دراسات وتحليلات

ردع منخفض التكلفة: لماذا تنشر إيران صواريخها خارج حدودها؟

منذ قيام الثورة الإيرانية عام 1979، وجدت طهران نفسها في بيئة دولية وإقليمية ضاغطة، فبين عداوة تجذرت سريعًا مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وحرب استمرت لثماني سنوات مع العراق، وأخيرًا التمايز العرقي والمذهبي عن جوارها العربي، ما جعلها دائما في موضع الخصم، لا سيّما في ظل حرص النظام الجديد في إيران على تصدير الثورة الإسلامية الشيعية لجوارها الإقليمي.

إزاء تلك الأجواء الضاغطة لم تجد إيران بدًا من السعي لامتلاك قدرات للردع تتناسب مع امكانياتها المحدودة، وتقف حائلًا أمام انزلاق خصومها الكثُر إلى حرب مباشرة معها؛ وقد وجدت طهران ضالتها في الصواريخ الباليستية، وقذائف المدفعية الثقيلة كأداة فعالة وغير مُكلفة اقتصاديًا للحفاظ على “الردع منخفض التكلفة” مقابل خصومها المحتملين؛ وسرعان ما وطّنت طهران قدرات تصنيع محلية لتلك الصواريخ، وداومت على تطويرها بزيادة نطاقاتها وشحذ دقة توجيهها؛ وأضافت إلى ترسانتها في وقت لاحق الطائرات المُسيَّرة بمختلف أنواعها وأحجامها.

الصواريخ البالستية الإيرانية
الصواريخ البالستية الإيرانية

وقد مثّل دعم الميليشيات والتنظيمات المسلحة –لا سيّما الشيعية- الوجه الآخر لعملة “الردع منخفض التكلفة” التي تبنتها إيران، فعبر دعم وتسليح الوكلاء تكون إيران أقرب إلى أعدائها. ورغم أن دعم طهران لبعض وكلائها في المنطقة يعود لبداية ثمانينيات القرن الماضي، إلا أن هذا الدعم تطوَّر مع بداية الألفية الجديدة ليشمل تزويدهم بمنظومات تسليح أكثر استراتيجية كالصواريخ باليستية، وقذائف المدفعية الثقيلة، والطائرات بدون طيار (درونز)، بالإضافة لتوطين تكنولوجيا تصنيع تلك المنظومات لدى أولئك الوكلاء.

كيف تُزوِّد طهران حلفائها الإقليميين بأسلحتها الاستراتيجية؟

تركّزت جهود نشر الأسلحة الإيرانية منذ بدايتها في حلقة محدودة من الحلفاء في الشرق الأوسط؛ يأتي على رأسهم بكل تأكيد النظام السوري، ويليه في الترتيب حزب الله اللبناني الحليف التقليدي لطهران؛ وكذلك الميليشيات الشيعية التي انتشرت في العراق بعد الإطاحة بنظام صدام حسين عام 2003، وجماعة أنصار الله اليمنية (المعروفة بجماعة الحوثي).

اقرأ أيضًا: الانتخابات الإيرانية: لماذا لم يكن فوز “رئيسي” مُفاجِئًا؟

يُضاف إلى أولئك الحلفاء الذين يجمعهم الانتماء للمذهب الشيعي باختلاف طوائفه، فصائل المقاومة الفلسطينية -سنية المذهب- وتحديدًا حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين وحركة المقاومة الإسلامية (حماس). وتجني إيران من نشر صواريخها وطائراتها المسيرة محلية الصنع العديد من المكاسب كالتالي:

  • أولًا: يضاعف هذا الانتشار من قوة إيران النسبية، ويمثل امتداد لقدرات الردع الإيرانية منخفضة التكلفة بعيدًا عن أراضيها؛ فكما قال العميد “حسن طهراني” القائد السابق لبرنامج إيران الصاروخي: “في جنوب لبنان المسافة التي تفصلنا عن تل أبيب وحيفا أقل من 150 كيلومتر، فلماذا ألجأ لضرب إسرائيل بصواريخ باهظة مداها 2000 كم“، ويساعد هذا الانتشار حلفاء إيران -الذين يواجهون أيضًا خصومًا يفوقونهم في مستوى التسليح- على مضاعفة قوتهم عبر تزويدهم بالقدرة على ضرب أهداف بعيدة عن خطوط القتال، وهو ما يقوم به الحوثيين عند استهداف منشآت نفطية وعسكرية سعودية.
  • ثانيًا: إن استخدام أولئك الوكلاء للصواريخ والمسيرات الإيرانية في عمليات حربية يعتبر أحد سبل الاختبار الميداني للأنظمة التسليحية والتكتيكات القتالية الإيرانية، فعندما يقوم الحوثيون باستهداف رادار بطاريات باتريوت المضادة للصواريخ في السعودية بطائرات مسيرة انفجارية لتمهيد الطريق لرشقة صاروخية تالية، فإن هذا بكل تأكيد يفيد التكتيكات العسكرية الإيرانية، التي ستواجه نفس الأنظمة الدفاعية حال المواجهة مع إسرائيل أو الولايات المتحدة.
  • ثالثًا: نشر المنظومات الصاروخية والمسيرات الإيرانية لدى وكلاء طهران يمكنها من توسيع دائرة الهجمات الرمادية أو غير المباشرة ضد الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين؛ وهو ما يمكّنها من إنكار مسئوليتها عن تلك الهجمات، رغم كونها إمّا المُنفِّذ أو المُخطِّط لها؛ ومن أمثلة الهجمات الرمادية: استهداف منشآت لعملاق النفط السعودي (آرامكو) في 14 سبتمبر 2019 بصواريخ كروز ومُسيِّرات انفجارية، وتبني الحوثيون للهجوم رغم تأكيد السعودية ومصادر استخباراتية غربية أن الهجوم لم يأت من اليمن وإنما من العراق أو إيران.
المرشد الإيراني علي خامنئي
المرشد الإيراني علي خامنئي

وتستخدم إيران بشكل عام أربعة استراتيجيات تُكمِّل بعضها البعض لتزويد حلفائها من غير الدول بمقذوفات المدفعية والصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة:

  1. النقل المباشر من طهران إلى أولئك الوكلاء، كما يحدث مع سوريا، ويتم هذا إمّا مباشرة أو عبر طرق التهريب المعتادة.
  2. تحديث الصواريخ ومقذوفات المدفعية الثقيلة، التي يملكها أولئك الوكلاء، عبر الخبرة الإيرانية، وهو ما يحدث مع حزب الله اللبناني والحوثيين.
  3. توطين قدرات التصنيع العسكرية لدى أولئك الحلفاء، وهذا لتفادي صعوبات نقل صواريخ أو قذائف مدفعية يسهل اعتراضها والاستيلاء عليها.
  4. تزويد وكلائها بالصواريخ والمسيرات عبر طرف ثالث يقوم نيابة عنها بنقل وتوريد المنظومات التسليحية الإيرانية، وهو ما تقوم به سوريا مع حزب الله اللبناني.

شركاء إيران الإقليميين

بطبيعة الحال يختلف حلفاء أو وكلاء إيران من حيث الطبيعة (دول أو تنظيمات)، ومدى الارتباط بطهران أو التبعية لها مقابل الاستقلال عنها، وحجم الدعم والتعاون العسكري ومستوى المنظومات التسليحية المنقولة لكل منهم؛ ولكنهم جميعا يؤدون دورًا في منظومة الردع منخفضة التكلفة كما أسلفنا، عبر تقريب إيران لخصومها وللقوات والقواعد الأمريكية في المنطقة، مما يجّنبها الدخول في مواجهة مباشرة مع أحد أولئك الخصوم، ويزيد من أوراق اللعب التي قد تستخدمها في التفاوض على ملفات أخرى كالبرنامج النووي على سبيل المثال.

  1. سوريا:

تتقدم سوريا على باقي أعضاء محور الممانعة المتحالفين مع طهران في الأقدمية، فقد ساعد البرنامج الصاروخي السوري نظيره الإيراني إبان سنواته الأولى؛ وعندما توطدت أركان البرنامج الصاروخي الإيراني وزادت قدرة طهران على تصنيع صواريخ باليستية محلية ردت تلك المساعدة لسوريا.

فوفقًا لتقارير استخباراتية غربية نُشرت عام 2001، ساعدت طهران دمشق على تصنيع صواريخ Scud-D محليًا؛ كما أنها نقلت تكنولوجيا وقدرات تصنيع بعض صواريخها المحلية إلى سوريا؛ فخلال مناورات 2012 الصاروخية للجيش السوري ظهرت صواريخ ميسلون السورية والمُستنسخة من صواريخ زلزال الإيرانية، وصواريخ “تشرين” دقيقة التوجيه والمُستنسخة من صواريخ فاتح 110 الإيرانية. وقد استخدمت سوريا تلك الصواريخ بكثافة أثناء الحرب الأهلية الدائرة في البلاد.

  1. حزب الله اللبناني:

يعتبر حزب الله اللبناني أكثر وكلاء إيران من غير الدول قربًا، وأكثرهم قدرةً وتسليحًا، ووفق تقديرات غربية فإن طهران تُقدم لحزب الله دعم وتمويل يتراوح بين 200 إلى 350 مليون دولار سنويًا، ووفقًا لتقديرات مستقلة يمتلك حزب الله ما يجاوز 150 ألف من الصواريخ الباليستية وقذائف المدفعية بمختلف أنواعها، ومن بينها العديد من الصواريخ إيرانية الصنع كصواريخ “رعد” و”فجر” و”زلزال” و”فاتح-110″، التي أعلن الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله عن حيازة الحزب لها منذ عام 2006؛ وأخيرًا صواريخ خليج فارس الباليستية المضادة للسفن.

القوة-العسكرية-لحزب-الله
القوة-العسكرية لحزب الله

اللافت للنظر هو إقدام حزب الله بمساعدة ودعم مباشر من إيران على إطلاق ما أضحى يُعرف بمشروع “الصواريخ دقيقة التوجيه” منذ بداية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، بهدف زيادة ما يمتلكه الحزب من صواريخ دقيقة التوجيه، إمّا عبر نقلها إليه مباشرةً من إيران عبر سوريا، أو عبر تحديث ما يملكه الحزب بالفعل من صواريخ، بتنصيب أنظمة توجيه دقيقة عليها بأيادي لبنانية في ورش محلية تحت اشراف إيران، التي تزوِّد الحزب بالأجزاء المعقدة، والتي لا يمكن تصنيعها في الداخل اللبناني لاستكمال عملية التحديث.

وقد تحدثت تقارير إسرائيلية عن مواقع عدة في لبنان يستخدمها حزب الله -بمساعدة وإشراف إيران- لتحويل قذائف المدفعية الثقيلة إلى صواريخ دقيقة التوجيه.

  1. فصائل المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة:

تعتمد فصائل المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة بصورة كبيرة على إيران في تأمين مخزون من صواريخ المدفعية الثقيلة، التي اُستخدمت في جولات عدة من المواجهات مع إسرائيل كان آخرها مايو الماضي (2021).

وتتركز جهود نشر الصواريخ الإيرانية في قطاع غزة بين حركتي حماس والجهاد الإسلامي الفلسطينية؛ وفي حين أن حماس يربطها بطهران تحالف تكتيكي لا يقتضي بالضرورة وصاية إيرانية، نجد علاقة الجهاد الإسلامي بطهران أكثر قربًا.

ومع المواجهات المتكررة بين الفصائل الفلسطينية في قطاع غزة وبين إسرائيل، أثبتت الصواريخ الإيرانية نجاعتها في إلحاق الضرر بالاقتصاد الإسرائيلي، وهو ما دفع إسرائيل لتقليص عملياتها العسكرية على القطاع والقبول بوقف إطلاق النار دون تحقيق الأهداف المعلنة لتلك العمليات.

صواريخ إيران لدى حماس
صواريخ إيران لدى حماس

ووفقًا لتقديرات مستقلة فإن ترسانة صواريخ المدفعية التي تمتلكها حركتي حماس والجهاد الإسلامي تُقدر حاليًا بالآلاف، ومن بين تلك الصواريخ صاروخ “فجر 5” الذي أُستخدم في قصف تل أبيب للمرة الأولى في 2012؛ ويُضاف إلى ذلك مساعدة إيران لحركتي حماس والجهاد الإسلامي على توطين قدرات تصنيع صواريخ المدفعية الثقيلة؛ وقد أسهم هذا الدعم الإيراني في تحول المقاومة الفلسطينية من الصواريخ البدائية قصيرة المدى إلى صواريخ أكثر دقة، ونطاقات أكبر كثيرًا من الأجيال الأولى التي حصلت عليها الفصائل من إيران.

  1. الميليشيات الشيعية في العراق:

رغم دعم إيران للجماعات والحركات الشيعية العراقية منذ بداية تمكينها بعد الإطاحة بنظام البعث عام 2003، إلا أن تزويد تلك التنظيمات بصواريخ المدفعية والصواريخ الباليستية الإيرانية وغيرها من نظم التسليح الاستراتيجية لم يتأكد إلا في منتصف العقد الثاني من الألفية الجديدة.

وتشير تقارير صحفية إلى أن إيران لم تقم فقط بنقل صواريخ مدفعية وباليستية (على سبيل المثال صواريخ زلزال، وفاتح 110، وذو الفقار) إلى الميليشيات الشيعية العراقية، بل قامت كذلك بتوطين قدرات محلية لصناعة تلك الصواريخ في العراق، ودرّبت فنيين تابعين لتلك الميليشيات على استخدامها وانتاجها. وقد قامت إسرائيل أكثر من مرة باستهداف منشآت تابعة لميليشيات شيعية عراقية زعمت أنها تستخدم لإنتاج صواريخ باليستية وقذائف مدفعية.

صواريخ إيران لدى الحشد الشعبي العراقي
صواريخ إيران لدى الحشد الشعبي العراقي

 

  1. الحوثيون في اليمن:

تعتبر جماعة الحوثيين الوكيل الإيراني الأكثر كثافة في استخدام الصواريخ والمسيرات الإيرانية في عمليات حربية، وهذا لانخراطها في عمليات عسكرية ضد حكومة الرئيس هادي وأنصاره، وكذا ضد دول التحالف العربي.

ولا يخفى على أحد الدعم الإيراني للحوثيين وبرنامجهم الصاروخي، سواء عبر تهريب صواريخ مُفكَّكة يُعاد تجميعها داخل اليمن، أو عبر تطوير مخزون الحوثيين من الصواريخ وزيادة دقة توجيهها، أو عبر تدريب فنيِّين تابعين للحوثي على استراتيجيات وتكتيكات استخدام الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة.

وبالرغم من الحصار المفروض من قبل قوات التحالف العربي على اليمن، تمكنت إيران من تهريب أنواع عديدة من الصواريخ الباليستية والمسيرات الإيرانية إلى جماعة الحوثيين. وسرعان ما بدأ الحوثيون في استخدام صواريخ جديدة بنطاقات أبعد تصل إلى أقصى العمق السعودي بمسميات عدة من قبيل “بركان 2″، الذي أكد فريق خبراء الأمم المتحدة المعني باليمن كونه نسخة معدلة من صواريخ قيام الإيرانية تم تفكيكها وتهريبها وإعادة تجميعها داخل اليمن؛ وينطبق ذات الأمر على ما ظهر بعد “بركان 2” من صواريخ باليستية متوسطة المدى كصواريخ “بركان 3″ و”ذو الفقار”.

مخاطر انتشار الصواريخ والمُسيّرات الإيرانية

يبقى القول ختامًا أن إقبال إيران على تزويد وكلائها من غير الدول بتلك القدرات الصاروخية، واستخدامهم لها في المعارك، إنما يعكس استعدادًا أكبر لدى طهران لتحمل مخاطر هذا الانتشار، كما يكشف عن الصبغة الهجومية التي باتت واضحة على البرنامج الصاروخي الإيراني، على عكس طبيعته الدفاعية والردعية قبل ذلك.

وكذلك فإن وجود تلك الأسلحة الاستراتيجية شديدة التدمير والخطورة في أيدي تنظيمات مسلحة دون الدولة، يصب في زعزعة استقرار الإقليم، لا سيّما في ظل تفاوت درجة تبعية تلك التنظيمات لطهران، أو سيطرة طهران على عملياتها القتالية، وهو ما يُنبئ باحتمالية قيام إحدى تلك التنظيمات بهجمات صاروخية دون إذن إيران، التي ستتلقى اللوم على تلك الهجمات؛ وقد تجد نفسها في حرب مفتوحة مع أحد الخصوم المحتملين، إذا فقدت سيطرتها العملياتية على أولئك الوكلاء.

أحمد حمدون

مدرس مساعد العلوم السياسية جامعة القاهرة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى