العالم على جناح كمامة.. رحلة البحث في السوق السوداء

في غضون أسابيع قليلة، اجتاح فيروس كورونا المستجد المعروف بـ”كوفيد- 19″ عدة دول، ليحقق معدلات إصابة مرتفعة تجاوزت عشرات الآلاف حول العالم.

سجلت الصين -بؤرة انتشار المرض- أعلى إصابات بالفيروس، تلتها كوريا الجنوبية، بينما لم تسجل مصر والدول العربية -حتى الآن- سوى معدلات إصابة منخفضة نسبيًّا.

ورغم انخفاض معدلات الإصابة في مصر؛ إلا أن مظلات الخوف أضحت تُحلّق فوق رؤوس غالبية المواطنين، ولجأ بعضهم لاستعمال الكمامة الطبية كوسيلة وقاية ضد “الفيروس الوافد”.

ومع أن سوق الكمامات الطبية كان محدودًا جدًّا ومقتصرًا على العاملين في المجالات الطبية، وبعض الشركات والمصانع؛ إلا أنه تحول إلى أحد أكثر الأسواق رواجًا، عقب انتشار أنباء كورونا.

خاض “ذات مصر” رحلة للبحث عن كمامة، بدءًا من مصانع الإنتاج التي توقفت نتيجةَ عددٍ من العوامل، وحتى سوق بيع المستلزمات الطبية. ويكشف هذا التقرير، كواليس اختفاء الكمامات، وارتفاع سعرها، داخل مصر، خلال الأيام الماضية.

 

“كورونا” يُنعش السوق السوداء

بدأت رحلتنا من منطقة باب اللوق، وانتهت في شارع قصر العيني الأشهر في بيع المعدات والمستلزمات الطبية في القاهرة.

كانت إجابة أصحاب الصيدليات ومحلات بيع المستلزمات الطبية واحدة؛ إذ أجمع العاملون بها على وجود نقص في الكمامات الطبية، عقب الانتشار السريع الذي حققه فيروس كورونا المستجد.

أحد العاملين بصيدلية شهيرة، تقع في مقابل الغرفة التجارية بباب اللوق، قال لـ”ذات مصر”، إن الكمامات تُباع حاليًّا في “السوق السوداء”، مضيفًا أن صيدلية أخرى في المكان نفسه باعت الكمامة المستوردة بـ125 جنيهًا.

توجّهنا إلى الصيدلية المذكورة؛ إلا أن العاملين نفوا تمامًا وجود أي كمامات طبية، قائلين: “بقالنا فترة مش عندنا”.

وأضاف: “أفضل طريق للحصول على الكمامات في الوقت الحالي، هو شراؤها عبر المتاجر الإلكترونية على شبكة الإنترنت”، مشيرًا إلى أنه منع أبناءه من الذهاب للمدارس خلال الفترة الحالية، لوقايتهم من الإصابة بأي أمراض.

طوال الطريق الممتدّ من باب اللوق وحتى قصر العيني، لم يكن هناك تواجد للكمامات الطبية سوى بصيدلية واحدة قرب نقابة الأطباء، وأخبرنا العاملون في تلك الصيدلية أن ثمن الكمامة العادية سوداء اللون هو 50 جنيهًا.

في السياق نفسه، قال “عبده” -صاحب أحد محال المستلزمات الطبية بشارع قصر العيني- إن “تجار الجملة” سحبوا الكمامات الموجودة بالأسواق الطبية، مضيفًا أنهم عادوا لبيعها بأضعاف سعرها، على حد تعبيره.

وأشار إلى أن هناك إقبالًا على شراء الكمامات الطبية خوفًا من الإصابة بـ”كورونا”. كاشفًا أنه اشترى علبة كمامات بـ225 جنيهًا، بعد أن كان سعرها يبلغ 15 جنيهًا فقط.

أضاف صاحب محل آخر- تحفظ على ذكر اسمه- أن سعر الكمامة العادية يتراوح بين 4 إلى 5 جنيهات، بينما يبلغ سعر الكمامة الأمريكية الصنع 80 جنيهًا، مردفًا: “اشتري دلوقتي، لأن بعد كدا مش هتلاقي”.

الدكتور علي عوف

في المقابل، قال الدكتور “علي عوف” -رئيس شعبة الأدوية بالغرفة التجارية- لنا إن هناك عددًا من مصانع “بير السلم” عملت خلال الفترة الماضية على إنتاج الكمامات غير المطابقة للمواصفات، محذرًا المواطنين من شرائها.

وأرجع “عوف” سبب انتعاش السوق السوداء للكمامات إلى شدة الطلب عليها، خاصة مع الخوف الذي وصفه بـ”غير المبرر” المنتشر بين المواطنين من فيروس كورونا.

في حين نصح الدكتور “محمد إسماعيل” -رئيس شعبة المستلزمات الطبية بالغرفة التجارية- المواطنين باستعمال المناديل الورقية خلال التواجد في الزحام كبديل للكمامات، والحفاظ على النظافة الشخصية، وتناول الأطعمة التي تزيد المناعة، مشددًا على أن فيروس كورونا المستجد ضعيف، ويستحيل أن ينتشر لمسافة أكثر من متر بعد تطايره من رذاذ الشخص المُصاب.

العاملون.. ضحايا مجهولون لـ”نقص الكمامات”

رغم وجود عدد من القطاعات التي تضررت جراء نقص الكمامات؛ إلا أن العاملين في صناعة الكيماويات وصباغة الملابس من أكثر الفئات المتضررة جراء نقص الكمامات، وذلك بحسب المهندس “أيمن محمد”، أحد العاملين في مجال الصباغة.

وأوضح “محمد” لـ”ذات مصر” أن مهندسي المنسوجات، والعاملين في الصباغة، يستخدمون الكمامة لحمايتهم من المواد الكيميائية، والروائح النفاذة، وأوبار الخيوط والأقمشة التي يتعرضون لها جراء العمل في هذا المجال.

 

أشار المهندس العامل في الصباغة إلى أنهم اعتادوا شراء الكمامات من مكاتب بـ”وسط البلد”؛ إلا أنهم يعانون من أزمة في توفيرها حاليًّا بسبب نقصها جراء زيادة الطلب عليها خلال الفترة الماضية.

ولفت “محمد” إلى أن العمال يرفضون ارتداء الكمامات غالبًا، لأنها تشعرهم بالضيق، متناسين الأضرار التي قد يسببها عدم ارتدائها.

“صناعة الكمامات” تواجه أزمة

أعاد فيروس كورونا تسليط الضوء على الأزمة التي تواجهها صناعة الكمامات في مصر.

فوفقًا للدكتور “علي عوف”- رئيس شعبة الأدوية بالغرفة التجارية- فإن مصر لا يوجد بها سوى 4 مصانع مرخصة لإنتاج الكمامات الطبية، بـ7 خطوط إنتاج تبلغ طاقتها الإنتاجية 500 ألف كمامة للوردية.

الدكتور محمد إسماعيل

في حين أشار الدكتور “محمد إسماعيل”- رئيس شعبة المستلزمات الطبية بالغرفة التجارية- إلى أن مصنعين فقط من أصل المصانع الأربعة المرخصة يعملان حاليًّا، هما: “المصرية الإيطالية للمستلزمات الطبية”، و”العربية للمستلزمات الطبية”.

وأكد “عوف” و”إسماعيل” في تصريحاتهما لـ”ذات مصر” أن صناعة الكمامات تواجه أزمة في توفير المواد الخام اللازمة للصناعة.

من جانبه، أوضح الدكتور “محمد إسماعيل” أن الصين كانت المورد الأساسي لمصر للحصول على المواد الخام؛ إلا أن هذا المورد نضب بعد انتشار فيروس كورونا بالصين، مردفًا: “هنجيب منين دلوقتي”.

وألمح “إسماعيل” إلى أن المَصْنَعَيْن لم يستطيعا توفير سوى 20 مليون كمامة من أصل 30 مليون كمامة طلبتهما وزيرتا الصحة والتجارة لصالح المستشفيات الحكومية. مضيفًا أن الشعبة تبرعت بكل ما لديها لصالح المستشفيات الحكومية، وحصلت على 40 قرشًا مقابل الكمامة الواحدة.

 


قررنا استكمال رحلة البحث عن الكمامة، لكن عبر الإنترنت، فبحثنا على موقع “سوق. كوم” -أحد أشهر منصات التسوق الإلكتروني على الإنترنت- الذي يحتوي على تشكيلة متنوعة من أقنعة الغبار والتنفس، تبدأ أسعارها من 35 جنيهًا وتصل إلى 122 جنيهًا، ولم يختلف الحال كثيرًا على موقع “جوميا” للتسوق الإلكتروني.

مواطنون: ثقافة الكمامة غائبة عن المصريين

قال عددٌ من المواطنين إن ثقافة ارتداء الكمامة غائبة عن المصريين، حيث تباينت مواقف عدد من المواطنين الذين استطلع “ذات مصر” آراءهم خلال جولة خاصة للموقع في منطقة فيصل.

وأضاف “بركات”- أحد المواطنين الذين تم استطلاع رأيهم-: ما جربتش لبس الكمامة، بشوف ناس بس مش كتير بيلبسوها الفترة اللي شغال فيها ممكن ألبس الكمامة، لكن مش دايمًا، خصوصًا أن مجال عملي في أدخنة كثيرة”.

وأشار “مصطفى” إلى أن ارتداء الكمامة يساهم في الحفاظ على الصحة العامة للإنسان، لأنها تقيه من الأتربة والدخان والميكروبات.

في المقابل، قال “أحمد” إن جشع التجار هو سبب ارتفاع سعر الكمامة، مطالبًا الجهات المعنية بفرض رقابة على بيع الكمامات.

وتابع: “بالنسبة لي مخليها على الله، ولو غالية الموضوع هيكون صعب اشتري كل يوم واحدة”.

واعتبر “مصطفى كامل” أنه ليس هناك داعٍ لارتداء الكمامة، قائلًا: “عادي مافيش حاجة، وأنا عن نفسي ما استعملتش الكمامة قبل كده”.

بينما ذكر “همام محمد” أن الشعب المصري “ماشي ببركة ربنا”. وأضافت نجلته “رحمة” -الطالبة بالصف الثالث الابتدائي- أنه لا يوجد أحد في مدرستها يرتدي الكمامة، موضحةً أنها تلتزم بتعليمات النظافة الشخصية للوقاية من الأمراض.

 

بمشاركة

جرافيك ورسوم

أحمد بيكا

فيديوجرافيك

محمود أسامة

قصــة

أمينة العناني

صحفية مصرية

There are no reviews yet.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



Start typing and press Enter to search