زوايا

الكعب العالي.. سر الأنثى وسلاح الرجل المسلوب

الكعب العالي أو أحذية الـ”High heels”.. ربما تحيلك الجملة السابقة إلى تصنيف طبقي أو لمحة من ملامح الأنوثة الطاغية، هكذا صارت أيقونة وأكسسوار للمرأة في أزمنة ومجتمعات مختلفة.

وبالعودة إلى الوراء في الزمن، نكتشف كيف أثر الكعب العالي بدرجة ما في الظروف المحيطة، بقدرته على أن يكون عابرًا للطبقة والجندر.

الكعب العالي حذاءُ رجالي أصلًا

كان أول من ارتدى الكعب العالي الرجال وليس النساء، ولم يكن غرض ارتدائه في البداية متعلقًا بالموضة، وإنما بالحرب، كما لم تظهر أحذية الكعب العالي أول مرة في الغرب، وإنما في بلاد فارس، حيث اكتشف المحاربون الخيالة أن الكعب العالي مفيد لتثبيت أقدامهم أثناء تصويب السهام وهم يمتطون الأحصنة، ويُرجح أن ذلك كان أول الأمر في القرن العاشر الميلادي.

أظهرت آثار، عثر عليها في نيسابور بإيران، رسومات لجنود ينتعلون أحذية الكعب العالي، تعود لآثار الدولة السامانية التي حكمت بلاد فارس ما بين القرنين التاسع والعاشر الميلادي.

ثم تجاوز الكعب العالي البعد الوظيفي الخاص بالحرب، ليكتسب رمزية أخرى دلالةً على القوة والمال، فكان المحاربون يرتدونه سواء على ظهور الخيول أم على الأرض، وكان الغرض إظهارهم أطول قامة فأكثر هيبة، وكان من المعتاد أن يرتدي الجنود أحذية تصل كعوبها إلى بوصة (2.54 سنتيمتر).

وفي كتاب “موسى” للشاعر اليهودي الفارسي مولانا شاهين الشيرازي، لوحة تجسد قصة التقاط موسى طفلًا في سلة طافية على النيل، وتُظهر اللوحة الجنود يرتدون أحذية الكعب العالي، فيما يبدو تأثرًا من واضع الكتاب برمزيات الوضع الاجتماعي في بلاد فارس وقت وضع الكتاب.

أخيرًا، وفي القرن السابع عشر، شق الكعب العالي طريقه نحو أوروبا، عبر الوفود الفارسية، وكانت البداية حين أرسلت الدولة الصفوية أولى بعثات حربية لأوروبا في خضم حروبها مع الدولة العثمانية، وكان الشاه عباس الأول حريصًا على إقامة روابط وثيقة بالأوروبيين، فأرسل في دعم ممالكها في حروبها مع العثمانيين، وقد عرفت دولته بامتلاكها أحد أكبر أسلحة الفرسان في العالم.

وهكذا جلب جنود الدولة الصفوية/الفرس، أحذية الكعب العالي لأوروبا التي يبدو أنها كانت مفتونة بالفنون والآداب الفارسية، فاستطاع الكعب العالي، بسهولة، أن يفسح لنفسه مجالًا في أزياء نبلاء أوروبا، رمزًا للقوة الذكورية، والثروة.

ثم حين شاع استخدام أحذية الكعب العالي في أوروبا حتى بين أبناء الطبقات الاجتماعية الأدنى، عمد الأرستقراط إلى زيادة طول الكعب بشكل كبير، حكرًا عليهم، لصعوبة ارتداء كعب عالٍ في أعمال مرهقة من التي امتهنها أبناء الطبقات الأدنى.

وقد وثق كل من هيرونيموس فرانكن الثاني وجان بروجيل الأكبر، شيوع موضة أحذية الكعب العالي بين نبلاء أوروبا في لوحة لإيزابيلا يوجينيا، حاكمة هولندا وقت الاحتلال الإسباني، مع زوجها ألبرت السابع، تظهر اللوحة الرجال يرتدون أحذية بكعوب عالية، في حين تغطي النساء أقدامهن بالملابس الطويلة الفضفاضة.

وتظهر لوحات لملك إنجلترا تشارلز الأول مرتديًا العكب العالي، ومن بعده خلفه تشارلز الثاني، لكن أكثر الملوك الذين صوروا بأحذية الكعب العالي، كان الفرنسي لويس الرابع عشر.

ويُرجح أن سبب حرصه على ارتداء الكعب العالي، كان قصر قامته، وقد أصدر لذلك مرسومًا يقضي باقتصار ارتداء الكعب العالي على النبلاء، وألا يتجاوز طول الكعب خمس بوصات، وهو أطول كعب كان لديه هو نفسه.

التنوير يخلص الرجال من البهرجة والكعب العالي

ومع حركة التنوير التي سادت أوروبا في القرن الـ18، تخلص الرجال شيئًا فشيئًا من مظاهر البهرجة، ومن الكعب العالي.

بدأت الحركة الفكرية بأطروحات تصور الرجال المتنورين، عقلانيون وعمليون، في مقابل المرأة الأكثر عاطفية؛ هكذا تسرب الكعب العالي من أحذية الرجال لأحذية النساء، حتى تخلى رجال الأرستقراط تمامًا عن الكعب العالي في منتصف القرن الـ18.

مع الثورة الفرنسية، في أواخر القرن الـ18، اندثرت موضة الكعب العالي حتى بين النساء بالقضاء على الأرستقراطية، قبل أن ينعشها العهد الفيكتوري، كموضة حصرية على النساء، ساهمت في رواجها اختراع ماكينات الخياطة، التي كانت سببًا أيضًا في إتاحة موضة الكعب العالي للنساء من مختلف الفئات والطبقات الاجتماعية.

ثم عززت آلات التصوير الفوتوغرافي من رواج الكعب العالي، عبر البطاقات البريدية المصورة في فرنسا، حيث نساء عاريات أو شبه عاريات كتماثيل كلاسيكية، لكن يرتيدن أحذية بكعوب عالية، ليصبح الكعب العالي مرادفًا للإثارة.

كما عززت الملصقات الدعائية في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، فكرة أن الكعب رمز للإثارة، حتى شاع تعليق الجنود في الحرب العالمية الثانية صورًا لنساء يرتدين كعوبًا عالية.

كعوب أعلى وأنحف

حتى ذلك الحين، كان الكعب عريضًا، بطول لا يتخطى عادة البوصتين مع استثناءات نادرة، لكن في مطلع خمسينيات القرن الماضي، صمم الفرنسي روجر فيفييه، حذاءً بكعب أعلى وأنحف، عرف باسم الخنجر أو “stiletto”.

ورغم أن بداية الكعب العالي كانت مع الرجال تعبيرًا عن القوة والثروة، أصبحت مخصصة للنساء تعبيرًا على الأناقة والإثارة، لكن ذلك لا يعني هجر الرجال للكعب العالي تمامًا، فبقيت أنواع من أحذية الكعب العالي مخصصة للرجال عرفت بـ”بوت تشيلسي”، ظهرت في القرن الـ19، كانت مصممة برقبة طويلة، وكعب عريض، وعادة ما كانت تصنع في تشيلسي بإنجلترا.

ثم في ستينيات القرن الماضي، أحيت فرقة موسيقى الروك البريطانية “بيتلز”، موضة الكعب العالي للرجال، لتتطور من بوت تشيلسي إلى ما عرف بالكعب الكوبي. وكانت أنماطًا من الأحذية يرتديها الرجال كما النساء.

خفتت الموضة بين الرجال على مدار العقود التالية، وبقيت في لحظات استثنائية، كما فعل مغني الروك ديفيد بوي، ليظهر في عدد من الحفلات مرتديًا أحذية بكعب عالٍ في محاولة منه لكسر حدود الموضة والأزياء بين الجنسين. ويبدو أنه لم ينجح في ذلك

عمر علاء

صحفي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى