رحلة البهجة.. الطنبورة من النوبة للسويس

شريف حسن

كاتب متخصص في الموسيقى الشرقي

“والنبي يا غزال حوش طرف الشال.. يُطرُف عيني.. دا حرير في حرير من النسمة يطير”.

في فيلم علي الكسار “الساعة 7” عام 1937 تظهر فرقة زار تحيي فرحًا في النوبة، وكان أثر الموسيقى الإفريقية واضحًا في أداء الفرقة فيما يخصّ صوت الطنبورة ورتم الإيقاع على الطبول وطريقة الغناء، وهو ما يتوافق أيضًا مع أقدم تسجيل للطنبورة في مؤتمر الموسيقى العربية عام 1932، بصوت جوق الست فاطمة الشامية للزار السوداني.

الطنبورة من فيلم الساعة 7 علي الكسار

الطابع الإفريقي لـ”الطنبورة”، التي يعود أصلها إلى الحضارة الفرعونية وكانت تسمى بـ”الكنارة”، يعود لارتباطها بفرق الزار القادمة من الحبشة والنوبة القديمة، وهي الآلة الأساسية للزار بجانب الطبول والمنجور (وهو عبارة عن حزام يلفه الشخص حول خصره ويمتلئ الحزام بحوافر الماعز، وكلما هز خصره تهتز الحوافر وتصدر صوتًا مميزًا)، والذي يتحرك بناء على تعليمات السنجك (عازف الطنبورة والمطرب ورئيس الفرقة). وفي مصر والسودان كانت النساء غالبًا هي من يقود الغناء والفرقة وتسمى بـ”الريسة”.

جوقة الست فاطمة الشامية 1932

ولا تزال فرقة الزار الحديثة “مزاهر” بقيادة الست “مديحة”، التي تقدم كل أشكال الزار، تضع حاجزًا بين الزار الإفريقي المعتمد على الطنبورة والزار المصري المعتمد على الدفوف والصاجات والذكر والرقص السريع.

الطنبورة من برنامج موسيقى الشعوب

ولم تكن الطنبورة آلة أساسية في فرق الزار في مصر إلا في النوبة، حتى في تسجيل جوقة الست “أم إبراهيم” للزار عام 1932 لا يظهر صوت الطنبورة، وفي العديد من تسجيلات الزار المصرية القديمة لا تُسمع الطنبورة التي حافظت على مكانتها داخل حدود النوبة ولم تنتشر في باقي المحافظات.

وحاليًّا تحررت الطنبورة في النوبة من الزار ليصبح صوتها أخف من الصوت الرخيم والحاد في الزار. ورغم عدم شهرتها في الغناء النوبي على عكس الطار أو العود، إلا أنها موجودة على هامش المشهد الفني النوبي.

الطنبورة شاهد على ارتحالات الفن بين محيط الدول المطلة على البحر الأحمر

الطنبورة واحدة من الآلات التي انتقلت عن طريق رحلات التجارة والصيد والحج إلى أغلب الدول التي تطل على البحر الأحمر، وفي كل مكان تدخله كانت الطنبورة تتأقلم مع ثقافته وطباع أهله وموسيقاه.

ففي دول الخليج يوجد فن فلكلوري يسمى بـ”النوبان”، وهو فن منحدر من النوبة منذ مئات السنين، وعاش في دول الخليج وأصبح مرتبطًا بالتراث الخيلجي، وأصبح واحدًا من أشهر الفنون هناك، رغم حفاظه على الإيقاعات النوبية والإفريقية، ويعتمد على آلات الزار الإفريقي: الطنبورة، والطبول، والمنجور.

وفي السعودية تحررت الطنبورة من الزار عبر فن الينبعاوي وفن الخبيتي اللذين يعتمدان على وجود آلة السمسمية، وهي نفسها آلة الطنبورة ولكن أقل حجمًا، وصوتها مختلف عن الطنبورة بشكل واضح، وتضم السمسمية الأصلية خمسة أوتار، أما الطنبورة فستة أوتار. 

والخبيتي فن قائم على الرقص والغناء، وله ملابسه الخاصة وأداؤه الخاص، ويوجد به إيقاعات الزار الإفريقية والنوبية. أما الينبعاوي فهو فن قائم على غناء الأدوار والأغاني المصرية والشامية القديمة على إيقاع راقص باستخدام الإيقاعات والسمسمية والقانون، مع الرقص والتصفيق بشكل إيقاعي مع الموسيقى والغناء الجماعي، وهو الشكل الأقرب لاستخدام آلة السمسمية، في مدن البحر الأحمر. 

طرب ينبعاوي على السمسمية والقانون

ولم تنل السمسمية شهرة طاغية في مدن البحر الأحمر بسبب عزلتها النسبية عن الثقافة المصرية، إلا أنها حاضرة بشكل ما في الحياة الفنية لتلك المدن التي تعرف أغاني كثيرة، منها المصرية ومنها البدوي ومنها السعودي القادم من الجهة المقابلة للبحر وتحديدًا من ينبع.

غارب ياما ليالي على ألحان السمسمية

والشكل الغنائي السائد في ينبع هو الأقرب لفن السمسمية في مدن القناة، التي وصلتها السمسمية عن طريق الهجانة النوبيين والعمال وقت حفر قناة السويس. ولم تأخذ السمسمية الكثير من عالم الطنبورة والأجواء النوبية أو الزار، مع استثناء بعض الأغاني النوبية التي تعتمد على السلم الخماسي، مثل أغنية “محمد عثمان النجي الحمد لله إنه جه”، وهي تحية للفنان محمد عثمان النجي، الذي ارتحل من النوبة إلى منطقة القناة أثناء حفر قناة السويس حاملًا في يده الطنبورة، وهو ما يؤكد أن هذا الفن متضافر بعضه ببعض بشكل يصعب تفرقته أو تقسيمه حسب الحدود والثقافات.

ويُعد الفنان “عبدالله كبربر” الذي عاش في مدينة الطور على الرغم من أنه نوبي الأصل، وكان من مؤسسي السمسمية، شاهدًا على ارتحالات هذ الفن وتحولاته، ويحكي تلميذه الفنان “أحمد السواحلي” أنه قابله وهو طفل صغير يسافر مع والده الذي يعمل مع الإنجليز، واكتشف عزفه على السمسمية، وبدأ ينتقل معه من مكان لآخر ليتعلم منه أصول العزف على الآلة.

وفي الأربعينيات تحقق الانتشار التاريخي للسمسمية في مدن القناة، ويعود ذلك لكونها مدنًا ساحلية وتجارية؛ فكان الليل ملجأ أهل القناة للراحة والسمر وعمل حفلات الضمة وغناء السمسمية، والموشحات والأدوار القديمة، وتكونت العديد من فرق السمسمية في مدن القناة.

وعقب العدوان الثلاثي وتهجير أهل القناة، بدأت السمسمية تأخذ بعدًا أكثر أهمية؛ إذ أصبحت تُعبر عن هوية أبناء القناة الذين بقوا تحت قصف القوى المعادية، وكان غناؤها على الجبهة جالبًا للحماسة وإعلانًا للصمود، وتحولت مع الذين هُجِّرُوا من بيوتهم إلى نوع من أنواع الاشتياق للعودة لديارهم.

أصبحت السمسمية الآلة الرسمية للقناة، وبدأت فرق الفنون الشعبية تبرزها أكثر في أعمالها مثل رقصة “البمبوطية” و”تعالى جنبي”، وظهرت في تشجيع فرق القناة مثل أغنية “أنا الإسماعيلي” للفنان “أحمد الجابر”.

وظهر مطربون من مدن القناة يستخدمون السمسمية وتراثها مثل “فوزي الجمل”، واستخدم “عمرو دياب” في بداياته السمسمية وألحانها كما في أغنية “أشوف عنيكي” و”بتغني لمين يا حمام”. وفي نهاية الثمانينيات بدأ الريس زكريا في تكوين فرقة الطنبورة، للحفاظ على تراث السمسمية وتقديمه مرة ثانية وتسجيله، ونجحت الطنبورة في صناعة ذلك الجسر بين الأجيال الجديدة وتراث السمسمية في مدن القناة، وعلى مدار 30 عامًا كانوا خير سفير للسمسمية وأغانيها، داخل مصر وخارجها.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search