حقائب الذاكرة

"رشوان توفيق" يفتح خزائن أسراره لـ"ذات مصر"

في منزله المطلّ على النيل بحي الزمالك الهادئ، اعتاد الفنان “رشوان توفيق” ممارسة طقوسه اليومية: يستيقظ مبكرًا، يتناول فطوره، يقرأ ورده اليومي من القرآن الكريم، ينزل الشارع لشراء طلبات البيت، يعتبر أسرته شغله الشاغل الآن، ومعظم وقته يقضيه بصحبة ابنته الإعلامية “هبة رشوان” وابنتها اللتين تعيشان معه لرعايته في هذه السن. حياة عادية للغاية يعيشها “رشوان توفيق” بعد أن كان لوقت طويل فنانًا ذائع الصيت.

ابتعاد “رشوان توفيق” عن الشاشة أتاح له فرصة غالية للتأمل في حياته الماضية، يتذكر بملامح راضية التزامه الديني، ويبتسم حين تنشط في ذاكرته لحظة تعرفه على زوجته التي أحبها حبًّا أسطوريًّا. تُعرِّج به الذاكرة على علاقته بالشيخ “الشعراوي”، وقصته مع “شكري سرحان” و”فريد شوقي”، واكتشافه عددًا من نجوم الصف الأول لاحقًا. يضحك لما قالته عنه “هند رستم”، ومن مواقفه الطريفه مع نجوم الزمن الجميل: رشدي أباظة، وتوفيق الدقن، ومحمود المليجي، وعبدالسلام محمد، وأحمد مظهر، وصلاح ذو الفقار، ومن بدايات عادل إمام.

في هذه الأجواء من القلق الكابوسي الذي فرضه الوباء على العالم، وفي المساحة الضبابية التي يداهمنا فيها الأمل للحظة ثم يختفي، ستكون لتجربة حكي مبدع ذي باع طويل في أخذ ألباب الناس وشَغْل وقتهم، أهمية بالغة، وهي المساحة التي قدمها “ذات مصر” للفنان القدير…

أرادت عائلتي أن أدخل السلك الدبلوماسي لكني اخترت العمل بالتمثيل

كانت عائلتي تريد أن أدخل السلك الدبلوماسي، وأن أعمل بوزارة الخارجية، لكني لم أفكر بالعمل إلا ممثلًا، فالتحقت بكلية الحقوق إرضاءً لوالدي وفي الوقت نفسه التحقت بالمعهد العالي للفنون المسرحية، وكنت إذا تعارضت المحاضرات أذهب لمحاضرة المعهد.

قبل زواجي لم أكن محافظًا على الصلاة باستمرار، وبعد زواجي كنت أصلي ركعتين قبل الخروج من البيت، وكنت أدعو وأقول: “يا ربّ حببني فيما تحب، وكرهني فيما تكره”. آنذاك، كنت أعمل في التليفزيون، وكنت أعود آخر الليل وأجد مشقة في طلوع السلم مع أني أسكن في الدور الأول.

رشوان توفيق مع الصحفي محسن سرحان

وفي يومٍ من أيام 1960 بعدما رجعت إلى البيت، جاءني هاتف من السماء يقول لي: “قم صلّ”، كان الجو شتاءً والبرد شديدًا، توضّأت بماء بارد وصليت كل فروض اليوم قضاءً، ولم أنتبه لنفسي إلا في الصباح وأنا نائم في مكاني على الأرض، فقمت وأنا أشعر براحة كبيرة، وقد منّ الله عليّ أن أكون من ذوي الألباب، فواظبت على أداء الصلاة في وقتها.

وذهبتُ في الصباح إلى عملي في التليفزيون كمساعد مخرج، وجاء أذان الظهر ووجدتني أسرع إلى زاوية الصلاة بقلبي، وأمسكت بكتاب الله وقرأت قليلًا، وهو المصحف الذي أحتفظ به حتى الآن، ومن يومها وأنا أقرأ كل يوم جزءًا، وكلما قرأت القرأن أجدني أبكي بكاءً رهيبًا، وبدأت أصلي كل الفروض الفائتة من عمري.

في شبابي المكبر كنت أتمنى أن أقدم المسرحية الفرنسية “مسافر بلا متاع”، لكن الآن أتمنّى أن أقدم دور “الراعي” في مسرحية “أهل الكهف” لـ”توفيق الحكيم”، هذا الدور الذي قام به الفنان “عبدالرحيم الزرقاني”، لقد تأثرت كثيرًا بهذا الفنان القدير، أعتبره أستاذي.

لكن “محمود مرسي” كان الأكثر تأثيرًا عليّ، كان قدوة لي لأنه ممثل فذ، وكذلك أعتبر الفنان الكبير “عبدالوارث عسر” أستاذي الأول، وأتذكر أني كنت أقوم بدور مهم في أحد المسلسلات، وقال لي أحدهم: أنت امتداد لعبدالوارث عسر، وقال لي الآخر: أنت امتداد للفنان الكبير الراحل حسين رياض، بعد أن قمت بأداء الدور الذي كانا بارعين فيه وهو دور الأب.

 وعلى سبيل المثال، حين أدّيت دور “عم خضر” في “امرأة من زمن الحب” مع الفنانة “سميرة أحمد”، كان هذا الدور شبيهًا بأدوار الفنان “عبدالوارث عسر”. وعندما أديت مرة دور أب للفنانة “يسرا” في “أين قلبي” كان يشبه كثيرًا الأدوار التي يقوم بها الفنان “حسين رياض”. ليس هؤلاء وحدهم من تأثرت بهم، بل اعتبرت “حمدي غيث” و”نبيل الألفي” أساتذةً وقدوةً أيضًا.

وبجانب حبي لأساتذتي، هناك حبي الخالد لأصدقائي المقربين، وهم: عبدالرحمن أبو زهرة، وعزت العلايلي. كنا دفعة واحدة، تخرّجنا في المعهد معًا، وعملنا معًا، ونتحدث يوميًّا، وكنا نتزاور كثيرًا قبل كورونا، وكانت دفعتنا تشمل: بدر الدين جمجوم، وعبدالمنعم عطا، وكنت على صلة بأعلام الدفعة التالية الذين يُعدون من جيلي أيضًا، مثل: حمدي أحمد، ويوسف شعبان، وعبدالمحسن سليم، وهذه الدفعة هي التي أسست مسرح التليفزيون.

كنت دائمًا على علاقة طيبة بالزملاء، لكن هناك فنانين أُحب العمل معهم حتى قبل أن أقرأ السيناريو، مثل صلاح السعدني، وهو ممثل فذ وخفيف الظل، وصاحب شخصية جادة جدًّا، وعبدالرحمن أبو زهرة أيضًا، وعزت العلايلي.

"أميمة" قالت لأختي: سأتزوج شابًّا أكافح معه.. فقررت الارتباط بها

نشأت في بيت مغلق عليّ أنا وأخي وأبي وأمي التي كانت من الصالحات، كانت تقوم الليل كله، وكان هناك عهد بيني وبين الله عز وجل وأنا في شبابي أنه إذا كُتب لي الزواج فلن أخرج عن حدود الله بعدها.

تزوجت وأنا طالب في الجامعة، ومنذ اليوم الذي تعرفت فيه على الحاجة “أميمة” زوجتي، رحمة الله عليها، إلى أن خرجت من الدنيا، لم أفعل شيئًا يُغضب الله، لقد رزقني بها وكافحت معي في مشواري الصعب فزادني محبة لها.

أعتبر تعرفي على زوجتي آية من آيات الله، كنت وقتها طالبًا في كلية الحقوق، وكنت ممثلًا في فرقة الكلية، والتي تُعد أهم الفرق الفنية على مستوى جميع الكليات، وكنا نمثل مسرحية اسمها “شهريار”، كانت أختها جارتنا، وكانت تجلس إلى والدتي لتتبارك بها.

لم أكن أعرف “أميمة”، قابلتها مرة واحدة في الأسانسير وهي في زيارة لأختها، فألقيت عليها السلام فهزت رأسها ولم ترد، وفي يوم عرض المسرحية أتيت بتذاكر لعائلتي ولجيراننا وكانت هي موجودة بالصدفة، وأقنعوها تذهب معهم لرؤية المسرحية.

بعد العرض جاءت أختها لي في الكواليس لتهنّئني، و”أميمة” ظلت في مكانها لم تتحرك، وذهبوا جميعًا إلى المنزل بصحبة “فاطمة” بنت أخي، وأثناء حديثهم كبنات عن وجهة نظرهن في الزواج قالت أختها: حين أتزوج سأختار عريسًا جاهزًا، لا أريد شابًّا يبدأ حياته، فردت عليها “أميمة” قائلة: سأتزوج شابًّا أكافح معه، وكلما حصلنا على شيء نفرح به ونشعر بالسعادة معًا بكفاحنا.

حكت لي “فاطمة” هذا الحوار العابر الذي دار بينهم، وأعجبني رأي “أميمة”، وشجعني كلامها على الارتباط بها رغم أني لم أكن أفكر بالزواج، وحتى الآن لا أعرف كيف تقدمت لها ولا كيف وافقوا عليّ، وعشنا مع بعضنا أسعد أيام حياتنا، وتحملت معي مشوارًا صعبًا، إلى درجة أن هناك أوقاتًا كثيرة كان بيتنا فيها بلا أي نقود، ولم تسألني مرة ماذا سنعمل في الغد، ولا كيف سنعيش. تحملت ما لا تتحمله أي زوجة في الحياة، ولم تطلب مني شيئًا لنفسها، وحين اتسع الرزق كنت أضع كل ما أحصل عليه في يديها، وآخذ منها “المصروف”، وهي تدير البيت بالكامل منذ أن كان راتبي 30 جنيهًا وحتى رحيلها.

حتى البيت الذي أسكنه الآن لا أعرف شيئًا عن فرشه ولا عن تجهيزه، إلى درجة أن جهاز بناتي وزواجهن وتكاليف زواج ابني -رحمة الله عليه- لا أعرف عنها شيئًا. كانت تدير حياتي بالكامل، كانت هي حياتي.

"الليل وآخره" أحب أعمالي إلى قلبي.. ولا أندم على شيء قدمته

أحب أعمالي إلى قلبي كان مسلسل “الليل وآخره” مع المخرجة رباب حسين، و”امرأة من زمن الحب” مع الفنانة سميرة أحمد، و”أين قلبي” مع يسرا والمخرج مجدي أبو عميرة، و”النوة” مع محمد فاضل، وأعمال كثيرة تاريخية واجتماعية مع المخرج الراحل أحمد توفيق، و”بعد العذاب” مع نور الدمرداش.

وأعتز بالأعمال الدينية التي شاركت فيها، مثل “ابن عطاء الله السكندري” وكنت في مرحلة متوسطة من العمر، وأتذكر أنه كانت هناك ندوة في مكتبة مصر الجديدة وكان يديرها رئيس المكتبة، ووقف طالب جامعي وقال لي: “كنت مسافرًا ببعثة طبية، وأجّلت سفري أسبوعًا حتى أشاهد دورك في مسلسل ابن عطاء الله السكندري”.

ولا أنسى دوري في “سيدي إبراهيم الدسوقي”، ولا دوري في مسلسل “عمر بن عبدالعزيز”، حيث كنت أؤدي دور الراعي الصالح، وكان المؤلف عبدالسلام أمين يكتب بالفضة وليس بالحبر والكلمات، وهي قصة لها مغزى عميق، وعبقرية المخرج أحمد توفيق جعلت من هذه الشخصية رمزًا فظهر في المسلسل معاصرًا لعبدالعزيز بن مروان، ثم عمر بن العزيز صغيرًا فأميرًا، ولم يتغير شكل الراعي ولا ملامحه لأنه شخصية رمزية.

وفي رحلتي الفنية لا أتذكر أني قدمت دورًا وندمت عليه، لا شك أنه على مدار مشوارنا الطويل هناك أوقات نمر فيها بأزمات اقتصادية تجبرنا على أن نؤدي أدوارًا لا نرضى عنها، لكن من حسن حظي أني لم أمر بتلك التجربة، وبالعكس حتى الأدوار الصعبة التي قدمتها كانت أفضل من الأدوار العادية التي كنت أقدمها كـ”فتى أول”، فمثلًا حصلت في “جريمة في الحي الهادئ” على جائزة التمثيل، وكنت سأحصل على جائزة عن دور الطبيب السكير في “الأنثى والذئاب” ولكني لم أتقدم للجائزة لانشغالي بالتصوير في بغداد حينها.

أُعجب "الشعراوي" بدوري في "عمر بن عبدالعزيز" فذهبت إليه وصرنا أصدقاء

بدأت علاقتي بالشيخ “الشعراوي” -رحمة الله عليه- منذ أول مرة ظهر فيها على شاشة التليفزيون في برنامج “نور على نور” مع الإعلامي “أحمد فراج”، ومنذ أن استمعت إليه شعرت بأنه يتحدث بروحانية جميلة، وكان وقتها نحيفًا دقيق الوجه، ووجدته يتحدث بطريقة غريبة جدًّا، وشعرت أن هذا الرجل سيكون له شأن عظيم ويتحلى بفيوضات ربانية، كان يتحدث عن رحلة الإسراء والمعراج، والغريب أن آخر حلقة له في التليفزيون كانت أيضًا عن الإسراء والمعراج.

ولكني لم أقابل الشيخ إلا بعدما أصبح مشهورًا، وقررت التعرف عليه بعد قراءة مانشيت نشره الصحفي بصحيفة “الأخبار” “محمود صلاح” الذي كتب: “الشيخ الشعراوي يقول: برافو رشوان”، فاتصلت به وسألته عن رأي الشيخ “الشعراوي” فيما أقدمه، وطلبت منه أرقامه، واتصلت بالشيخ وذهبت إليه في منزله بالهرم، واستقبلني بحفاوة كبيرة، وكان يجلس في بلكونة صغيرة جدًّا في بيته، وكانت أمامه مجموعة من الكتب الضخمة يقرأ فيها.

حدّثني الشيخ عن دور “محمد كريم” الذي أعدمه الفرنسيون في مسلسل “الأبطال” وقال إنه كان يضع يده على عينيه حتى يمر المشهد ولا يرى لحظة إعدامي، وأهداني مصحفًا وعباءة.

توثّقت علاقتي بالشيخ من خلال وزير الأوقاف الأسبق “أحمد طعيمة”، أحد ضباط ثورة يوليو، وكان تعرفي على الوزير جاء بسبب إعجابه بدور الراعي الصالح في مسلسل “عمر بن عبدالعزيز”، إذ اتصل بمخرج برنامج الإمام الشعراوي “عبدالنعيم شمروخ” وسأله عني وطلب رقمي منه، واتصل فعلًا على هاتف المنزل وردت عليه زوجتي، وكنت في هذا الوقت في العراق للتصوير، وعرّف بنفسه وترك أرقامه.

وحين عدت من العراق كلمته وحدث بيننا تلاقٍ روحي، ولم أكن أعلم أنه صديق مقرب جدًّا من الشيخ “الشعراوي”، ومنذ ذلك الوقت كنت أذهب بصحبته من وقت لآخر إلى منزل الشيخ “الشعراوي”. وأذكر مرة أن الشيخ ألقى قصيدة من الشعر الجاهلي لامرأة عربية تنصح فيها ابنتها التي كانت ستتزوج “النعمان بن المنذر”، بحسن معاملة زوجها، وبما يجب أن تفعله من حسن تبعّلها لزوجها، وكان الشيخ “الشعراوي” يتميز بالبساطة الشديدة ولم يكن متزمتًا أبدًا.

وبعد وفاته -رحمه الله- رأيت له رؤيتين؛ الأولى وجدته يجلس في غرفة مضيئة وفي يده مصحف يقرأ فيه، والرؤية الثانية وجدته وكأنه أمامي يخرج من الشاشة فخطفت يده وقبلتها فتراجع وهو يضحك.

"شكري سرحان" لم يسمح لزوجته بأن ترد على رجل في التليفون سواي

أعز ذكرياتي كانت مع الفنانين الكبار. أذكر أن “شكري سرحان” كان كالسيف، وهو ممثل عظيم جدًّا وشخصية جادة جدًّا، وكان معلمًا يُوجّه من معه، وتجده يستخدم إصبعه دائمًا في التوجيه، وهذا يدل على جديته. وأول مرة رأيته كنت صغيرًا ألعب مع أصدقائي أمام منزلنا في السيدة زينب، ومر من أمامي شاب وسيم ممشوق القوام يرتدي قميصًا أبيض مفتوح الصدر على بنطال أبيض، وتتدلى على جبهته خصلة من شعره (أصبحت موضة فيما بعد)، وكنت لا أعرف أن هذا الشاب هو “شكري سرحان” الذي أصبح نجمًا سينمائيًّا فيما بعد.

ومرت السنوات وعملت معه أول مرة في مسرحية “آه يا ليل يا قمر”، وكنت وقتها مساعد مخرج، وبعدها صرنا أصدقاء وكنت مقربًا منه. ومرة كنت أكلمه على هاتف المنزل، وردت عليّ زوجته “أم يحيى”، ولما قابلني ليلًا قال لي: أتعلم أن هذه هي أول مرة ترد “أم يحيى” على حد في التليفون غير أبيها وأخواتها، لأنك لما طلبتني كنت أحلق ذقني، وقال لي الأولاد إن الحاج رشوان على التليفون، فقلت للحاجة ردي على الحاج رشوان. وهذه ثقة كبيرة في شخصي.

وأتذكر موقفًا آخر، كنا في أستديو الأهرام وجلسنا معًا، فقلت له: لمَ تصبغ شعرك يا أستاذ “شكري”، وكان لا أحد يجرؤ على التحدث معه في شيء خارج العمل، فلم يُجب، لكني رأيته بعدها تكسوه المهابة بشعره الأبيض.

"رشدي أباظة" كان يشتري لعب أطفال لنفسه

أما “رشدي أباظة” فكان إنسانًا جميلًا جدًّا وبسيطًا للغاية، وكان يحمل قلب طفل، وأتذكر حين كنا نصور مشاهد من فيلم “جريمة في الحي الهادئ” في عمارة ليبون الشهيرة، وكان يسكن فيها مع زوجته “سامية جمال”، فعزمني أنا والمخرج “حسام الدين مصطفى”، ودخلنا شقته فوجدنا لعب أطفال في كل مكان، فظننا أنها تخص ابنته، لكن “سامية” قالت: هل تظنون أن “رشدي” يشتري الألعاب لابنته؟ واستكملت ضاحكة: لا، يشتريها لنفسه.

وكان “رشدي أباظة” كريمًا إلى درجة كبيرة، وكنت أصور معه أحد الأعمال في مطار القاهرة سنة 67، وكان كل العاملين من فنيين وعمال في الفيلم يشربون ويأكلون على حسابه طول مدة التصوير.

ذهبت في حج "فاخر" على حساب الأمير فيصل.. وزوجتي قالت: غير محسوبة

لديّ ذكريات لا تُنسى مع “فريد شوقي” أيضًا، وهو ممثل عظيم جدًّا، بدأت معرفتي به في المسلسلات التي أنتجها “محمد عمارة”، وعملنا معًا في مسلسل “عم حمزة” وفيلم “الملاعين”، وأذكر وقت تصوير الفيلم كنت أجهز نفسي للحج وقلت له: “أنا مسافر أنا والحاجة أميمة للسعودية للحج”، وبعدها بيومين وجدته يقول لي: “أنا كمان سأسافر للحج”، وكانت الحجة الأولى لـ”فريد”.

وقال لي: “اعمل حسابك ستسافر معي” فقلت له: “أنا حجزت حج شعبي” قال لي: “الأمير فيصل بن سعود عازمني” قلت له: “الأمير فيصل يعرفك لكن لا يعرفني، وأنا حجزي على الرياض ثم سأذهب إلى جدة”، قال لي: “ستأتي معي بدون نقاش”، وفعلًا سافرنا معًا بعد أن غيرنا التذاكر، ومن شدة الرفاهية التي أحاطت بالرحلة كانت الحاجة “أميمة” تمازحني قائلة: “هذه الحجة ليست محسوبة”.

ووصلنا المطار فأخذوا منا جوازات السفر، وأتت سيارة ملكية نقلتنا لفندق فخم، وخُصص لكل منا “شاليه”، كل “شاليه” حجرتان وصالة، فقال لي “فريد”: أُفضّل أن نكون في “شاليه” واحد، فنزلت في حجرة وهو في حجرة، وأرسل الأمير سيارة كبيرة بها طاقم لخدمة “فريد شوقي”، وكان بين الفندق والحرم مسافة مثل ما بين الزمالك وميدان التحرير وهذه المسافة لا تسير فيها السيارات، ويقطعها الناس مشيًا.

ولأنه لا يجوز أن نلبس ملابس فيها خياطة فقد أخذنا معنا “أحذية بمسامير” من الموسكي، وكلما مشى “فريد شوقي” أصاب المسمار رجله، وكان يمزح قائلًا: كنت أظن أن الرحلة ستكون مرفهة بالكامل، ولما وصلنا للحرم كان الأمير سبق وحجز لنا حجرتين كبيرتين، فصمم فريد أن ننزل في حجرة واحدة. لقد كان إنسانًا بسيطًا وجميلًا لأبعد الحدود، ومنذ هذه اللحظة ظلّ قلب “فريد شوقي” معلقًا ببيت الله الحرام، وذهب إليه كثيرًا لاحقًا.

سألت "توفيق الدقن": بماذا تشعر قبل بداية التصوير؟ فقال لي: يصيبني "مغص"

حين كنا نصور في الماضي، كان التصوير يتم لمرة واحدة، وإذا أخطأ ممثل في جملة يعاد التصوير من البداية، ومرات يحدث هذا بعد يوم كامل من التصوير، فنصور من جديد، وبتكلفة جديدة، فكنت أخاف من المسئولية، وكان الفنان الجميل “صلاح قابيل” يضحك ويقول: “رشوان توفيق” يخاف من التصوير، والحقيقة أنا كنت أخاف من المسئولية، لذلك كنت أذهب إلى الأستديو وأنا “مذاكر كويس جدًّا”.

ولما سألت “توفيق الدقن”: بماذا تشعر قبل بداية التصوير؟ فقال لي: يصيبني مغص! وهناك واقعة طريفة لتوفيق وكنا نصور مسلسل “محمد رسول الله”، وكان يلعب دور الملك النمرود، وكان الجو حارًّا، وكانت السيارات الخاصة بالإنتاج تأخذنا لصحراء أكتوبر، وتتركنا هناك في الحر الشديد ونحن نرتدي “بواريك” وذقونًا طويلة زائفة وملابس أيضًا ثقيلة، وفي مشهد حرق سيدنا “إبراهيم” كان الملك النمرود يجلس على منصة عالية ويرتدي باروكة، ويضع لحية مستعارة طويلة مع تاج نحاسي على رأسه.

وأمر المخرج “أحمد طنطاوي” فنيي الإنتاج بأن يحرقوا إطارات سيارات حتى تصنع نارًا، وكان الهواء في اتجاه “توفيق الدقن” فلم يتحمل الحر الشديد مع اللبس الثقيل والتاج الضخم والدخان، فرمى التاج على الأرض، وخلع الباروكة والذقن والملابس وجرى في الصحراء، وهو يقول: “احرقوني مع سيدنا إبراهيم، احرقوني معه”، وفريق العمل كله يضحك على خفة دمه.

وهناك واقعة أخرى أتذكرها لتوفيق، حين كنا نصور في “أبو رواش” وكان الفنانون يتركون سياراتهم عند “خريستو” في آخر الهرم، وكانت سيارات الإنتاج تأخذهم لأماكن التصوير في الصحراء، ولما عاد “الدقن” في مرة من التصوير إلى سيارته وجد “رشدي أباظة” جالسًا في سيارته، فسلم عليه وسهر معه حتى الصباح، وبمجرد أن عاد إلى بيته وقبل أن يغير ملابسه اتصل عليه عمال الإنتاج ليخبروه بانتظارهم له عند “خريستو”، فقال لهم: لماذا لم تذكّروني قبل أن أتحرك من هناك؟! لقد نسي “الدقن” أن لديه تصويرًا في الصباح، وأخذه الحديث مع صديقه “رشدي أباظة”.

و”الدقن” -رحمة الله عليه- رغم أدوار الشر التي كان يؤديها ببراعة، إلا أنه كان طيبًا وجميلًا وخجولًا، حتى أدوار الشر كان يؤديها بصيغة كوميدية لذيذة، وأنا أتحدى أي ممثل آخر أن يصل لأدائه في دور الريجسير” في مسرحية “سكة السلامة”.

عرفت "المليجي" عن قرب وكان متواضعًا.. واكتشفت المذهل "صلاح قابيل"

“محمود المليجي” كان صديقًا لأبي وقت طفولتي، وكان بسيطًا جدًا وطيبًا، وأتذكر أني كنت أعمل معه في مسلسل “النديم” مع الفنان “عزت العلايلي”، وإخراج “علوية زكي”، وكنا نؤدي بروفات قبل التصوير، ولم يكن “المليجي” يحضر البروفات لأنه في هذا الوقت يعمل مع “محمد صبحي” في أول مسرحية من بطولته، وهذا ما أغضب المخرجة “علوية زكي” وكانت سيدة مهذبة حين تغضب لا تتكلم، فجاء “المليجي” في مرة لمدام علوية وعبدالسلام محمد معها، وبمجرد أن رأى عبدالسلام محمود المليجي، قال له: “انت مزعل الست علوية ليه يا واد يا محمود” وكلنا ضحكنا وهي أيضًا ضحكت، وانتهى الخلاف.

وفي مرة كان المليجي راجعًا هو وعبدالسلام محمد من سفر في طيارة واحدة، ودخلا على الجمرك، فوقف عبدالسلام بجانب المليجي وقال له: “أنا معاك يا محمود بيه”، فضحك المليجي وقال له: “ما انت دايمًا تقولي ياواد يا محمود” فقال له: “لا انت محمود بيه” فقال المليجي: “علشان أعديك من الجمرك، وبعد كده هترجع تطول لسانك تاني”.

كان “الميلجي” يكبرني في السن، وكنت أعتز بصداقته جدًا، أما “صلاح قابيل” فكان “حدوتة”، رأيته مرة حين كنت طالبًا في المعهد، وكنت أعمل مساعد مخرج أيضًا، وكان “صلاح” طالبًا في المعهد وقتها، لكنه كان يسبقني بسنة أو اثنتين، وكان معهد التمثيل وقتها هو مدرسة الفسطاط حاليًا، وكان بالمعهد سور عريض، ومرة رأيت شابًّا جميلًا جالسًا على السور فاتحًا القميص ويدخن سيجارة فلفت انتباهي، وعرفت اسمه، ومر وقت طويل بعد ذلك.

لاحقًا وافق صديقي المخرج التليفزيوني “حسين كمال” على أن يُخرج مسلسلًا أسبوعيًّا مدته نصف ساعة بالاشتراك مع المخرج “إبراهيم الصحن”، وحين كان “حسين كمال” يحكي لي تفاصيل المسلسل ذكر أن من ضمن الأدوار دور شاب حرامي يسطو على شقة، في هذه اللحظة تذكرت “صلاح قابيل” وهو جالس على سور المعهد، ولم يكن وقتها صديقي، فقلت لحسين: “عندي شاب ينفع للدور دا”، فقال لي: يجب أن أراه أولًا، وذهبت إلى المعهد لأبحث عن “صلاح” وسألت عنه أصدقاءه، فزارني بعد أسبوع في التليفزيون، فقلت: “أنا رشحتك تمثل مع المخرج حسين كمال، هو عصبي وبيزعق بس طيب”، وكلمت “حسين” أمامه، فقال لي: أرسله إليّ، وبدأت من وقتها رحلة صلاح قابيل مع الفن، ومن يومها صرنا أصدقاء.

ومن الذين اكتشفتهم مثل “صلاح قابيل” كانت “فادية عبدالغني”، رأيتها تؤدي مشهدًا صغيرًا في مسلسل “على هامش السيرة” فمنحتها دور البطولة في المسلسل الإذاعي الشهير “من الجاني؟” وكان مخرجه “كمال أبو العلا” يعتمد عليّ كليًّا من حيث اختيار الكاست والديكور والملابس والموسيقى وكل شيء.

وكنت أول من تنبأ لموهبة الفنان “أحمد ماهر”، وقدمته في أول بطولة أيضًا.

أول مسرحية شارك بها "عادل إمام" كان يقول جملة واحدة

أول مشهد في حياة “عادل إمام” كان معي في مسرحية “ثورة قرية” وكنت مساعد مخرج، وكان يقول جملة واحدة: “حلاوة سمسمية بمليم الوقية”، وكانت الصالة تصرخ من الضحك، كنا أبطالًا وقتها، لكن “عادل إمام” حاليًّا أكبر نجم في العالم العربي كله، ومع أنه كوميديان رهيب إلا أنه تراجيدي بنفس الدرجة.

وقبل أربعة أعوام عملنا معًا في مسلسل ما، وكنا في البروفات نضحك وهو يقول “حلاوة سمسمية بجنيه الوقية”، وتذكرنا المسرحية التي شارك فيها وهو في كلية الزراعة وكانت بعنوان “ثورة الموتى” والتي أخرجها “عبدالعزيز مكيوي” مخرج “القاهرة 30″، و”مكيوي” كان ممثلًا عظيمًا وكان في الدفعة التي تسبقني، وكان من الثلاثة الأوائل في المعهد وهم: عايدة عبدالعزيز، والمخرج أحمد توفيق، وهو، وكان في الوقت نفسه حاصلًا على بكالوريوس التجارة بدرجة جيد جدًّا، ولكنه لم يكمل في التمثيل للأسف لأسباب تخصّه.

"سعاد حسني" كانت تتقمص أدوارها بطريقة مُخيفة

“سعاد حسني” موهبة عبقرية، وممثلة مذهلة، مثلت معها فيلم “نادية” وكانت “طالعة بشخصيتين”: نادية العاقلة التي تعاني آثار حرق في رقبتها، ومنى المنطلقة المرحة.

وعندما كانت تؤدي شخصية “نادية” تجلس وحيدة ولا تكلم أحدًا في الكواليس، كما تشاهدونها في نفس الدور على الشاشة، وعندما تجسد شخصية “منى” تجدها مرحة وتكلم “طوب الأرض” فكانت تتقمص أدوارها جدًّا. وكما كانت سيدة “كُمَّل” كان بيني وبينها كل احترام ومودة رحمة الله عليها، ولم ألتقِ بها بعد هذا الفيلم حتى وفاتها.

وكلما تذكرت “سعاد” خطر في بالي “هند رستم”، و”هند” قابلتها مرة واحدة وكانت فنانة جميلة ولطيفة، وأذكر أني عملت في دبي مسلسل “في بيتنا رجل” وكنت أقوم بدور الأب وهو نفس الدور الذي قام به الفنان الكبير “حسين رياض” في الفيلم، ولكن مساحة المسلسل كانت أكبر، وعندما سألوا الفنانة “هند رستم” في حوار صحفي عن المسلسل وعن دوري قالت: “لم أستطع أن أفرق بين رشوان توفيق وحسين رياض في أدائهم لنفس الدور”، وللأسف هذا المسلسل لم يُذع في مصر حتى الآن.

"أحمد مظهر" تربّى على أخلاق الفرسان.. و"صلاح ذو الفقار" شخصية عسكرية

“أحمد” كان فارسًا وأخلاقه أخلاق فرسان، وهو من أعظم الشخصيات التي قابلتها في حياتي في جديته وشخصيته وطيبته وجماله، سافرت معه في طائرة واحدة حين كنا نمثل مع بعض في فيلم “نادية”، ولما نزلنا في مطار روما ترانزيت اختفى وبعدها رجع فسألته عن غيابه المفاجئ، فقال لي كنت متعبًا فجلست في مكان هادئ في المطار ونمت قليلًا.

ولما نزلنا فينيسيا كان المخرج “حلمي رفلة” سبق وحجز لنا غرفة واحدة أنا وأحمد مظهر، وبعد جولة في عدد من المسارح والمعالم السياحية ذهبنا للنوم وفي الصباح قلت له: من متى وأنت مستيقظ؟ فقال لي: استيقظت من الفجر وخشيت أن أتحرك من السرير فأوقظك، وكنت وقتها ممثلًا صغيرًا، فكان -رحمة الله عليه- شخصية عظيمة.

الفنان الذي يُشبهه هو “صلاح ذو الفقار”، وهو شخصية عسكرية منضبطة، وكان هو وكيل نقابة الممثلين وكنت أنا عضو مجلس إدارة، ولما سألته عن انضباطه البالغ قال لي: “تعلمت هذا في كلية الشرطة، وحياتي تمشي على نفس النمط المنضبط”، وحين يرى شيئًا لا يعجبه لا يسكت أبدًا.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

حوار

محسن سرحان

صحافي مصري

بمشاركة

أحمد بيكا

غُلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram