوه في عكا، فلا العمر يكفي لبداية جديدة أو مكابدة أخرى مع الحياة في بيئة ثانية.

يتجه إذن إلى المحروسة..

توفي الشيخ الشرقاوى بعد بضعة أعوام من تولي محمد على حكم مصر، وتغيرت المحروسة التي غادرها، انتهى المماليك ذبحا، وغيّر الباشا شكل الحياة، حتى مشايخ الديوان وعلماء الأزهر الذين ساعدوه في جلوسه على كرسي ولاية مصر عزلهم في منافيهم لسنوات.

ليخرج من هذا الزمام أولا! أي مكان خارجه أكثر أمنا..

لحق مع نجله بركب قافلة لتجار “مواشي” متجهة إلى المحروسة، كان يعرفهم بحكم عمله السابق مع الشيخ السنهوتي، وفي الطريق كثر الحكي بينه وبين التجار حتى تعاطف معه أحد تجار الصعيد، الذي عرض عليه أن يشاركه الطريق حتى أسيوط، وهناك سيكون في مأمن وسيدبر له أموره كافة.

وصلت القافلة إلى المحروسة، باع التاجر ما جلبه من “مواشي” في سوق البهايم بإمبابة، ومن هناك استقل الجميع المركب عبر نهر النيل إلى أسيوط.

كانت الرحلة شاقة على صحة كمال خطاب المعتلة، لكن نهايتها جلبت الطمأنينة لروحه القلقة على نجله، خصوصا حين ذهب التاجر به ونجله إلى عزبة (دونالى مصطفى أغا باشا) وقدمهما إلى إبراهيم صائب بك، نجل الباشا، وأسهب في الحديث عن خبراتهما في إدارة أعمال الزراعة، فوافق على إلحاقهما بالعمل في العزبة، لكنه اشترط على الشاب أن يغير اسمه، معتبرا أنه من غير اللائق أن يكون اسمه كاسم البك، ورضخ الشاب بعد موافقة والده، الذي اختار له اسم إسحاق.

سار الشاب على درب والده، الذي تحول من ناحوم إلى كمال، وتحول هو من إبراهيم إلى إسحاق، وسار كمال خطاب على درب والده ناحوم الكبير، فلم يصمد قلبه المثقل بالحسرة، كأنه أجّل النهاية حتى يطمئن على أن إسحاق خطاب بدأ حياة جديدة في أرض جديدة وباسم جديد، وإن كان قد تمنّى له أن ينجح فيما فشل فيه ويعثر على الاستقرار والستر بعيدا عن دوائر السُّلطة المُحرقة، لكن عزبة الباشا التي ضمت جبانتها جثته، كان لها قول آخر، ورسمت لإسحاق وذريته مستقبلا مغايرا يليق بأحفاد ناحوم.

لقراءة الحلقات السابقة:

العملية كيسنجر.. صفقة توفيق بك خطاب مع الحياة (الحلقة الأولى)

العملية كيسنجر.. صفقة توفيق بك خطاب مع الحياة (الحلقة الثانية)

العملية كيسنجر.. صفقة توفيق بك خطاب مع الحياة (الحلقة الثالثة)

موت مباغت.. صفقة توفيق بك خطاب مع الحياة (الحلقة الرابعة)

أحمد الصاوي

كاتب وصحفي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى