رحلة البحث عن الأمان

كيف يؤثر "الخوف من كورونا" على كبار السن؟

على باب فرع خدمة العملاء بإحدى شركات الاتصالات في شارع الطيران بمدينة نصر، يجلس “رجب كامل”، رجل الأمن الستيني مرتديًا زيه الأزرق، ممسكًا بأوراق تحمل أرقامًا مكتوبة يدويًّا بعد تعطل الماكينة الخاصة بتنظيم دخول العملاء، يرتدي كمامة بعد أن ألزمت الدولة المواطنين بها، ولا يستعمل قفازًا طبيًّا.

يخرج الرجل الستيني كل صباح من منزله في حي المرج، ويركب مواصلتين للانتقال إلى عمله في مدينة نصر، يقول لـ”ذات مصر”: “أعلم أن الفيروس يستهدف كبار السن أكثر، وأني من الفئات التي يُوصى ببقائها في المنزل، خصوصًا أني مصاب بأمراض ارتفاع ضغط الدم والسكر، لكن ما باليد حيلة، لو كان المعاش يكفي ما كنت نزلت من بيتي. لقمة العيش تجبرني على النزول. أجهز بنتين للزواج، ولديّ أبناء في الجامعة”.

سعد حنفي وزوجته

يخلع نظارته الشمسية لينظفها من التراب العالق بها ويقول: “الشغل وفر كمامات وقفازات لكل العاملين، إلا أني أشعر بالاختناق من استخدامها، ومع ذلك فأنا مضطر لارتدائها بعد أن أصبحت إجبارية ومهمة، أحاول الالتزام بالتعليمات الصحية التي يقولونها في برامج التلفزيون، وأغسل يديّ بمجرد رجوعي للبيت”.

كبار السن في حاجة للاطمئنان لا التخويف

“كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة من بين الفئات الأكثر عرضة للموت بفيروس كورونا حال إصابتهم”، هذه العبارة التي تكررها وسائل الإعلام باستمرار منذ تفشي جائحة فيروس كورونا، سواء من خلال البرامج أو الفواصل التوعوية التي تذاع عبر التلفزيون والراديو أو تُنشر على منصات وسائل التواصل الاجتماعي، سواء من قِبل الحسابات الرسمية لوزارة الصحة أو لمنظمة الصحة العالمية، ولكن هذا الخطاب التحذيري أثار الفزع لدى كبار السن وذويهم، وعرضهم لضغوط نفسية خطيرة تستوجب تعاملًا مختلفًا مع حالتهم.

“مرفت رشدي”، ربة منزل، تلتزم بالعزل المنزلي حتى إنها توقفت عن النزول للسوق لشراء متطلبات البيت، وأصبحت تعتمد على خدمة التوصيل، وتتواصل مع أسرتها عبر مكالمات الفيديو، وبالأخص والدتها التي انتقلت للإقامة برفقة شقيقها حتى لا تكون بمفردها.

لا تفضل “مرفت” متابعة برامج “التوك شو” وتتابع المواقع الإخبارية وشريط الأخبار عبر التلفزيون، وما يستجد من أحداث تعرفه عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وتنزعج كثيرًا من الإلحاح الإعلامي على أن كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة هما الفئات الأكثر عرضة للخطر في حال إصابتهم بالفيروس المستجد. تقول لـ”ذات مصر”: “هذه الجملة أثارت فزع أبنائي، لا سيما وأنني مصابة بمرض الروماتويد ومناعتي منخفضة”.

مواقع التواصل الاجتماعي

أستاذ طبّ المسنين في جامعة عين شمس “سامية عبدالرحمن”، تؤكد لـ”ذات مصر” أن أفضل طرق العناية بكبار السن خلال جائحة كورونا هي عدم نزولهم من البيت إلا للضرورة القصوى، وأن تكون الدائرة التي يتعاملون في حدودها ضيقة جدًّا، مضيفة: “في حالة إقامتهم مع أحد من أبنائهم، وهو أمر جيد، يجب أن يتعاملوا بحرص، ومن يضطر للخروج من المنزل عليه غسيل الأيدي والوجه وتغيير الملابس وخلع الحذاء وتطهيره قبل التعامل معهم، وعند الخروج يجب ارتداء الماسك وتعقيم الأيدي بشكل مستمر والحرص التام”.

تضيف أستاذ طب المسنين: “في حالة إذا كان الشخص المسن يقيم بمفرده، يجب أن يتغير أسلوب التعامل معه، فالتجمعات الاجتماعية مرفوضة تمامًا، ويمكن لذويه الاطمئنان عليه بالتليفون وغيره من وسائل التواصل الاجتماعي، ومن يزُرْه من أجل مساعدته يجب أن يأخذ جميع الاحتياطات، خصوصًا الحفاظ على المسافات”.

الرسائل السلبية على "السوشيال ميديا" تُعرّض كبار السن للقلق

تعيش “شيماء مكاوي” حالة من القلق المزمن على والدتها “مديحة مصطفى” المقيمة بمحافظة أخرى، وعلى والدة زوجها التي تخضع للعلاج الكيماوي ومناعتها ضعيفة، وتقول لـ”ذات مصر”: “متابعة برامج التلفزيون ومواقع التواصل الاجتماعي تصيبني بالفزع والاكتئاب، فليس بإمكاني رعاية والدتي ولا حماتها، ولا أملك إلا الاطمئنان عليهما بالتليفون فقط”.

مديحة مصطفى

أما والدة “أماني هاشم”، السيدة الستينية التي تعاني من عدة أمراض؛ ففي سعيها لتمضية الوقت شاهدت فيديو منتشرًا على “فيسبوك” لـ”يوتيوبر” شهير يقول فيه: “ربنا غضبان علينا، ده حتى المساجد اتقفلت”، فأصيبت بنوبة حزن مفاجئ سبّب لها انهيارًا نفسيًّا دفع “أماني” لمنعها من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي ثانية أو مشاهدة البرامج الحوارية.

تقول “أماني” إن هذه الرسائل الإعلامية تُثير الفزع الذي ربما يكون قاتلًا لوالدتها، مؤكدةً أنها منعت والدتها من الخروج من المنزل وعندما احتاجت للذهاب إلى الطبيب لجأت إلى مجموعات عبر موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” أسسها أطباء لتقديم استشارتهم. وبالفعل اشترت الجرعة الدوائية التي وصفها الطبيب المتطوع بعدما أرسلت له كافة التفاصيل الخاصة بمرض والدتها.

في حديثها مع “ذات مصر”، شددت الدكتورة “سامية عبدالرحمن” على ضرورة إجراء المتابعات الطبية الدورية، وعدم التوقف عنها. مضيفة أن غالبية الأطباء لاحظوا مؤخرًا غياب مرضاهم عن جلسات علاج أمراض مثل السكر وضغط الدم بسبب الخوف من الذهاب إلى المستشفى، لافتة إلا أن الإهمال في هذه الحالات قد يؤدي إلى الوفاة.

وتنصح “عبدالرحمن” بالتواصل مع الطبيب المتابع للحالة من قبل عبر التليفون لكي يتمكن من معرفة سبب المشكلة المستجدة، موضحة أن مفهوم الطب عن بُعد أصبح هو السائد الآن، وأن جامعة عين شمس تقدمه مجانًا بشكل أشبه بفيديو كونفرانس يتم فيه رؤية المريض ومتابعة حالته.

وتؤكد أستاذ طب المسنين أن نسبة كبيرة من الحالات يمكن علاجها بالتليفون، ويمكن طلب فحوصات وتحاليل أيضًا. مضيفة: “الأمراض المزمنة يجب متابعتها باستمرار”.

الأنشطة والألعاب مفيدة لكبار السن خلال مكوثهم في المنزل

وتوصي أستاذ طب المسنين بتوفير الوسائل اللازمة للمسن للقيام بأي نشاط حتى لا يشعر بالملل، وحتى نُساهم في زيادة نشاطه العقلي، وذلك عبر أنشطة منها: الكلمات المتقاطعة، والشطرنج، والطاولة، والأشغال اليدوية (مثل التريكو والكروشيه)، والرسم، والقراءة والكتابة، وهي تمرينات للذاكرة والإدراك.

وتُشير “عبدالرحمن” إلى أهمية زيادة الرسائل الإيجابية عند الحديث إلى كبار السن، مضيفة: “الأفضل ألا يتم التطرق إلى فيروس كورونا وأعداد المصابين والوفيات؛ لأن الرسائل السلبية تسبب رعبًا وقلقًا في حدّ ذاته يقلل المناعة”.

وتضيف: “في حالة زيادة الشعور بالقلق لدى آبائنا وأمهاتنا من المسنين ينصح بالمشورة النفسية”، مشيرةً إلى أن وزارة الصحة توفر مشورة نفسية بالمجان من خلال خط ساخن أطلقته الأمانة العامة للصحة النفسية، ويجب الاهتمام بالحالة النفسية لكبار السن حتى لو اضطر أبناؤهم إلى زيارة الطبيب بالنيابة عنهم لمعرفة كيفية التعامل مع المشكلة.

“عبدالرحمن” تشدد على ضرورة القيام ببعض الرياضات البسيطة التي يمكن القيام بها أثناء الجلوس على الكرسي لتقوية عضلات الرجلين والظهر، وكذلك أثناء الاستلقاء على السرير، مضيفة: “لا يُشترط المشي داخل المنزل، لأنه يمكن أن يكون خطيرًا، فمنازلنا عادة ممتلئة بالأثاث، ويمكن أن تؤدي لسقوط المسنين وتعرضهم للجروح والكسور، ولكن يمكن المشي في المنزل في حالة وجود مكان متاح للمشي، ويمكن أيضًا لعب الرياضات التي تقوّي التوازن (مثل: الوقوف والجلوس المتكرر، أو وضع وزن خفيف مثل زجاجة مياه ورفعها لتقوية عضلات الرجل)”.

البقاء في المنزل ليس خيارًا أمام كلّ المُسنين

البقاء في منزلها ليس خيارًا أمام “أم سماح” السيدة الستينية التي انتقلت من العمل في أحد المطاعم إلى عاملة منازل تعمل لدى سيدة مسنة وحيدة بعد زواج بناتها وانتقالهن إلى منازلهن. تقول “أم سماح” لـ”ذات مصر”: “مع بداية انتشار جائحة كورونا في مصر، واتخاذ التدابير الاحترازية في منتصف مارس الماضي، قررت ابنة السيدة التي تعمل لديها تخصيص غرفة لها للإقامة معهم والقيام بعملها بعد إجراء مسحة طبية لها للتأكد من أنها لا تحمل الإصابة بفيروس كورونا”.

وتُضيف “أم سماح”: “أنا ملتزمة بالحجر المنزلي منذ أكثر من ثلاثة شهور، أشتاق إلى أبنائي وأحفادي الذين حُرمت منهم في شهر رمضان كله بسبب عملي، أخاف على نفسي من هذا المرض الخطير وكذلك على صحة السيدة التي أعمل لديها، يقولون إن كبار السن يموتون بالفيروس فورًا، لذلك أحرص على الالتزام بإجراءات الوقاية بشدة، أنا خائفة جدًّا، لكني أريد أن أرى أسرتي، وطلبت إجازة مشروطة بإجراء المسحة الطبية قبل أن أعود للعمل مرة أخرى”.

على عكس “أم سماح” يقول “سعد حنفي” لـ”ذات مصر”، إنه يعتبر التحذيرات الخاصة بكبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة هدفها زيادة الاهتمام ولا تثير قلقه، ويؤكد أنه لا يتابع القنوات المحلية، ويتابع فقط القنوات التلفزيونية الأجنبية لثقته في مصداقية ما تقدمه من محتوى.

يلتزم “سعد” -بصرامة- بإجراءات السلامة من تعقيم الأيدي وارتداء الكمامة والقفازات الطبية عقب عودته لمنزله، ويعلق على ذلك قائلًا: “موضوع كورونا مستمر معنا لفترة طويلة، وعلينا أن نتعايش معه”.

عبير سعدي، نائب رئيس الاتحاد الدولي للصحفيات

“عبير سعدي”، نائب رئيس الاتحاد الدولي للصحفيات ومدربة أمن وسلامة الصحفيين والمحاضرة في جامعة دورتموند الألمانية، تقول لـ”ذات مصر” إن جائحة كورونا وضع استثنائي غير مسبوق، والخوف على كبار السن يُعتبر مشكلة حقيقية عالميًّا وليس في مصر فقط، فإيطاليا مثلًا بها معدلات الرعاية الصحية مرتفعة، وكبار السن عددهم كبير وتعرضهم للإصابة بعدوى فيروس كورونا المستجد يُعتبر مشكلة كبيرة، فنظرًا لظاهرة الترابط الأسري فإن كبار السن يقيمون مع أسرهم؛ وهو ما يعرضهم للخطر بشكل أكبر.

وتضيف “سعدي”: “هذا بخلاف الوضع في ألمانيا لأن كبار السن غالبيتهم يقيمون مع بعضهم في بيوت مخصصة للمسنين، وعادةً ما يتم اللجوء لخطاب التهويل بقصد حماية الفئات الأكثر ضعفًا، وأزمة (كوفيد-19) دفعت كبار السن للشعور بالعجز، وهي أزمة عامة في العالم كله لكنها خاصة -في الوقت نفسه- لأنها تمسّ أهلنا، سواء نعيش معهم أو بعيدًا عنهم”.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

علياء أبو شهبة

صحافية مصرية

مشاركة

أحمد بيكا

جرافيك ورسوم

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram