وجهات نظر

رغم أنف كورونا.. “وقفة رجالة”: زاوية أخرى للسعادة

ماهر الشيال

في ظل أجواء احتفالية بعودة الأفلام المصرية لدور العرض مع استمرار أزمة كورونا.. كان استقبال فيلم “وقفة رجالة” للمخرج أحمد الجندي، والمؤلف هيثم دبور، صاحب فيلمي “فوتو كوبي” 2017 و”عيار ناري” 2018.

“وقفة رجالة” يتناول علاقة الصداقة، التي تربط أربعة رجال قاربوا على الستين، لم تنقطع صلاتهم طوال عقود رغم اختلاف ظروف حياة كل منهم عن الآخر.. اختيار المؤلف أن يكون أبطاله في هذه الفئة العمرية اعتمد على نجاح “فوتو كوبي”، الذي يحكي قصة رجل يعاني الوحدة بعد بلوغه سن المعاش.

كان اختيار المخرج لأبطاله قائما على أسس، أهمها أن نجومه أصدقاء عُمر وزملاء دراسة في الواقع، ما أعطى للأداء مصداقية، بالإضافة إلى حس كل ممثل وما زاده على الدور بموهبته.

التيمة الأساسية للفيلم -ذهاب بعض الأصدقاء في رحلة هروبا من ضغوط اجتماعية أو بحثا عن لحظات يستعيدون فيها بعض ما فاتهم في الحياة- قديمة، وتكررت في السينما المصرية، نذكر منها “في الصيف لازم نحب” 1974، “سهر الليالي” 2003، وفي السينما الأمريكية: “Last Vegas” 2013، وفي أفلام أخرى بتنويعات مختلفة.

أفيش فيلم “وقفة رجالة”

اعتمد “الجندي” على خلطة كوميديا ورومانسية تمثلت في العلاقة التي ربطت بين “ماهي” و”مصطفى”، اللذين يعملان لدى أحد الأصدقاء، “شهدي”، رجل الأعمال الثري العابث الراكض خلف متع الحياة.

يجتمع الأصدقاء لتقديم الدعم لصديقهم “عادل”، الذي فقد زوجته وأصيب على إثر ذلك بحالة اكتئاب.. يقترح “شهدي” القيام برحلة لمنتجع يمتلك فيه “فيلا” وشركة و”يَخت” وبعض المنشآت السياحية التي تديرها “ماهي” له.

يرحب الصديقان “هناء عزايزي”، القبطان الذي يعاني من توتر علاقته بزوجته، و”حسين” المحاسب الذي يشعر باستغلال جميع أفراد أسرته له دون مراعاة مشاعره، بالفكرة ويسعى الثلاثة لإقناع “عادل” بالخروج من عزلته والذهاب معهم.

من خلال أحداث الرحلة يكتشف الأصدقاء أنهم كانوا جميعا في احتياج شديد لها، وليس “عادل” فقط.. سيكتشفون، كل على حدة، أن ما كان يؤرق كلا منهم ويظن أنه يعكر عليه صفو حياته ليس كذلك إذا ما نظر إليه من زاوية أخرى:

سيرى “عزايزي” أن الاهتمام، الذي تطلبه زوجته منه، صورة من صور التعبير عن حبها له، ورغبتها في التواصل معه بعد أن أوشكت رحلة العمر على الانتهاء، وأن إرضاءها ليس بالأمر الصعب.

وسيدرك “حسين” أن المسؤولية الملقاة على عاتقه تجاه أسرته ليست سيئة بالكلية، عندما يفتقد هذا الدفء الذي كان يشعر به وهو بينهم، حتى وهم يستكثرون عليه أقل الأشياء ويستأثرون بها دونه.

وسيفهم “حسين” أن متعة العطاء أكبر المتع، وأن المنح هو ما يعطي للحياة معنى، وإن أنكر الأقربون.

أما “شهدي” فسيدرك أنه فشل في كل المحاولات التي قام بها ليقتل إحساسه بالوحدة.. سيتأكد أن انغماسه في المتع الحسية لم يروِ ظمأه الشديد للحياة، لأن الإحساس بالأمان لا يدرك إلا بالبيت والزوجة والأولاد.. ما يجعله يحاول تعويض ما فاته بتصرف متسرع، لكنه سيجد في هذه الصحبة من ينبهه إلى أنه لا يجب أن يبني سعادته على حساب تعاسة شخص آخر.

سيفتح “عادل” هاتفه المغلق منذ وفاة زوجته، ليكتشف أن حياته مع “عبير” لم تنتهِ برحيلها عن الدنيا.. وأنه من الممكن أن يواصل حياته معها باستعادة كل لحظة سعادة عاشاها معا.. فلا يكون حزنه عليها قيدا يكبله بقية عمره، بل طاقة حب تفيض على كل من حوله.

بيومي فؤاد

مباراة “خفيفة الظل” مع الزمن

لا يحمل إلينا “وقفة رجالة” رسائل كبرى بحكم أنه فيلم خفيف يهدف إلى الإضحاك والمتعة في المقام الأول، لكن ذلك لا يمنعنا من قراءة الفيلم من جوانب أخرى تتعلق بصراع الإنسان مع الزمن الذي يتفلت ويوشك على الانقضاء دون أن يحقق المرء ما كان يظن أنَّ فيه اكتمال سعادته.. نفهم أيضا من خلال أزمة شخصية “شهدي” أن التشبث بمرحلة عمرية ورفض الخروج منها لا يمنح الإنسان السعادة، بل يسلمه إلى أقصى حالات الألم والوحدة، فلكل مرحلة جمالها وبهجتها وفق طبيعتها، التي يجب أن يقبل بها الإنسان ولا يعاندها.

“وقفة رجالة” قدم نموذجا جديدا للسينما المصرية يجب الاستفادة منه، ألا وهو البطولة الجماعية لأبطال في سن متقدمة، مع الاعتماد على ممثلين من أصحاب مواهب كبيرة، ما يجعل النجاح الجماهيري للفيلم مضمونا إلى حد ما، وهو ما يفتح للسينما المصرية المجال لمناقشة موضوعات أكثر جدية بعيدا عن القصص التقليدية التي تعتمد على وسامة وشباب البطل وجمال وجاذبية البطلة.

رهان على الخبرة

لا أسميه تقييما بقدر ما أسميه مدحا للأداء الصادق، لذا أرى أن “ماجد الكدواني” كان الأكثر قدرة على الإقناع ببساطة في توصيل المشاعر عبر دور “شهدي”، رجل الأعمال الثري الذي يعيش الحياة كما يشاء وينظر إلى الآخرين بشيء من الاستعلاء، ويستهين بكل شيء، لكنه طيب القلب، يتفهم دوافع الناس واحتياجاتهم ويحترم لحظات الضعف الإنساني.. كأنه رجل أعمال ليس بالصورة الذهنية القديمة له لدى الجمهور.

أما الفنان “بيومي فؤاد” الذي قدم شخصية “هناء عزايزي” فشغل مساحات كبيرة من الضحك خلال الفيلم دون أن يبذل مجهودًا ضخما، فالشخصية لم تبتعد كثيرا عما قدمه من قبل في أعماله، كذلك لم يبتعد الفنان سيد رجب عن سمت أدواره السابقة، وبدت مساحة الدور في أحيان كثيرة أضيق من قدراته الهائلة، باستثناء مشهد الحوار الطويل الذي جمعه مع “الكدواني”، حيث ظهرت فيه قدرة النجمين في صناعة أهم مشاهد الفيلم، فيما أثبت الفنان شريف دسوقي حضورا عظيما يضاف إلى رصيده الفني، إذ شكّل مع إيمان السيد ثنائيا كوميديا بديعا، واستطاع استنطاق الدور في مشاهد الاستياء من جحود أسرته.

وقفة رجالة

الفنان محمد سلَّام قدم دورا متميزا بأداء متوازن بين الكوميدي والرومانسي، أما أمينة خليل فيحسب لها، رغم حداثتها نسبيا في أداء الأدوار الكوميدية، أنها لم تغرد خارج السرب في حضور هذه الكوكبة من نجوم الكوميديا، فجاء أداؤها متماشيا معهم وليس مستغربا.

بمراعاة ظروف وعوامل كثيرة تتعلق بأزمة “كورونا” وظروف الإنتاج السينمائي في مصر في الفترة الحالية، يعد فيلم “وقفة رجالة” عملا يستحق الإشادة بعد أن استطاع صانعوه صياغة هذه التوليفة من الكوميديا والدراما والرومانسية دون افتعال أو إقحام أو مباشرة، فقد أقدموا على تجربة جديدة تضع هذه المجموعة المتميزة من النجوم الكبار، الذين صنعوا مسيرتهم عبر عقود بالعرق، في أدوار البطولة، واثقين من قدرتهم على النجاح. وقد حقق الفيلم نجاحا منذ بدء عرضه ليقف جمهور السينما مع صناع الفيلم “وقفة رجالة” رغم أنف “كورونا”.

ماهر الشيال

كاتب مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى