رحلتي مع المرض النفسي: أقص عليكم هَوْلَ ما جرى

علي شاهين

منذ السابعة من عمري وجميع من في العائلة يتساءل: ما الذى أصاب هذا الطفل هو وأمه؟ دائمًا في شجار، وأصواتهم لا تَبُحْ، والبيت صار ساحة للنزاع والبكاء والشتم المتبادل بيني وبين أمي. والنصح لا يَردع والزجر لا ينفع، حتى وصل الأمر بالعائلة إلى أن طلبوا من أمي أن تُودعني إحدى المدارس الداخلية، فعليّ كأبيه ـرحمه اللهـ شديد العصبية والغضب، ولا يعرف غير العناد والمشاجرة.

كانت طفولتي مروّعة. تخيل برميل بارود بجوار برميل من البنزين تحت سقف مصنع كبريت، كيف سيكون المآل؟ انفجارات وانفجارات وانفجارات؛ تلك كانت طفولتي. لأنها طفولة طفل اجتمع فيه مِزاج والده المزاج المنطلق Hyperthymic  ومرض والدته طيف الاضطراب الوجداني ثنائي القطب ـ pibolar spectra بالإضافة إلى أن والدته أيضًا أُصيبت بمتلازمة تململ الساقين عقب سماع خبر وفاة أبو طفلها، والذى ذهب إلى القبر تاركًا إيايّ وقد مكثت على الأرض 6 أشهر فقط.

فالأم -بسبب علّتها النفسية والجسدية- سريعة الغضب متقلبة المزاج، والابن مريض بنفس العلّة النفسية؛ عنيف في غضبه متقلب المزاج. لك أن تتصور كيف كان يمر اليوم؟

وطوال طفولتي حتى دخولى الصف الثاني الثانوي كُنت قد خاصمت ما يقارب ثلاثة أرباع العائلة. فالجميع بسبب تقلباتي اصابهم منى ضرر بالغ في المشاعر والسلوك، بالإضافة كذلك إلى تدنّي مستواى الدراسي بسبب التشتت الذهني المصاحب لنوبات الهوس وطاقة المزاج المنطلق التي تأبى إلا أن تترك الكتاب والقلم، والملازم –أيضًا- للانهباط (التسمية الصحيحة والدقيقة للاكتئاب). فلم أكن سوى تلميذ فاشل، وصل به فشله إلى أن مُدرسة اللغة العربية في المرحلة الابتدائية على ما أتذكر نصحت أمي بأن تُخرجني من الدراسة لأن “ابنك قدراته محدودة، والأفضل أن تُخرجيه من المدرسة”. لكنها -ولله الحمد- لم تفعل.

خلال نوبة هوس خفيفة!

فى الصف الثاني الثانوي، أي في أواخر عام 2006 وفي أثناء نوبة الهوس الخفيفة؛ تشاجرت مع زميلي بالفصل، فضربني في قدمي ما أحدث شرخًا في عظم القدم وكسرًا في المزاج أفضى إلى انهباط غلب على حياتي منذ ذلك العام وحتى عام 2012.

فى تلك الأعوام كانت حياتي مزيجا من أعراض الانهباط: نوم يغلب عليه الزيادة بكثرة، كسل، رغبة في الموت وبُغض للحياة، إرهاق متواصل وانعدام الهدف، وشهية إما زائدة على الحد وإما متجاوزة كل حد، وتفكير ترابطُه في قوة خيوط العنكبوت، وكل شيء لا يستحيل إلى أسود ولكن إلى عدم.

خلال تلك العدمية الكاسحة، كان يتولى مُداواتي “طبيب العائلة” الذيّ شخصّني بالانهباط، وراح يُمطرني وينزل عليّ بمضاداته ليرفعني إلى ضده، ولم يكن يعلم بأن ضده هو الهوس. والهوس شعور ممتع لأقصى مدى. إنه –باختصار- أن تكون إله على الأرض. طاقة تجاوزت الإعجاب إلى كل العجب العُجاب. مرح وانطلاق وحركة متواصلة كأن ماردًا قد خرج من قمقمه، لا تحتاج إلى النوم إلا لبضع ساعات، والقدرة على اتخاذ زمام المبادرة والتنفيذ مذهلة. وحدث ولا حرج على إلقاء الدعابات والثرثرة والطاقة الجنسية التي لا تهدأ، والشهية المفتوحة، وتبزير المال لشراء ما تحتاج إليه وما لا يحتاج إليك، ولكنك بحاجة إلى “المزيد” من كل شي، لإن الهوس لا يريد سوى “المزيد” من الحياة.

لا عجب أن تسوء الأمور في النوم والشهية والتركيز، وتزداد تقلباتي المزاجية بوتيرة سريعة حتى قررت في فبراير/ شباط من عام 2012 الذهاب إلى الطبيب النفسي الذي قرأت اسمه بالمصادفة على لافتة تُعلن أنه خِرّيج جامعة لندن.

من هنا بدأت واحدة من أهم رحلات حياتي على الإطلاق، لأنه في الجلسة الثالثة تقريبًا أخبرني طبيبي بطبيعة مرضي (طيف الاضطراب الوجداني ثنائي القطب).

والطيف أخَفّ في أعراضه وأكثر قابلية للشفاء وإن كان أصعب في علاجه من الاضطراب نفسه. وبعد ثمان سنوات أخبرني بمزاجي الثابت الأصلي الذى دخل عليه المرض (المزاج المنطلق). وخلال تلك السنوات عانيت أشد المعاناة من تجاهل الأقارب لمحنتي. من عدم اقتناع العائلة بالمرض النفسي. من إصرار أمي على إحضار شيخ للرقية الشرعية. ولكنهم لم يتركوني وشأني في النهاية لأني أفحمتهم، بل ليأسهم من إقناعي.

قصص يشيب لها الولدان

نفس الأمر والمشكلة التي واجهتها مع العائلة سمعتها عشرات المرات من المرضى الذين احتككت بهم حين انشأت “جروب الاضطراب الوجداني ثنائي القطب” في 2015. سمعت وقائع يشيب لهولها الوليد. مرضى يُضرَبون لأنهم تجرؤوا على الذهاب إلى الطبيب دون علم الأهل، وآخرين ضربوا لأنهم تناولوا العلاج، وعائلة تشعر بالعار لأن ابنتهم تتداوى عند طبيب نفسي، وزوج يُطلق زوجته التي -في نوبة ذهان- توهّمت أنها حُبلى من غيره، وآخر يُغير دينه نكاية في عائلته التي ترفض الاعتراف بالداء والدواء النفسي.

قصص لا تستوعبها حتى أكثر مخيلات الشعراء الرومانتيكيين تطرفًا، مزيج مرعب من سوداوية سيوران ورعب كافكا. فالوطن العربي غارق في الجهل بالمرض النفسي. وللأسف المعرفة بعلم النفس والمرض النفسي لا تأتي في الغالب الأعم إلا من صُناع السينما والفن.

هو نفسه الفن الذي صوّر جلسات العلاج بالصدمات الكهربائية كأداة من عصور محاكم التفتيش! في حين أنه في الحقيقة لا يوجد أي ألم في جلسات الكهرباء الاثنتي عشرة التي أخذتها (المخ لا يستطيع تحمُّل أكثر من اثنتي عشرة جلسة)، لأن المريض ببساطة مُخدّر ونائم فلا يشعر بشيء، والجلسة لا تزيد على 5 دقائق، والموضوع بسيط.

الخلاصة: بعد رحلة 3 سنوات مع الدواء وفشله في تحطيم أسوار الانهباط، قرر طبيبي أن آخذ تلك الجلسات. في الحقيقة لقد جاءت الجلسات في اثنتي عشرة جلسة بنتائج لم تأت بها الأدوية في 3 سنوات. كانت نتائجها ساحقة، ولم تُخلّف وراءها غير آلام الوحدة، فقد ذهبت وحيدًا، والعائلة لم تكترث للأمر، وكان أسوأ ما في الأمر هلعي من الإبرة (فوبيا الحقن) تسببت في اضطراب التنفس والشعور بالإغماء إلخ. فكان الأمر شديد الألم على النفس.

بكيت من قسوة العلاج. فحتى بعد الانتهاء من الجلسات واصلت أخذ الدواء. والدواء بشع بكل ما تحمل الكلمة من معنى. هو يفعل بالمريض ما فعله المغول في بغداد. له أعراض جانبية يُجانبها الصواب، وهي مريعة. تستمر لمدة أسبوعين تقريبًا حتى يؤتي العلاج ثماره، كأنه يعاقبك على تناولك إياه!

بسببه نِمتُ في حمامات العمل، وعلى الرصيف، وفى المقاهي، وعلى المكتب. فُتحت شهيتي وسَمِنت أكثر من 3 مرات. تشتَتَ ذهني من الدواء فأضعتُ ملفات في غاية الأهمية والخطورة كشهادات التجنيد والميلاد والمؤهل الدراسي.

الحشيش ليس حلاً!

وهربًا من كل هذا توجهت لشُرب الحشيش لعلي أجدُ راحة من عِلّتي، لكن أدويتي كانت له بالمرصاد (كنت آخذ مُضادات ذهان فأبطِل مفعول الحشيش). تجرعت الكحوليات عسى أن أنتشى، فلا كانت السكرة ولا جاءت أيُ فكرة. فالعلاج كان بالمرصاد لكل متعة مشروعة وغير مشروعة. بل إنني بكيت كما لم أبكِ من قبل على ضعف الانتصاب وسرعة القذف بسبب العلاج حين كُنتُ أستمني، وتخيّلت حالى لو كنتُ متزوجًا وكيف ستكون وقتها الحال، وحالي أمام زوجتي. بكيتُ بحرقة ومرارة كما لم أفعل من قبل.

ربما كان الأمر أكثر رحمة ورأفة نوعًا ما حين انخرطت بمفردي ودون مساعدة من أي مُعالج في العلاج المعرفي السلوكي، عقب قراءتي لكتاب “الأفكار والمشاعر” في عام 2016، وقررت حينها إغلاق حسابي على فيس بوك للعكوف على “جهاد النفس” والوقوف على أحوال تقلباتي. فكرة هذا النوع من العلاج ببساطة: غيِّر من أفكارك تتغير أفعالك، تتغير حياتك.

من هنا بدأت في تنفيذ خطوات الكتاب. فتحررت من فوبيا الحقن، والتشتت الذي كان يلازمني في انخفاض وارتفاع المزاج، وذلك عبر تقنياته كاليوجا وتمارين التنفس والاسترخاء. وبفضله طوّرت تكنيكات جديدة في التعامل مع العلاج والمرض والتقلبات ومواجهة مشكلات الحياة والعمل، ويعود جزء كبير من إلهامي للمرضى بسبب أدوات هذا النوع من العلاج، والتي حَرصتُ على التوعية بها ونشرها بين المرضى في جروبي.

الاضطراب ثنائي القطب مرض لا شفاء منه، والتعايش معه أمر صعب. يأخذ منك أشياء تُقدر غالية، ويمنحك أشياء لا تُقدر بثمن. بحكم خصوصية المرض النفسي فهو يُجبر صاحبه على جهاد النفس حتى بعد تجاوز أزمة الأعراض الفسيولوجية، فيزرع الثقة بالنفس، الصبر، والمرونة، إلخ.

بالفعل رسالة نيتشه إلى صديقه تصلح أيضًا كرسالة لمرضي الذي أدين له بالكثير من الخيرات والخصائل الذهبية: … ولتكن كل التجارب مفيدة، وكل الأيام مقدسة، وكل الأشخاص رائعون.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram