قراءة في رسائل المُنتحرين

اعتذار ولوم وعتاب

“زعلانة منك يا ماما.. بس مسامحاكي” رسالة قصيرة حملت معاني كثيرة، كتبت نهاية بطلتها التي قررت التخلص من حياتها عام 2019؛ هربًا من ضغوط مارستها عليها والدتها، فقد عانت الفتاة من القهر والعنف طويلًا لينتهي الأمر بمأساة حقيقية.

القصة ذاتها تتكرر، والرسائل نفسها تُكتب عشرات المرات باختلاف الأشخاص والظروف والأسباب. رسائل تحمل عبارة أو عبارتين على الأكثر، تعبر عن معاناة “المُنتحرين”، تاركين خلفهم الحزن والألم لذويهم وأصدقائهم. وبعيدًا عن حالة الجدل التي تثيرها حوادث الانتحار بين فئات وطوائف المجتمع المُختلفة؛ إلا أن هذه الرسائل تستحق الدراسة والبحث فيما تضمنته من أفكار في محاولة للوصول إلى ما وراءها والغرض منها.

هذه الرسائل في معظمها، تحمل كلمات اعتذار مثل “سامحوني، وآسف، حاولت ولم أستطع”، فيما حملت أخرى عبارات لوم وعتاب للأهل والأصدقاء “زعلان منك يا أمي”، وأحيانًا تكون للمجتمع أو العالم الذي عصف بهم وبأحلامهم، “كم كنت قاسيًا” كما ورد في رسالة سارة حجازي.

رسالة سارة حجازي قبل الانتحار- 14 يونيو 2020

يعود الانتحار عادةً لأسباب كثيرة، أهمها الاكتئاب والفصام، وهو ما يفسر سعي المنتحرين في الغالب لترك رسائل تعبر عما بداخلهم، وتشير إلى عجز الآخرين عن فهمهم أو الإحساس بهم من قبل، ويكون “محتوى الرسالة” هو مقدار الألم الذي عايشوه، “لذا من يترك رسالة هو من عاش اضطرابات نفسية قاسية وصراعًا نفسيًّا كبيرًا، وبالتالي يجب الانتباه إلى أن الرسالة في حد ذاتها تعبر عن جدية فكرة الانتحار”، بحسب الدكتور شريف درويش، استشاري الطب النفسي المصري.

يُشير “درويش” لـ”ذات مصر” إلى أن الانتحار هو “حل نهائي لمشكلة مؤقتة” يرى الشخص وقتها أنه المخرج الوحيد لما يعيشه، موضحًا أن هذا ما يتخيله المريض وقتها، لكن ليس هو الحقيقة لأن الظروف تتغير مع استمرار الحياة.

بحسب “درويش” فإن الشخص الذي ينوي الانتحار يطلب المساعدة قبل أن ينفذ انتحاره: “غالبًا معظم المنتحرين لأسباب نفسية يذهبون للطبيب قبل شهر من الانتحار، والثلث منهم يذهبون قبل الانتحار بعشرة أيام، و60% منهم يعلنون عن عزمهم الانتحار، وهذا يتطلب فهمهم ومساعدتهم بالفعل”.

لا توجد بيانات رسمية بنسب الانتحار أو العوامل التي تؤدي إليه في مصر، ويرجع ذلك عادة إلى تصنيف بعض حالات الانتحار كحوادث عادية وشعور العائلات بالخجل من الأمر، وذلك بحسب تقرير لمنظمة الصحة العالمية صادر في عام 2019. ولعل الرقم الوحيد المتاح هو ما أعلنته المنظمة ذاتها، والتي صنفت مصر في المركز الأول عربيًّا في نسب الانتحار.

تقرير آخر تحت عنوان وقائع الانتحار في مصر، اعتمد على “مصادر حكومية” ورصد وسائل الإعلام في الفترة من (2011-2017)، صادر عن مركز “دفتر أحوال للتوثيق والأرشفة” (معهد بحثي مستقل في القاهرة) أشار إلى أن نسبة المنتحرين المصريين من الذكور تزيد أكثر من الضعف عن الإناث، وأن الطلاب هم الأكثر إقدامًا على الانتحار مقارنة بغيرهم، وهو ما يتسق مع بيانات منظمة الصحة العالمية حول اعتبار الانتحار ثاني سبب للوفاة لدى من تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عامًا.

بحسب تقرير “وقائع الانتحار” الصادر في 2018، فقد وقعت 1746 حالة انتحار في مصر خلال 7 سنوات، منها 283 واقعة شروع في الانتحار، بينما حصد عام 2017 العدد الأكبر من الوقائع بإجمالي 422 واقعة منها 62 واقعة شروع في الانتحار، يليه عام 2015 بعدد 295 واقعة منها 31 واقعة شروع في الانتحار، بينما حصد عام 2011 العدد الأقل من الوقائع بإجمالي 152 واقعة منها 40 واقعة شروع في الانتحار.

محافظة الجيزة -كما ذكر التقرير- كانت الأكثر حصادًا للوقائع بإجمالي 334 واقعة، منها 39 واقعة شروع في الانتحار، تليها محافظة القاهرة بإجمالي 230. واتضح من البحث أن بعض المحافظات الحدودية كانت الأقل في عدد الوقائع، فقد بلغ عدد الوقائع في محافظتي جنوب وشمال سيناء 5 وقائع في كل محافظة، منها واقعتا شروع في الانتحار بمحافظة جنوب سيناء، وواقعة شروع في الانتحار واحدة بمحافظة شمال سيناء.

الذكور كانوا الأكثر إقبالًا على الانتحار بإجمالي 1245 واقعة، بينما بلغ عدد وقائع الإناث 501 واقعة، والبالغون منهم هم الأكثر إقبالًا على الانتحار بإجمالي 1031 واقعة، يليهم القصّر بإجمالي 279 واقعة، يليهم المسنون بإجمالي 33 واقعة.

“تعود معظم (رسائل الانتحار) للفئات العمرية الأصغر سنًّا وتتركها النساء أكثر من الرجال”، وفق تصريحات استشاري الطب النفسي، الدكتور محمد شفيق، لموقع “ذات مصر”، موضحًا أن كبار السن (60 عامًا فيما فوق) لا يتركون أي رسائل قبل انتحارهم.

يتفق الدكتور “محمد شفيق” مع استشاري الطب النفسي الدكتور “شريف درويش”، في أن هذه الرسائل في الغالب تكون موجهة إلى الأسرة (مُمثلة في الوالدين) أو الأصدقاء، ونادرًا ما تكون موجهة لأشخاص غير مقربين. مشيرًا إلى وجود رسائل عامة للعالم أو البشر أو رسائل موجهة إلى الرب.

أجرى “ذات مصر” تحليل مضمون لعشر رسائل تركها أصحابها قبل انتحارهم خلال عامي (2018-2019)، وتم التركيز على هذه الرسائل دون غيرها، كون جميع معلوماتها المتعلقة بالمُنتحر مستوفاة (المهنة، الفئة العمرية، النطاق الجغرافي، أسباب الانتحار، وطريقة الانتحار).

وبحسب التحليل، كانت الكلمات الأكثر تأثيرًا في الرسائل هي: “سامحوني.. هخلصكوا من عاري” (فتاة عشرينية)، “سامحوني لو كنت جيت على حد.. مش هغلى على اللي خلقني” (طالب جامعي)، “سامحيني يا أمي.. مقدرتش استحمل أكتر من كده.. حاولت كتير لكن خلاص مفيش أمل” (شاب عاطل)، “أنا رايح عند ربنا علشان أشوف خالي” (طفل 11 عامًا)، “سامحيني يا أمي” (فتاة 17 عامًا)، “زعلان منك يا ماما” (طالب)، “أنا خلاص قررت الانتحار.. وسامحيني” (زوج لزوجته)، “روحي عند أهلك وخدي العيال.. سامحيني” (عامل)، “بحبك يا نورهان” (طالب جامعي)، “توكلت على الله.. ونويت الانتحار” (مدرب رياضي).

بالنظر إلى تلك الرسائل، كانت المشاكل النفسية والاجتماعية هي الدافع الأساسي للانتحار، وقد استحوذت القاهرة الكبرى على 60% من إجمالي الأعداد، وتلتها محافظة الشرقية بنسبة 20%، واحتلت الإسكندرية والمنوفية المركز الثالث بنسبة 10% لكل منهما.

بعرض تلك الرسائل على استشاري الطب النفسي الدكتور “محمد شفيق”، أشار في تحليله إلى أن معظمها قصير، وتضمن أفكارًا غير مرتبة أو واضحة نتيجة الاختلال الذي يتعرض له الشخص المُقبل على الانتحار، وأنها تعكس الأفكار المغلوطة لدى هؤلاء مثل “أنهم فاشلون” أو غير محبوبين، أو أن هناك من يريد قتلهم أو يراقبهم، أو الشعور بأن موتهم لن يكون فارقًا ولن يسبب أزمة لأحد.

“رسائل المنتحرين متنوعة لأن أسباب الانتحار ودوافعه تختلف من شخص لآخر”، يُضيف “شفيق” بأن محاولات الانتحار خلفها أنواع كثيرة من الاضطرابات النفسية، مثل: الاكتئاب، أو الاضطربات الشخصية، أو السلوكيات الإدمانية أو الفصام.

وعلى عكس ما يتصور المُنتحر عن أثر هذه الرسائل، فهي تسبب ألمًا شديدًا لمن وُجّهت إليه حتى لو كنا نلمح فيها اعتذارًا وشعورًا بالذنب تجاه من أحبوه وكانوا بجواره، أو لومًا لاحتياجه لهم، وفق تحليلات استشاري الطب النفسي، الذي أوضح أن المنتحر في الغالب يحاول نقل جزء من شعوره بالألم إلى الآخرين.

أثارت بعض رسائل الانتحار جدلًا واسعًا في الواقع الحقيقي والافتراضي أيضًا، لما حملته من كلمات مؤثرة تعبر عن تلك الحالة التي عاشها أصحابها، والتي خلقت تعاطفًا معهم بعد الرحيل. كلمات تلك الرسائل أشارت في مجملها إلى مدى معاناتهم وأفكارهم كبشر لم يتلقوا الدعم حتى وإن كانوا مختلفين في الفكر والسلوك، مثلما أحدثت رسالة “سارة حجازي”.

وفي يوليو 2016 تركت فتاة أردنية في عمر الثامنة عشرة قبل انتحارها رسالة مؤثرة كانت حديث الساعة، حينما عبرت “ميساء شاروف” عما تعرّضت له من عنف وإيذاء بدني ونفسي، وقالت في جزء من رسالتها: “بالأمس أشبعني أخي ضربًا لأنه اكتشف أنني أدخّن، كلّ كدمة تذكرني بنفس من الدخان اللذيذ الذي ملأ خلايا دماغي، ضربني شقيقي الذي يستهلك علبتين من السجائر يوميًّا”، وفي نهاية رسالتها أفصحت عن رغبتها في الموت قائلة: “الموت، تلك الكلمة الكبيرة، كم يغريني الموت لو تعلم، ويدفعني كلّ يوم نحوه، حين أكتشف أننا لا نحيا، بل نحن في انتظار الموت الذي نخافه”.

رسالة ميساء لم تكن “عادية”، بل كانت مؤثرة لمن عرفها ومن لم يعرفها، عكس رسائل كثيرة لم تحظَ بهذا التعاطف، ربما لكونها عبرت عما عانته من عنف جسدي ونفسي ونقل مشاعر الحزن والغضب بداخلها للآخرين، إذ كتبت قبل أيام من انتحارها “تدوينة” على فيسبوك، ولم تجد نفس التعاطف أو الدعم الذي حدث بعد رحيلها.

تدوينة ميساء على "فيسبوك" قبل انتحارها بأيام

اعتبر خبراء الطب النفسي أن الإعلان عن الرغبة في الانتحار بأي طريقة، سواء من خلال رسائل أو تدوينات أو الاعتراف للأصدقاء أو الطبيب المعالج، بمثابة “جرس إنذار”، ويعني ذلك وجود الفكرة ذاتها لدى الشخص وأنه قد يكون في مرحلة الاستعداد والتخطيط لها بمجرد الإعلان عنها.

وهو ما حدث بالفعل مع طالب كلية الهندسة “شريف قمر”، منذ أكثر من عامين، حينما طرح سؤالًا على موقع تويتر عن أنسب طريقة للانتحار، ولم يأخذ أحد السؤال على محمل الجد، وبدأ تفاعل حقيقي بينه وبين رواد “تويتر”، فهناك من شجعه وهناك من أعطى له الإجابة إلى أن قام بالتنفيذ وانتحر بالفعل، الأمر الذي يعكس قلة الوعي بخصوص المرضى النفسيين وكيفية التعامل معهم.

ورصد “ذات مصر” من خلال الرسائل الواردة على إحدى الصفحات على موقع “فيسبوك” (يبلغ عدد متابعيها 180 ألف شخص، ومعنية بالاستماع لمشكلات الآخرين والتواصل معهم بمساعدة أطباء نفسيين) ورود 15 رسالة لأشخاص يعلنون عن رغبتهم في الانتحار من بين 306 رسائل عرضتها الصفحة خلال شهر يونيو الماضي، كانت 8 رسائل منها لذكور و7 لإناث، فيما كشف محتوى الرسائل أن 7 منهم يُعانون من الاكتئاب، و3 آخرين يُعانون من آثار الاعتداء الجنسي، و2 عنف أسري، وباقي الحالات بسبب الميول الجنسية، والديانة، والتنمر.

يوضح أخصائي الطب النفسي الدكتور “سامح حجاج”، نائب مدير مستشفى العباسية للصحة النفسية سابقًا لـ”ذات مصر”، أن معظم المنتحرين يعانون بالفعل أزمات نفسية كبيرة قبل إقدامهم على هذه الخطوة، لكن أيضًا هناك أشخاص طبيعيون وواعون تمامًا يأخذون قرار الانتحار وإنهاء حياتهم بإرادة حرة.

يُضيف “حجاج”: “الرسائل المتروكة من قبل المنتحر في الغالب تعبر عن المشاعر السلبية بداخله، مثل مشاعر الألم، أو الوحدة، أو الغضب، أو عدم التقدير، أو عدم الأمان والخوف، وأحيانًا مشاعر الذنب تجاه ذويه، لذلك عندما يعبر الشخص عن حالة اضطراب أو اكتئاب، يجب استيعابه وتقديم يد العون له بدلًا من دفعه للإحباط واليأس من تغيير واقعه مثلما يفعل كثيرون”.

وفق “أطلس الصحة النفسية” الصادر عن منظمة الصحة العالمية في عام 2017، فإن “مصر ليست لديها استراتيجية وقائية على المستوى الحكومي لمواجهة الانتحار”، وهو ما حذر منه أخصائي الطب النفسي، بقوله: “هناك قلة وعي بالمرض النفسي في مصر والوطن العربي. الأطباء النفسيون على قلة أعدادهم إلا أنهم يجتهدون في التعريف بطبيعة الأمراض النفسية وخطورتها في حال عدم تلقي العلاج وتجاهله”.

استشهد أخصائي الطب النفسي “سامح حجاج” ببعض تجارب الدول الأوروبية في مواجهة الانتحار، منها تصميم ألعاب إلكترونية للتعريف ببعض الأمراض النفسية.

في عام 2018، ابتكر أستديو تطوير ألعاب الفيديو البريطاني Ninja Theory، لعبة إلكترونية عن “الفصام”؛ للتعبير عما يعانيه المرضى من اضطرابات تسمى “Hellblade: Senua’s Sacrifice”، وهي لعبة مغامرات خيالية تم تطويرها ونشرها.

اللعبة بمثابة استعارة لصراع الشخصية مع الذهان (الفصام)، فالبطلة تُعاني من الحالة ولكنها تعتقد أنها لعنة تطاردها، وتسمع أصواتًا في رأسها، وترى ذكريات من ماضيها، لتمثيل الفصام بشكل صحيح. وعمل المطورون بشكل وثيق مع علماء الأعصاب وأخصائيي الصحة العقلية، والأشخاص الذين يعانون من هذه الحالة للتوعية بخطورة الفصام.

وخلال الأشهر الماضية، أطلق أطباء “مبادرات فردية” لمحاولة التغلب على قلة الوعي بالمرض النفسي، عبر هاشتاج “#اكتئاب”، لسماع قصص المُكتئبين بهدف مساعدتهم، كما تأسست جروبات لـ”الفضفضة” جراء تكرار حوادث الانتحار ممن يعانون مشاكل نفسية، أو يشعرون بالخوف وعدم الأمان، ومن يبحثون عن الدعم والاحتواء.

سامح حجاج، نائب مدير مستشفى العباسية للصحة النفسية سابقًا

في نهاية حديثه، حذر النائب السابق لمدير مستشفى العباسية للصحة النفسية، من حالة “العبثية” في التعامل مع المرض النفسي، قائلًا: “نراهن على تغيير الوضع دائمًا، وزيادة الوعي بشأن الأمراض النفسية، وتقديم التعاطف مع المرضى بدلًا من جلدهم وعدم الشعور بمعاناتهم، مع ضرورة الانتباه للرسائل المستترة في أحاديثهم وعلى صفحاتهم، والتي تعبر عن جزء من ألمهم حتى لا ندفعهم للانتحار نتيجة الشعور بالخذلان”.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

أمنية طلال

صحافية مصرية

مشاركة

أحمد بيكا

جرافيك ورسوم

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram