وجهات نظر

رفعت سلام.. خروج هادئ من رحلة الانشقاق

أحمد إبراهيم

كاتب مصري

 

عام 1977 صدر العدد الأول من مجلة “إضاءة” بمانيفستو انشقاق عن الجيل السابق من رواد الشعر الحر، وقوبلت الحركة كما هو متوقع بالنقد العنيف، وخاض شعراؤها الكثير من المعارك العقلية والجمالية والعملية، وعلى حد تعبير الشاعر أمجد ريان: “بل والبدنية في بعض الأحيان” عندما تعرضوا للرفض والحصار والاحتجاز والإيذاء والتهميش والتهديد والإفقار.

وعلى الرغم مما لاقوه من نقد بشأن تهمة “إفسادهم الذائقة الشعرية وغموض قصائدهم”، فإنهم أعلنوا في المانيفستو الخاص بهم أن الغموض ليس سبة للشعر، وعلى عكس ما قاله خصومهم فإنهم قد أثروا الساحة الشعرية بتجارب فذة على كل المستويات، بروح شعرية وموسيقى غير متقيد بتفعيلة محددة، وخصوبة الخيال الذي خاض في أراضٍ غير مطروقة من المجاز والصور الشعرية المكتوبة بلغة قوية ومتماسكة.

صعود جيل السبعينات

لا يمكن تجاهل أهمية جيل السبعينات بتجربته الشعرية المميزة التي فتحت المجال لحرية الإبداع، وتعدد الأنواع الشعرية، والخروج من الرؤية الأحادية التي سادت لزمنٍ طويل.

ففي هذا العقد بالتحديد برزت على الساحة الأدبية جماعتان شعريتان أسهمت كلتاهما في تغيير المشهد الشعري المصري، وهما “إضاءة 77” و”أصوات”، ضمت كل جماعة منهم عددًا من الشعراء الذين أثروا الساحة الشعرية المصرية بإنتاجاتهم الشعرية والنقدية وفي مجال الترجمة، منهم: رفعت سلام، حلمي سالم، حسن طلب، عبد المنعم رمضان، محمد سليمان، محمد عيد إبراهيم، جمال القصاص، أمجد ريان، ماجد يوسف، محمد صالح الفقيه، وغيرهم من الأسماء الهامة، وعلى رأس الجماعتين يقف الشاعر علي قنديل، الذي رحل مبكرًا في الثانية والعشرين من عمره عام 1975، قبل تكوّن “إضاءة 77” بسنتين، لكنه كان ضلعًا هامًّا منها على الرغم من هذا.

في بداية العام الحالي توفى الشاعر والمترجم محمد عيد إبراهيم، وبالأمس غادر عالمنا الشاعر والمترجم رفعت سلّام، لنفقد قامة أخرى كبيرة تركت أثرًا لنُ يُمحى من المشهد الثقافي المصري.

كان للعوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية دور كبير في ظهور حركة جديدة في مشهد الشعر المصري في السبعينات، كما هو الأمر مع الشعر الحر الذي كانت ثورة يوليو/ تموز 1952 دافعًا قويًّا لانطلاقه، وعلى الرغم من وجود عدد من التجارب في الشعر الحر قبل هذا التاريخ، فإن الأيديولوجية التي حملها النظام والواقع الجديد تدعم أفكارًا مثل المعاصرة والواقعية والتجديد، توافقت مع الأفكار التي ينهض عليها الشعر الحر، وفي ظل هذا صارت للشعر الحر منابر ومحافل وجمهور جديد ونقاد بعد أن خاض معارك جمّة مع القديم ورموزه.

أثرت كل هذا التغيرات بالطبع في الحالة الثقافية العربية في جميع المجالات، وقد وجد هذا طريقه إلى الشعر وولدت قصيدة النثر العربية وحركات السبعينات الشعرية.

وحيدًا في “إضاءة”

كل تجربة إبداعية لشعراء السبعينات هي حالة خاصة ومتفردة بذاتها، وتُعد تجربة الراحل رفعت سلّام من أشد هذه التجارب تفرّدًا، فدفاعه المستمر عن قصيدة النثر، بل ومحاولته للإسهام في إثراء الساحة النقدية العربية بترجمة كتاب “قصيدة النثر” لسوزان برنار، لم يجعلاه منغلقًا على حدود معينة في التجريب، لذلك تنطوي جميع أعماله على شكلٍ تفعيليّ، وعندما تعرض لسؤال حول الإيقاع الذي يحمله اسم ديوانه الأخير: هل هو نوع من المخاتلة أم أنه حنين إلى الموسيقى الشعرية؟ رد على محاوره بأن النمط التفعيلي لديه موجود دائمًا، ليس كنمط إيقاعي رئيس، إنما كنمط مشارك، وأن التقسيمة الصارمة الذي طرحها جيل التسعينات بين قصيدة النثر وقصيدة التفعيلة (الشعر الحر) هي في اعتباره تقسيمة زائفة لا يحتملها الشعر والإبداع عمومًا.

هذه النقطة تحمل الكثير من الأهمية، فحصر قصيدة النثر في شكل معين يخرج بها عن الروح التي انطلقت منها، ويجعلها منغلقة على ذاتها مثل أي نوع شعري آخر منغلق على ذاته.

على مدار 33 عامًا نشر رفعت سلّام 9 دواوين تظهر لنا مدى ثراء تجربته وكثافتها، تنقّل بين مختلف الأنواع الشعرية ولم يتوقف عن التجريب في محاولة لاستكشاف جوهر الشعر بعيدًا عن التصنيفات الشعرية العقيمة.

بداية من دواوينه الأولى التي كانت تخطو خطواتها الأولى في عالم التجريب وصولاً إلى ديوانه الفذ الأخير الذي لا يمكن وصفه بأفضل مما فعل هو ذاته حين قال بأنه “غابة عارمة من الأصوات والحيوات الصاخبة، المتقاطعة، المتداخلة، المتصارعة، مخترقة فضاء الصفحة إلى الكون، الجغرافيا والتاريخ، الماضي والراهن والقادم، الأدبي والتشكيلي، بلا انتهاء”.

وعلى جانب آخر نجد ثراءً وتنوعًا في ترجماته، فقد ترجم عن الإنجليزية والفرنسية للعديد من الشعراء، الفرنسيين والإنجليز واليونانيين والروسيين، وعلى الرغم من هذا التنوع لن نجد رفعت سلّام بذاته داخل القصائد، بل هو يعطي لكل ترجمة حقها وروحها الأصلية قدر الإمكان، وتُعد  “رباعية الأعمال الشعرية”، كما كان يحب أن يطلق عليها، من أهم منجزاته في الترجمة، فقد أتاحت للقراء التعرف على شعر بودلير ورامبو وكفافيس ووالت ويتمان كاملاً، 4 من أبرز الرواد الحداثيين في الشعر، فضلاً عن ترجماته لعدد من الشعراء الآخرين مثل بوشكين وريتسوس وغيرهما.

كأنَّها نهاية الأرض

في ديسمبر/ كانون الأول 2019 انتفض الوسط الأدبي والثقافي المصري في حملة واسعة شارك فيها العديد من المثقفين لمساندة الشاعر رفعت سلّام بعد اكتشاف إصابته بالسرطان، وأصدروا بيانًا وقع عليه الكثيرون يُطالبون فيه أن يُعالج الشاعر على نفقة الدولة، لما قدمه من إسهامات كبيرة في الثقافة المصرية والعربية في مسيرته، وبعد العديد من الإجراءات التي طلبتها وزارة الثقافة قُدِّم الملف إلى مجلس الوزراء للحصول على استثناء لعلاجه على نفقة الدولة، لأنه لم يكن عضوًا في اتحاد كتاب مصر.

بعد عام تقريبًا من الصراع مع السرطان، توفي رفعت سلّام في السادس من ديسمبر/ كانون الأول 2020، عن عمرٍ ناهز 69 عامًا، مُخلفا وراءه إرثًا من الأعمال التي حفرت اسمه في المشهد الثقافي العربي بأحرفٍ غير قابلة للزوال.

 

أحمد إبراهيم

كاتب مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى