ثقافة وفن

رحلة التفسير.. مسيرة فكرية عبر ألف عام

مع استهلال القرن الهجري الثاني، وبدء تدوين العلوم الإسلامية، وإدراك ما أصاب المرويات من خلط وانتحال وإضافات، ظهرت الحاجة إلى التعامل مع الأخبار الواردة عن معاني القرآن باعتبارها آثارًا يجب وضعها تحت مجهر النقد الإسنادي، وتمييز صحيحها من سقيمها، ومقبولها من مردودها.

والغالب أن الإمام عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، المتوفَّى نحو 150 هجرية، كان أول من صنف كتابًا خاصًّا في التفسير، وابن جريج أحد أهم ملازمي عطاء بن أبي رباح، فهو من طبقة تابعي التابعين، وصفه الذهبي في سير أعلام النبلاء بقوله: “صاحب التصانيف، وأول من دوّن العلم بمكة… حدث عن عطاء بن أبي رباح فأكثر وجود”. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل، قلت لأبي: مَن أول مَن صنّف التصانيف؟ قال: ابن جريج وابن أبي عروبة.

تفسير بن جريج
تفسير بن جريج

ويرى الفاضل بن عاشور أن ابن جريج “أورد الأقوال في تفسير القرآن على علاتها، فعقب كل خبر بما قيل فيه من تجريح أو تعديل، فدخل علم التفسير بذلك إلى حيز التدوين الكتابي، على ما كان فيه من اختلاط بين الصحيح والسقيم، مع قابلية كل منهما للتمييز من الآخر، فاحتاج هذا الوضع إلى دراسة نقدية لتلك النصوص وتخريج جديد لها بأسانيدها، مع الإلمام بالنواحي الثلاث التي أصبحت أخبار التفسير راجعة إليها: الأثرية واللغوية والعلمية.. وهي الخطة التي انتهجتها كتب التفسير ابتداء من النصف الثاني من القرن الثاني”.

جهود في إنضاج علم التفسير

كان ابن جريج إذن حلقة مهمة في جهود إنضاج علم التفسير، التي بدأت في عصر النبي ثم عهد الصحابة، ومرحلة ابن عباس وأصحابه، ولم يبق إلَّا أن تؤتي هذه الجهود ثمارها، متمثلة في كتاب تفسير جامع، يراعي الجوانب الثلاثة المذكورة، ويمارس عملية نقدية للمرويات مع ترجيح ورد وقبول، والأهم من ذلك أن يكون التفسير متناولًا لكل آيات بل كلمات الكتاب الكريم، وليس مواضع الإشكال، أو الألفاظ الغريبة.

اقرأ أيضًا.. رمزيات الإشارة.. لماذا يفضل الصوفيون تفسير الآلوسي؟

وكان الإمام يحيى بن سلام الإفريقي القيرواني، (ت 200 هجرية) صاحب السبق ورائد القوم، في وضع أول تفسير كامل على منهج منضبط من نقد المرويات والآثار، مع اهتمام بالتراكيب اللغوية والقراءات، كما استخدم الطريقة التقليدية المتمثلة في تفسير القرآن بالقرآن ثم بالسنة ثم بأقوال الصحابة والتابعين، وتتبع معاني بعض الكلمات في اللسان العربي.

ومع الأسف، فإن معظم أجزاء تفسير ابن سلام ما زالت مخطوطة، ولم يطبع منه إلَّا أجزاء عدة حققها باحثون ودارسون، أو معدو رسائل جامعية للماجستير والدكتوراه.

ومن أمثلة ذلك: تحقيق الدكتورة هند شلبي، وهو يشمل تفسير ابن سلام للسور من النحل إلى الصافات، مع دراسة عن الكتاب ومخطوطاته ورواياته ومختصراته، وقد صدر التحقيق المذكور في بيروت عام 2004.

وقد نص الإمام ابن الجزري على أن تفسير ابن سلام سمع من مؤلفه في إفريقية، وشهد له بالريادة والسبق فقال: “ليس لأحد من المتقدمين مثل تفسير ابن سلام”.

والمؤكد أن هذا التفسير قد انتشر انتشارًا واسعًا ببلاد الشمال الإفريقي، لا سيما تونس والجزائر، كما عرف وانتشر ببلاد الأندلس على يد بعض تلاميذ ابن سلام.

أما نسخ الكتاب، فقد تفرقت أجزاء ومخطوطات بالمكتبات الكبرى في تونس وبلاد عربية عدة، وذكر مفتي الديار التونسية الفاضل ابن عاشور أنه “توجد من هذا التفسير نسخة عظيمة القدر موزعة الأجزاء، نسخت منذ ألف عام تقريبًا: منها مجلد يشتمل على سبعة أجزاء بالمكتبة العبدلية بجامع الزيتونة الأعظم، وآخر يشتمل على عشرة أجزاء بمكتبة جامع القيروان، ومن مجموعهما يتكون نحو الثلثين من جملة الكتاب”.

والمؤكد أن إهمال تفسير ابن سلام وتفرق مخطوطاته، وندرة ما طبع منه من أجزاء، أسهم إلى حد كبير في انتشار وجهة النظر التي تعتبر الطبري أول مصنفي المفسرين، قفزًا على الدور المهم لابن جريج وابن سلام.. وهو موقف يثبت أن الاهتمام بالمخطوطات وتحقيقها وطبعها، قد يغير كثيرًا من الرؤى والمواقف وطرائق النظر لتاريخ العلوم الشرعية والعربية.

“الطبري”.. فارقة في رحلة علم التفسير

مثل ظهور محمد بن جرير الطبري (224 – 310هـ) محطة فارقة في رحلة علم التفسير، فالرجل أكثر المفسرين تأثيرا فيمن جاء بعده، إذ لم يكن بوسع أحد أن يتجاوز ما يقرره وما يسوقه من أخبار، وما يميل إليه من آراء.. تأثير امتد لنحو ألف عام، وطال عشرات من الكتب التي صنفت في هذا الميدان الواسع.

قدم الطبري لتفسيره بحشد عدد من المسائل المنهجية الضرورية للتعامل مع التفسير وعلوم القرآن مثل: لغة القرآن، الأحرف السبعة، طرق التفسير، تأويل القرآن بالرأي، ومن تقبل روايتهم في التفسير ومن لا تقبل، واختار لمقدمته المنهجية هذه عنوانا هو: “القول في الوجوه التي من قِبَلِها يُوصلُ إلى معرفةِ تأويلِ القرآنِ”.

ولا شك أن تفسير الطبري يعتمد على “المأثور” ويستند إليه، لكنه إلى جانب الرواية يتمتع بالدراية، ويهتم بالقراءات، ويعرض لوجوه اللغة، ويحتكم إلى الشعر، وينقل عن المدارس اللغوية، ويسوق الإسرائيليات خلال تعامله مع النص، لكنه يجعل الحكم لما صح سنده، فهو أثري، لا يقبل التفسير بالرأي.

لكن محمد الفاضل بن عاشور يرى أن تفسير الطبري يعد تفسيرا علميا، يرجح فيه عمل النظر ويتوسع إلى درجة يصعب معها وصفه بأنه تفسير أثري النهج، فهو “في كثير من صور انتقاده للأحاديث المسندة قوي الاعتماد على الفقه وملاءمة الأمصار من الأقوال، فكثير ما يرد حديثا في تأويل آية بأنه خلاف ما تقرر عند الفقهاء من الحكم… وبهذه الطريقة أصبح تفسير الطبري يغلب عليه جانب الأنظار على جانب الآثار…”.

ويرى ابن عاشور أن “الذين يعتبرون الطبري تفسيرا أثريا، أو من صنف التفسير بالمأثور إنما يقتصرون على النظر إلى ظاهره بما فيه من كثرة الحديث والإسناد، ولا يتدبرون في طريقته وغايته التي يصرح بها من إيراد تلك الأسانيد المصنفة المرتبة الممحصة”.

وقد تعجب ابن عاشور من ابن خلدون الذي اعتبر الطبري مجرد مدوِّن للآثار المنقولة مثله مثل الواقدي والثعالبي، ورأى مفتي الديار التونسية أن السبب في ذلك “قد يرجع إلى أن تفسير الطبري كان مفقودا أو في حكم المفقود حتى ظهر للناس مطبوعا محققا من عدة عقود، بعد أن تعاون على إخراجه العالمان المحققان الأخوان محمود وأحمد شاكر، فجاء في حسن عرضه، ودقة ضبطه، وترتيب مفاصله، وتحقيق معانيه، وتخريج أحاديثه، واستيعاب فهارسه آية للسائلين”.

ومن اللافت أن محمود شاكر أشار إلى موقف الطبري من المرويات التي حشدها في تفسيره، مؤكدا أنه لم يجعلها حكما على كتاب الله، ولا مرجعا لفهم آيات القرآن، وقد نص “شاكر” على ذلك في مقدمة تحقيقه، فقال بعبارة قاطعة: “أحببتُ أن أكشف عن طريقة الطبري في الاستدلال بهذه الرواياتِ روايةً روايةً، وأبيّن كيف أخطأ الناسُ في فهم مقصده، وأنّه لم يَجْعل هذه الروايات قطُّ مهيمنةً على كتاب الله الذي لاَ يأتيه الباطل من يديه ولا من خلفه، وأحببتُ أن أبيّن عند كُلِّ روايةٍ مقالة الطبريّ في إِسنادِها، وأنه إسنادٌ لاَ تقوم به حُجَّةٌ في دين الله، ولا في تفسير كتابه”.

ومثل كتاب دلائل الإعجاز للإمام عبد القاهر الجرجاني (400 -471 هــ) نقلة نوعية كبرى في طرائق فهم النص القرآني، مما كان له أكبر الأثر على مسيرة التفسير، وفتح أبوابا واسعة لإدراك آثار التركيب البلاغي على المعاني، من خلال أمثلة مختارة، من مواضع مختلقة من القرآن.

أرجع عبد القاهر إعجاز القرآن إلى حسن النظم، وجمال التركيب، ورفض أن يكون الإعجاز مبنيا على “اللفظ”، فليس للفظ فضل على لفظ، وليست كلمة أفصح من أخرى، بل إنه رفض أن يكون الإعجاز في المعاني، وإنما يأتي الإعجاز في الطريقة التي يعبر بها القرآن عن المعنى المراد، من خلال تركيب العبارات، وفق “نظم” مخصوص، يختل المعنى باختلاله.

الدكتور محمود شاكر
الدكتور محمود شاكر

وفي تحقيقه للكتاب، رأى العلامة محمود شاكر أن الجرجاني متدفقا بأفكاره في شيء من العجلة والتوالي، وأرجع ذلك إلى أن صاحب الدلائل أراد أن يرد على المعتزلي الكبير القاضي أبي الحسن عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار، الفقيه الشافعي المتكلم، الذى رأى أن جزالة الألفاظ لها اعتبارها، وأن الإعجاز يأتي بألفاظ دون أخرى مع الضم على طريقة مخصوصة.

ساق الجرجاني حشدا من الأمثلة البيانية، التي توضح الفروق بين دلالات التراكيب، وتظهر ما للقرآن من مزية على سائر كلام العرب، سواء بالتقديم والتأخير، أو الكناية والاستعارة، أو النفي والحذف، أو التعريف والتنكير، أو الفصل والوصل، أو في اللفظ الواحد يأتي مقبولا ومكروها… وغيرها من أبواب الكتاب.

وبالرغم من أن الإمام أبو القاسم محمود بن عمرو بن أحمد الزمخشري (467 ـ 538هـ، 1074 ـ 1143م) بنى كتابه “الكشاف” على ما يؤيد الفكر الاعتزالي، وأصوله الخمسة: التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبالرغم من كيله النقد والسباب لأهل السنة، فإنهم عرفوا للكتاب قدره، واهتموا به اهتمامًا بالغًا، ونقدوا ما فيه من انحياز اعتزالي دون أن يحرموا الثقافة السنية مما فيه من فوائد علمية لا تطلب بهذا المستوى من كتاب آخر.

وقد وضع العلامة المصري السكندري ناصر الدين ابن المنير المالكي كتابًا في نقد تفسير الزمخشري سماه “الانتصاف” بيّن فيه ما في الكشاف من دعاوى اعتقادية، وتعسف في تخريج الكلام بما يوافق مذهب المعتزلة، مع الإقرار بتفوق الزمخشري في ميدان البلاغة، وإظهاره روائع البيان القرآني على نحو غير مسبوق.

وعن الزمخشري، يقول مفتي تونس، محمد الفاضل بن عاشور: “أصبح كتابه عمدة الناس على اختلافهم، بين مشايع له ومخالف، وعلى وفرة مخالفيه، وانقطاع مشايعيه، يرجعون إليه على أنه نسيج وحده في طريقته البلاغية الإعجازية، وفي غوصه على دقائق المعاني وحسن إبرازها على طريقة علمية سائغة بتحليل التركيب، وإبراز خصائصه واعتباراته… وهكذا انقرض المذهب الاعتزالي واندرج الزمخشري وأهل فرقته في البائدين، واحتل الكتاب مكانه الذي هو أهل له مشاعًا بين أهل القرآن”.

“المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز”

ويعد كتاب الإمام أبو محمد عبد الحقّ بن غالب بن عبد الرحمن، الشهير بابن عطيّة المُحَارِبِيّ الغرناطي المالكي في التفسير المعروف باسم “المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز” محطة هامة في مسيرة تفسير القرآن الكريم، حيث تميز بسمات أهمها الاهتمام بالقرآن ووجوه البلاغة، مما جعله أقرب تفاسير أهل السنة لكتاب الزمخشري المعتزلي، إلى درجة أن ذكره يستدعي دائما حالة من المقارنة بين الكتابين.

وقد توقف الشيخ محمد الفاضل بن عاشور مع هذه المقارنة، فرأى أن التمايز بين التفسيرين الشهيرين يأتي من ثلاث جهات: فمن حيث الموطن: فابن عطية مغربي والزمخشري مشرقي، ومن حيث المعتقد فالأول سني والثاني معتزلي، ومن حيث المذهب الفقهي، فصاحب الوجيز مالكي ووصاحب الكشاف حنفي.

تفسير - المحرر الوجيز
تفسير – المحرر الوجيز

ولا ريب أن المذهب الفقهي، ظهر أثره في الكتاب، لا سيما في استنباط الأحكام، والاستدلال لها بين المذهبين المالكي والحنفي، وما يتبع ذلك من اختلاف في المادة الفقهية، ومناهج الاستدلال وطرائق الاجتهاد، وأيضا اختلاف المراجع والمصادر التي ينقل عنها المفسران.

وبسبب المذهب الاعتقادي، ركز ابن عطية على الانتصار لآراء أهل السنة، لا سيما في الآيات التي اشتهر فيها الخلاف مع المعتزلة، ويرى ابن عاشور أن ابن عطية تميز في تبنيه لآراء أهل السنة بقوة الحجة، وغلبة المنتصر، وتجنب الأسلوب الدفاعي.

ومن المؤكد أن تفسير ابن عطية يلقى قدرا من القبول لدى التيارات السلفية، إذا ما قورن بتفسير الزمخشري، لكن يظل هذا القبول محدودا، فبالرغم من أن ابن عطية أشعري العقيدة، يثبت الرؤية في الآخرة، والشفاعة للعصاة، ويقول بعدم خلود صاحب الكبيرة في النار، إلا أنه يرى أن الآيات التي تتحدث عن “يد الله” أو عينه أو وجهه أو استوائه على العرش، أو عن وجوده في مكان معين، يجب أن تفهم وفق اللسان العربي، وقوانين المجاز، وهو موقف لا يقبله الحنابلة والسلفيون، إلى درجة أن ابن تيمية ورغم ترجيحه لتفسير ابن عطية على الزمخشري وصفه بأنه “لا يخلو من بدعة”!

انتصف القرن السادس الهجري، لكن المعركة بين الأشعرية والمعتزلة مازالت تلقي بظلالها على الحياة الفكرية في ربوع العالم الإسلامي، فكان لها الأثر الأكبر على تفسير “مفاتيح الغيب” لمحمد بن عمر بن الحسن بن الحسين بن علي التيمي البكري الرازي الطبرستاني.. و”الرازي” نسبة إلى مدينة الري التي تقع قريبا من العاصمة الإيرانية، وهي نسبة سماعية على غير قياس.

يكاد تفسير الرازي أن يكون كله مواجهة لأفكار المعتزلة وأصحاب الاتجاهات الفلسفية، ينتصر فيه صاحبه لموقف أبي حامد الغزالي، ومبادئ العقيدة الأشعرية، وفي سبيل هذه المواجهة حوى التفسير ألوانا من الردود لنصرة ما يعتبره المؤلف “طريقة القرآن” على الفلاسفة وأصحاب الرأي، موظفا درايته الكبيرة في علم الكلام، وقوته في علوم الحديث والعربية، فأكثر من الجدل والمناظرة إلى درجة دفعت بعض العلماء أن يقولوا إن كتاب مفاتيح الغيب ضم كل أصناف العلوم إلا التفسير، بينما قال عنه ابن خلكان “جمع فيه كل غريب وغريبة”.

اقرأ أيضًا.. تنظيم النسل والتدين المغشوش

يلقى تفسير مفاتيح الغيب حفاوة كبيرة من العلماء، وخطباء المساجد، لما يحويه من مادة ثرية، وفي المقابل، تواجهه التيارات السلفية، ومشايخ الوهابية بالصد والإعراض، باعتبار أن الرازي أشعري العقيدة، وأنه خالف أهل السنة في مسائل اعتقادية متعددة، وكالعادة، يبني الوهابيون موقفهم على ما قرره لهم ابن تيمية، الذي تصدى للرازي بالنقد والرد في كتابه “بيان تلبيس الجهمية”.

أما ابن حجر العسقلاني، فأخذ على الرازي توسعه في إيراد شبهة الخصم، مع تقاصره في الرد عليها، فقال في “لسان الميزان”: وكان يعاب بإيراد الشبهة الشديدة، ويقصر في حلها، حتى قال بعض المغاربة: يورد الشبهة نقدا ويحلها نسيئة.. وقال أيضا: “يورد شبهات المخالفين في المذهب والدين على غاية ما يكون من التحقيق، ثم يورد مذهب أهل السنة على غاية من الوهاء”.

مع دخول النصف الثاني من القرن السابع الهجري، برز نجم الإمام ناصر الدين أبو سعيد عبد الله بن عمر البيضاوي الشيرازي الشافعي، صاحب التفسير المشهور “أنوار التنزيل وأسرار التأويل”، أحد أهم التفاسير التي حظيت بقبول جمهور أهل السنة، لما حواه من فنون ضمت كثيرا من فضائل تفاسير أخرى، فحظي بالاهتمام والشرح والتدريس في معاهد العلم الديني من أقصى الهند إلى المغرب الأقصى، وعلى رأسها الأزهر في مصر والزيتونة في تونس لقرون عدة.

جمع تفسير البيضاوي بين محاسن الزمخشري في كشافه والرازي في مفاتيحه، وتخلص إلى حد كبير مما يعاب على الكتابين الجليلين، فأظهر ما في الكشاف من فوائد بيانية بأسلوب واضح قريب، مع تخليصه من النزعات الاعتزالية، بينما أفاد تقريرات الرازي المسهبة ضبطا واختصارا ورشاقة تعبير، فقرب البعيد، وسهل الصعب، وأصبح كتابه مقصد الدارسين والباحثين يجدون فيه ما يفتقدونه في غيره.

وكان ظهور تفسير البيضاوي سببا في انتشار كشاف الزمخشري، الذي كان يتهيبه طلاب العلم لما يحوي من نزعات اعتزالية، فكان يتنازعهم تجاهه موقفا القبول والإعراض، والميل والهجران، فلما جاء البيضاوي وتلقاه طلاب التفسير بالقبول والاطمئنان، رأى كثير من أئمة هذا الفن أن الفهم الكامل للبيضاوي لا يتم إلا بتحصيل نكت الزمخشري البيانية، فأقبلوا على الكشاف درسا وتحصيلا، فأصبحت دراسة البيضاوي طريقا لدراسة الكشاف، الذي لم تتوفر له حواش إلا في القرن الثامن وما بعده.

تفسير البيضاوي
تفسير البيضاوي

ولعل الدليل الأكبر على اهتمام العلماء بتفسير البيضاوي يتمثل في الحواشي المتعددة التي وضعت عليه، ومن أهمها: حاشية المحقق عبد الحكيم السيالكوتي، وحاشية العلامة المصري الأزهري شهاب الدين الخفاجي، وحاشية أبي بكر بن الصائغ الحنبلي، وحاشية محمد بن قرة الخسرواني، وحاشية محمد بن محمد القاهري الشافعي، وحاشية الصديقي الخطيب المعروف بالكزاروني، وهي من أهم حواشي البيضاوي.. وقد عد صاحب كشف الظنون من الحواشي والشروح على البيضاوي ما يقارب الخمسين.

“أبوعبدالله الورغمي” وإسهاماته في التفسير

مع منتصف القرن الثامن الهجري، برز في بلاد المغرب نجم جديد هو أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد بن عرفة الورغمي، المالكي مذهبا، الأشعري اعتقادا، إمام جامع الزيتونة بتونس وخطيبه، برع في الفقه وأصوله والكلام والقراءات، وانتهت إليه الفتيا في بلاد المغرب كلها، واعتبره السيوطي مجدد قرنه، وقد علا شأنه في التفسير الذي ألقاه على تلامذته، ودوّنه عنه ثلاثة من أبرز أصحابه، أولهم تونسي، هو الشيخ محمد الأبي، وثانيهم جزائري هو الشيخ أحمد البسيلي، وثالثهم مغربي هو الشيخ أبو القاسم السلاوي.

اعتمد ابن عرفة في دروسه على تفسير ابن عطية، مع اقتراب من كشاف الزمخشري، فكانت تقرأ الآية في مجلسه، ثم يبدأ في تناول معناها بتحليل تركيبها اللغوي، وإيراد كلام أئمة اللغة حول معاني مفرداتها، ويسوق مع تقريراته الشواهد الشعرية والحديثية، ويرد ما يراه تأويلا غير مقبول، أو معنى لا يستساغ.

 ويبين الفاضل ابن عاشور طريقة ابن عرفة في دروس تفسيره قائلا: “كان يفتح المجال للبحث والسؤال، وكثيرا ما يعتبر سؤال واحد من طلبته مثارا لبيان عنصر من عناصر الموضوع ما كان ملتفتا إلى إثارته قبل ذلك السؤال، وهو شديد الاهتمام بأن ينتزع من الآيات ما هو من سياقها أو ليس منه بما يرجع إلى الأحكام التكليفية، من مسائل الأصول والفقه، وإيراد ما يتعلق بها من الأنظار ومناقشتها.. وعلى هذه الطريقة تكون من درس ابن عرفة تفسير نفيس: حي المباحث، مستقل الأنظار، متين المباني، غزير الفوائد”.

نال ابن عرفة مكانة كبيرة، وشهرة واسعة بين العلماء وطلاب العلم، وهو من أكثر المفسرين تلاميذ، فقد أخذ عنه عشرات من الأئمة في بلاد المغرب، كما عرف في مصر التي مر بها خلال رحلته لأداء فريضة الحج.

 وعن ابن عرفة يقول تلميذه ولي الله الثعالبي: “أجمع الناس من المغرب إلى الديار المصرية على فضله لا أعلم نظيره في وقته”، بينما يصفه تلميذه التنسي برئيس علماء المغرب على الإطلاق.

هيثم أبوزيد

كاتب مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى